أقلام فكرية
زهير الخويلدي: المواقف الفلسفية بين المؤرخين الأحرار والمؤرخين الموالين
مقاربة نقدية
مقدمة: كتابة التاريخ ليست مجرد تسجيل للأحداث، بل هي فعل فلسفي يعكس رؤية المؤرخ للعالم، للإنسان، وللعلاقة بين الحقيقة والسلطة. في قلب هذا الفعل يقوم توتر أساسي: بين المؤرخ «الأحر» الذي يسعى للاستقلال الفكري والموضوعية النقدية، وبين المؤرخ «الموالي» الذي يرى نفسه ملتزماً بمشروع أيديولوجي أو سياسي أو ديني أو وطني. هذا التوتر ليس مجرد خلاف مهني، بل هو مواجهة فلسفية عميقة تتعلق بطبيعة الحقيقة التاريخية، دور المؤرخ، وعلاقة المعرفة بالسلطة. هذه الدراسة تقدم مقاربة نقدية معمقة وموسعة لهذا التوتر، محاولة تفكيك المواقف الفلسفية لكلا الفريقين، وكشف نقاط القوة والضعف في كل منهما، واستخلاص النتائج الإبستمولوجية والأخلاقية والاجتماعية المترتبة عليهما. الهدف ليس الحكم الأخلاقي المطلق، بل إبراز كيف أن كلا الموقفين يحملان في طياتهما تناقضات داخلية تجعل كتابة التاريخ دائماً عرضة للتشويه، سواء كان تشويهاً باسم «الحرية» أو باسم «الالتزام». فكيف يمكن استثمار التوتر الفلسفي الموجود في قلب كتابة التاريخ؟ وما الفرق بين كتابة المؤرخين الأحرار والموالين؟
أولاً: تعريف المصطلحين وأصولهما الفلسفية
المؤرخ الحر هو ذلك الذي يفترض استقلالاً نسبياً عن السلطة السياسية أو الأيديولوجية أو الدينية، ويعتبر مهمته البحث عن «الحقيقة التاريخية» بأدوات نقدية محايدة قدر الإمكان. فلسفياً، يستند إلى تراث يعود إلى هيرودوت وثوكيديدس، مروراً بابن خلدون الذي شدد على النقد والتحليل العقلي، وصولاً إلى المؤرخين «الليبراليين» الحديثين الذين يرون التاريخ كعملية عقلانية قابلة للفهم الموضوعي. يؤمن بأن المؤرخ يجب أن يكون «قاضياً» أو «محققاً» يفصل بين الواقع والأسطورة، حتى لو أدى ذلك إلى مواجهة السلطة أو الرأي العام. أما المؤرخ الموالي فهو الذي يرى نفسه جزءاً من مشروع أكبر – سواء كان دينياً (كالمؤرخين الذين يكتبون تاريخ الخلافة بمنطق الدفاع عن الصحابة)، أو قومياً (كمن يمجد التاريخ الوطني لتعزيز الهوية)، أو أيديولوجياً (كالمؤرخين الماركسيين الملتزمين أو الموالين للنظام). فلسفياً، يستند إلى فكرة أن التاريخ ليس محايداً أبداً، بل هو أداة للصراع الاجتماعي أو الديني أو السياسي. يرى أن «الالتزام» ليس عيباً بل فضيلة، لأن التاريخ يجب أن يخدم غاية عليا: التعبئة، التبرير، أو الحفاظ على الوحدة الجماعية.
ثانياً: الموقف الفلسفي للمؤرخين الأحرار
يستند المؤرخون الأحرار إلى فلسفة «الموضوعية النسبية» أو «النقدية». يؤمنون بأن التاريخ يمكن أن يُكتب بطريقة تقترب من الحقيقة إذا تم تطبيق منهج نقدي صارم يفحص المصادر، يقارن الروايات، ويكشف التناقضات. هذا الموقف يرى أن المؤرخ ليس «خادماً» لأي سلطة، بل «حارساً» للحقيقة. فلسفياً، يعتمدون على فكرة أن الإنسان قادر على الارتفاع فوق تحيزاته الشخصية من خلال البرهان العقلي والنقد الذاتي. يرفضون «الغائية» التاريخية (أن التاريخ يسير نحو غاية مسبقة)، ويؤكدون على الصدفة، الإرادة الحرة، والعوامل المعقدة. قوتهم تكمن في القدرة على كشف الأساطير الرسمية، وتقديم روايات بديلة تُثري الوعي الجماعي. لكن ضعفهم يكمن في وهم «المحايدة الكاملة»: فالمؤرخ الحر، مهما ادعى الاستقلال، يظل محكوماً بسياقه الثقافي والطبقي والزمني، وقد يتحول نقده إلى تدمير للهوية الجماعية دون تقديم بديل إيجابي.
ثالثاً: الموقف الفلسفي للمؤرخين الموالين
يرى المؤرخون الموالون أن التاريخ ليس بحثاً عن «الحقيقة المجردة» بل عن «الحقيقة الوظيفية». يؤمنون بأن كل رواية تاريخية هي بالضرورة ملتزمة، وأن الادعاء بالحياد هو نفسه موقف أيديولوجي خفي. فلسفياً، يستلهمون فكرة أن التاريخ «سلاح» في الصراع الاجتماعي أو الديني أو الوطني. مهمة المؤرخ إذن هي صياغة السرد التاريخي بطريقة تخدم الوحدة، التعبئة، أو الدفاع عن المشروع الجماعي. قوتهم تكمن في القدرة على منح التاريخ معنى أخلاقياً وسياسياً، وفي ربط الماضي بالحاضر بطريقة تجعل التاريخ «حياً» ومؤثراً في الواقع. يستطيعون أن يحولوا التاريخ إلى أداة للبناء الوطني أو الديني. أما ضعفهم فيكمن في خطر التحول إلى «دعاية» منظمة: فالالتزام قد يؤدي إلى تشويه الوقائع، إسكات الأصوات المخالفة، وصناعة أساطير تُقدس السلطة. عندما يصبح المؤرخ «موالياً» تماماً، يفقد قدرته على النقد الذاتي، فيصبح التاريخ أداة لتبرير الاستبداد أو الجمود.
رابعاً: دور التاريخ في الدعاية السياسية: بين صناعة السرد وتشويه الذاكرة الجماعية
يمكن اعتبار التاريخ سلاح سياسي، فهو ليس مجرد سجل محايد للأحداث الماضية، بل هو بناء سردي يُعاد صياغته باستمرار ليخدم أغراضاً معاصرة. في قلب هذا البناء يقف دور التاريخ في الدعاية السياسية، حيث يتحول الماضي إلى أداة قوية لتبرير السلطة الحاضرة، تعبئة الجماهير، تشويه الخصوم، أو صناعة هوية جماعية تُعزز الولاء. الدعاية السياسية لا تكتفي باستخدام الحاضر أو المستقبل؛ إنها تستدعي الماضي لأنه يمنح الشرعية العميقة، فالتاريخ يُقدم كـ«دليل» على «حق» السلطة أو «خطأ» الخصم. هذا الدور ليس حديثاً، بل يعود إلى أقدم الحضارات، لكنه اكتسب قوة هائلة في العصر الحديث مع ظهور وسائل الإعلام الجماهيرية والدولة الحديثة. المقاربة النقدية تكشف أن التاريخ في الدعاية يتحول غالباً من بحث عن الحقيقة إلى «دعاية تاريخية» ، يُعاد فيها كتابة الأحداث أو انتقاؤها أو تفسيرها بطريقة تخدم الغاية السياسية. هذه الدراسة تفكك هذا الدور في أبعاده الفلسفية والآلية والاجتماعية، مع أمثلة تاريخية توضح كيف يُستغل التاريخ كسلاح في الصراع على السلطة والوعي الجماعي.
- الطبيعة الفلسفية للعلاقة بين التاريخ والدعاية:
فلسفياً، يقوم التوتر على سؤال أساسي: هل التاريخ يصف «ما حدث» أم يُبنى ليخدم «ما يجب أن يكون»؟ المؤرخون الأحرار يرون التاريخ بحثاً نقدياً عن الحقيقة، بينما يرى الموالون (أو الدعائيون) أنه أداة للصراع. الدعاية السياسية تستغل هذا الطابع البنائي للتاريخ لأن الماضي يمنح «الشرعية التاريخية»: السلطة الحالية تُقدم نفسها كامتداد طبيعي لمجد الماضي أو كمصحح لأخطائه. ابن خلدون في «المقدمة» يُبرز أن التاريخ غالباً ما يُكتب تحت تأثير العصبية والسلطة، فيصبح أداة لتبرير الدولة أو تشويه الخصوم. الدعاية تحول التاريخ إلى «سرد مهيمن» يُقصي الروايات البديلة. هذا التحويل يعتمد على آليات فلسفية:
الاختزال: تقليص الأحداث المعقدة إلى ثنائيات بسيطة (خير/شر، بطل/خائن).
الغائية: تقديم التاريخ كمسيرة نحو غاية مسبقة (مثل «التقدم» أو «الثورة» أو «العودة إلى المجد»).
الانتقائية: اختيار الحقائق التي تخدم الرسالة وإسكات ما يناقضها.
هكذا يصبح التاريخ ليس مرآة للماضي، بل مرآة مشوهة للحاضر.
- تستخدم الدعاية التاريخ بعدة آليات عملية وفعالة:
صناعة الأساطير والأبطال الوطنيين: يُحول التاريخ إلى قصص بطولية تبني هوية جماعية. مثال: في العديد من الدول، يُقدم التاريخ الوطني كسلسلة انتصارات وتضحيات تُبرر الولاء للنظام الحالي. الدعاية تُمجد شخصيات تاريخية وتتجاهل جوانبها المظلمة لتصنع «أيقونات» تخدم التعبئة.
التعديل التاريخي: إعادة تفسير الأحداث لتبرير سياسات حالية. مثل: تقديم حروب سابقة كـ«دفاعية» أو «تحريرية» لتبرير حروب جديدة، أو تقليل جرائم النظام السابق لتعزيز الاستمرارية. هذا يشمل إنكار أو تقليل بعض المذابح أو المجاعات إذا كانت تتعارض مع السرد الرسمي.
الدعاية السلبية ضد الخصوم: استخدام التاريخ لتشويه الآخر: تقديم الخصم كامتداد لـ«أعداء تاريخيين» (مثل ربط خصم حالي بـ«الاستعمار» أو «الخيانة التاريخية»). هذا يثير العواطف ويُبرر القمع أو الحرب.
الدعاية في زمن الحروب والأزمات: خلال الحروب، يُستخدم التاريخ لرفع الروح المعنوية («نحن شعب انتصر دائماً») أو لإثارة الخوف («العدو يريد تكرار مآسي الماضي»). في الحرب العالمية الثانية، استخدم النازيون تاريخاً مشوهاً عن «اليهود» لتبرير الاضطهاد، بينما استخدم الحلفاء تاريخ «الديمقراطية» لتعبئة الشعوب.
في العصر الرقمي: الدعاية التاريخية أصبحت أسرع وأوسع انتشاراً عبر وسائل التواصل، حيث تُنشر مقاطع فيديو أو ميمز تُعاد صياغة التاريخ بسرعة للتأثير على الرأي العام.
- أمثلة تاريخية توضح الدور:
في العصور القديمة: الفراعنة والرومان استخدموا النقوش والتماثيل لتصوير الملوك كمنتصرين أبديين، حتى لو كانت الحروب هزائم.
في العصر الحديث: النازية بنت دعايتها على رواية تاريخية عن «العرق الآري» و«الخيانة اليهودية». الاتحاد السوفييتي أعاد كتابة تاريخ الثورة ليُمجد ستالين. في بعض الدول العربية، يُستخدم التاريخ الإسلامي المبكر لتبرير أنظمة معاصرة أو لتعبئة ضد «الآخر».
في الحقبة المعاصرة: بعض الدول تستخدم روايات تاريخية عن «الاستعمار» لتبرير سياسات داخلية، أو عن «المجد الإمبراطوري» لتعزيز القومية.
- الآثار الاجتماعية والأخلاقية
دور التاريخ في الدعاية يؤدي إلى: تفكك الثقة الجماعية: عندما يُكتشف التشويه، يفقد الناس الثقة في التاريخ كمرجع مشترك.
تعميق الانقسام: روايات متضاربة تُقسم المجتمع إلى معسكرات.
خطر الاستبداد: الدعاية التاريخية تُبرر القمع باسم «الدفاع عن التاريخ» أو «الوحدة الوطنية».
إعاقة الاستفاقة: بدلاً من التعلم من الماضي، يُستخدم لتبرير الأخطاء الحالية.
دور التاريخ في الدعاية السياسية يكشف عن قوة الماضي كأداة للسيطرة على الحاضر. لكن هذا الدور ليس قدراً محتوماً. الاستفاقة تتطلب تاريخاً نقدياً يرفض الدعاية، يعتمد على البرهان العقلي، ويُقدم روايات متعددة تثري الوعي لا تُقسمه. المؤرخ الحقيقي ليس أداة دعاية ولا مدمراً للهوية، بل وسيطاً بين الماضي والمستقبل يساعد المجتمع على التعلم دون تكرار الأخطاء. في عصر الإعلام الرقمي الذي يُسرع من انتشار السرديات المشوهة، يصبح الوعي بنوعية استخدام التاريخ في الدعاية شرطاً أساسياً للحرية الفكرية والاجتماعية. التاريخ يجب أن يظل مرآة صادقة للإنسانية، لا أداة لخداعها. فكيف نصل الى كتابة تاريخ نقدي يقاوم الدعاية؟
خامسا: المقارنة النقدية – التناقضات والتداخلات
عند المقارنة النقدية، نكتشف أن الفرق بين الفريقين ليس مطلقاً بل نسبياً، وأن كلاً منهما يحمل بذور نقيضه: في قضية الموضوعية: المؤرخ الحر يدعي الموضوعية لكنه قد يخفي تحيزاته الليبرالية أو الطبقية. المؤرخ الموالي يرفض الموضوعية صراحة لكنه قد يصل إلى حقائق مهمة عندما يدافع عن مشروع يحمل قيماً إيجابية.
في قضية الالتزام: الأحرار يرون الالتزام خيانة للحقيقة، بينما الموالون يرونه واجباً أخلاقياً. النقد الحقيقي يكشف أن كل مؤرخ ملتزم بطريقة ما – حتى الأحرار ملتزمون بقيم الحرية والنقد.
في قضية السلطة: الأحرار يسعون للاستقلال عن السلطة، لكنهم قد يصبحون أدوات لسلطة «السوق» أو «الإعلام». الموالون يخدمون السلطة مباشرة، لكنهم قد يستخدمون التاريخ لمواجهة سلطة أخرى.
التناقض الأعمق يكمن في أن كلا الفريقين يفترضان أن التاريخ يمكن أن يُكتب «بشكل صحيح»، بينما الواقع يثبت أن كتابة التاريخ دائماً «بناء» جزئي، محكوم بالسياق والغاية. النقد الحقيقي إذن يرفض الثنائية الصارمة، ويدعو إلى «موقف نقدي ملتزم» يجمع بين الحرية النقدية والالتزام الأخلاقي بالحقيقة والعدالة.
سادساً: الآثار الإبستمولوجية والاجتماعية للتوتر
هذا التوتر يؤثر في ثلاثة مستويات:
إبستمولوجياً: يجعل الحقيقة التاريخية دائماً محل نزاع، مما يثري المعرفة لكنه يفتح الباب للتشكيك المطلق أو الدعاية.
أخلاقياً: يطرح سؤالاً أساسياً: هل يحق للمؤرخ أن يكذب «لصالح» مشروع أكبر؟ أم أن الكذب يفسد التاريخ نفسه؟
اجتماعياً: يؤدي إلى انقسام المجتمع بين روايات رسمية وروايات مضادة، مما يُضعف الثقة الجماعية في التاريخ كمرجع مشترك.
خاتمة:
في النهاية، لا يوجد مؤرخ «حر» تماماً ولا مؤرخ «موالٍ» تماماً. كلاهما يمثلان وجهين للتناقض الإنساني نفسه: الرغبة في الحقيقة والرغبة في المعنى. المقاربة النقدية الحقيقية ترفض الوقوف عند أحد الطرفين، وتدعو إلى موقف فلسفي يجمع بين الاستقلال النقدي والالتزام الأخلاقي: مؤرخ يعرف أن التاريخ بناء، لكنه يسعى إلى أن يكون بناءً صادقاً ومنصفاً. هذا الموقف هو الذي يحول التاريخ من أداة سلطة أو من أداة هدم إلى أداة وعي وتحرر. التوتر بين الأحرار والموالين ليس عيباً، بل هو الدليل الحي على أن كتابة التاريخ فعل إنساني حي، يتجدد باستمرار كلما سعى المؤرخ إلى التوازن بين الحرية والمسؤولية. لكن نصل الى اتخاذ موقف فلسفي نقدي متوازن في كتابة التاريخ؟
***
د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي







