عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أوركسترا

عدنان حسين أحمد: «المسرّات والأوجاع».. سيرة فرد وذاكرة وطن

أثار فيلم «المسرّات والأوجاع» للمخرج محمد شكري جميل جدلًا واسعًا لم تنتهِ تداعياته حتى الآن. وقد رأى غالبية النقاد السينمائيين أن الفيلم أخفق إخفاقًا كبيرًا، وأنه جاء خاتمة لا تليق بمكانة مخرجه وتجربته السينمائية التي تمتد إلى سبعة عقود أو يزيد. ولكي نكون منصفين في الحكم عليه، لا بد من قراءة الفيلم من جوانب متعددة، حتى نعطي كل ذي حق حقه، ونكشف، في النتيجة، مواطن الضعف والقوة في هذا العمل الذي أُنجز لفعالية بغداد عاصمة الثقافة العربية سنة 2013، لكنه ظل حبيس الأدراج ولم يُعرض على الجمهور إلا بعد نحو عشر سنوات.

وقبل الخوض في تفاصيل الفيلم، لا بد من الإشارة إلى أن السينما العراقية شهدت، منذ خمسينيات القرن الماضي، عددًا من التجارب المهمة في اقتباس القصص والروايات العراقية وتحويلها إلى أفلام روائية طويلة، بما يؤكد عمق الصلة بين الأدب والسينما في العراق. ويمكن رصد خمسة عشر فيلمًا من هذا النوع، بحسب تسلسلها التاريخي.

بدأت هذه التجارب بفيلم «من المسؤول؟» للمخرج عبدالجبار ولي، المأخوذ عن قصة تحمل العنوان ذاته للكاتب إدمون صبري عام 1957، ثم «سعيد أفندي» للمخرج كاميران حسني، المقتبس من قصة «شجار» للكاتب إدمون صبري أيضًا عام 1958. وفي عام 1973 قدم محمد شكري جميل فيلم «الظامئون» عن رواية تحمل العنوان ذاته لعبدالرزاق المطلبي، ثم جاء «المنعطف» لجعفر علي، المقتبس من رواية «خمسة أصوات» لغائب طعمة فرمان عام 1975، و«النهر» لفيصل الياسري عن رواية تحمل العنوان ذاته لمحمد شاكر السبع عام 1978.

وفي أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات توالت التجارب، فقدم محمد شكري جميل «الأسوار» عن رواية «القمر والأسوار» لعبدالرحمن مجيد الربيعي عام 1979، وأخرج توفيق صالح «الأيام الطويلة» عن رواية تحمل العنوان ذاته لعبدالأمير معلة عام 1980. ثم جاء «العاشق» لمحمد منير فنري، المقتبس من رواية «مكابدات عبدالله العاشق» لعبدالخالق الركابي عام 1985، و«الحب كان السبب» لعبدالهادي مبارك عن رواية «العزف في مكان صاخب» لعلي خيون عام 1986، و«الفارس والجبل» لمحمد شكري جميل عن قصة «الخيال» لعبدالخالق الركابي عام 1987، ثم «اللعبة» للمخرج نفسه، عن رواية تحمل العنوان ذاته ليوسف الصائغ عام 1989.

وفي عقد التسعينيات برز فيلم «فتى الصحراء» لعبدالسلام الأعظمي، المقتبس من رواية «البطل الصغير» للكاتب محمد شمسي عام 1991. وبعد ذلك استؤنفت علاقة السينما العراقية بالرواية في الألفية الجديدة من خلال «مخاض شعب» للمخرج الكوردي الإيراني جميل رستمي، عن رواية تحمل العنوان ذاته للروائي الكوردي إبراهيم أحمد عام 2007، و«يوم الحساب» للمخرج حسين سيودين، المقتبس من أحد أقسام رواية «مدينة الموسيقيين البيض» لبختيار علي عام 2010. وأخيرًا يأتي فيلم «المسرّات والأوجاع» لمحمد شكري جميل، المقتبس من رواية فؤاد التكرلي التي تحمل العنوان ذاته عام 2013، وهو الفيلم الذي سيكون مدار بحثنا ودراستنا النقدية الراهنة.3127 masarat

من الرواية إلى الصورة: آليات الاقتباس والتحويل

لا شك في أن اقتباس أي رواية وتحويلها إلى فيلم سينمائي يتطلب اعتماد آليات متعددة، تبدأ بالحذف، وتمر بالاختزال والتجاوز والمواءمة والإضافة والتحوير والتكثيف، وتنتهي بآلية التحويل من السرد إلى الصورة. ولو تمعّنا جيدًا في الرواية التي تألق فيها الكاتب فؤاد التكرلي، لأدركنا حجم وطبيعة التغييرات التي أحدثها السينارست ثامر مهدي، سواء في الحذف أو الإضافة أو التحوير أو غيرها من آليات الاقتباس المعروفة التي تسعى إلى تحويل اللغة الأدبية إلى صورة بصرية بليغة.

فقبل الحذف والاختزال والتكثيف، استعمل السينارست آلية الإقحام أو الإضافة (Interpolation / Addition)، حين أدرج أربعة مقاطع مع المدخل الاستهلالي لقصيدة الشاعر الشعبي ملا عبود الكرخي: «بغداد مبنية بتمر / فلّش وكل خستاوي»، المغنّاة بصوت قارئ المقام العراقي المعروف الفنان عامر توفيق.

وقد وُفّق السينارست، إلى حد كبير، في هذه الإضافة المبنية على ثنائيات عديدة، مثل المستعمِر والمستعمَر، والبناء والهدم، والناهب والمنهوب، والغنى والفقر.

وتتمثل مظاهر الوفرة والثراء في القصيدة في التين والرطب والتفاح والعنب والزبد والعسل والحنطة والشلب والصوف والدهن وأصناف عديدة من التمور، فضلًا عن نهر دجلة. لكن الشعب العراقي، في المقابل، يعاني الحرمان والفقر المدقع، ولا يجني، في خاتمة المطاف، سوى «النوى والتبن»، وأكثر من ذلك السجن والقهر والعبودية والإذلال.

ومن هنا لا يبدو توظيف السينارست لهذه القصيدة مجرد إضافة تزويقية أو استدعاء للتراث الشعبي، وإنما هو توظيف مدروس للذاكرة العراقية، يسلّط الضوء على علاقة الاحتلال الأجنبي بنهب الثروة وقمع الإنسان العراقي ومصادرة حريته الشخصية والعامة.

ووفق هذه العتبة التأويلية الذكية، التي لا تروي أحداث الفيلم الدرامية بقدر ما تمنح المشاهد مفتاحًا يلج من خلاله إلى مدينة بغداد وتاريخها وشعبها، يصبح العنوان نفسه دالًا على مفارقة أساسية: شعب عرف قليلًا من الأفراح والمسرّات، وعانى كثيرًا من الأوجاع والعذابات.

سيرة إنسان في مهبّ التحولات

قبل الولوج في تفاصيل الفيلم وأحداثه المتشعبة، أرى من المناسب أن نقدّم للمتلقي ثيمته الرئيسة، التي توحي أيضًا بالثيمات الفرعية المبثوثة على امتداد الفيلم، الذي بلغت مدته ساعتين بالتمام والكمال.

يرصد الفيلم رحلة توفيق عبر عقود حافلة من تاريخ العراق، منذ تشكيل الدولة العراقية الحديثة سنة 1921 وحتى احتلال القوات الأنغلو-أمريكية للعراق عام 2003. وبين تحولات السياسة والمجتمع، يخوض توفيق رحلة بحث عن معنى لحياته ومكان يليق به في عالم دائم التغيّر، لكنه سرعان ما يجد نفسه محاصرًا بسلسلة متواصلة من الخيبات والخسارات.

لم يذق العراقيون طعم الراحة مذ بدأت الغزوات والاحتلالات المتعاقبة للعراق. وقد ارتأى السينارست والمخرج معًا الإشارة إلى خريجي المدارس العسكرية التركية خلال الحقبة العثمانية؛ إذ شارك غالبية هؤلاء في حروب الإمبراطورية العثمانية، ومن بينها الحرب ضد بريطانيا، ودفعوا أثمانًا باهظة في حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

ولم يجد السينارست ثامر مهدي ضرورة ملحّة للإبقاء على المقدمة الطويلة التي كتبها فؤاد التكرلي عن عائلة الجد عبدالمولى، مجهول الأصل، الذي يتكلم العربية بلكنة هندية، وتزوج من ابنة نجّار في خانقين أنجبت له ثمانية أولاد، كان آخرهم سورالدين، الذي تزوج بدوره من ابنة مأمور جمارك متقاعد تعرف القراءة والكتابة.

فحذف السينارست هذه المقدمة المتعلقة بآل عبدالمولى، وبدأ من عائلة سورالدين عام 1917. ولو شئنا الدقة، فإن أحداث الفيلم تبدأ بولادة توفيق، الابن الثاني لسورالدين، بعد شقيقه عبدالباري الذي يكبره بسبع سنوات.

يُنسّب توفيق، الذي يؤدي دوره محمد البصري، إلى قلم التحرير براتب اسمي قدره 21 دينارًا، وهو مبلغ يقل عما كان يتقاضاه من أمه. ولم توفر له الوظيفة السند المادي ولا الأمان النفسي؛ فالدائرة التي يعمل فيها مليئة بالمخبرين الذين يتجسسون على بعضهم بعضًا.

وما إن يتزوج حتى يكتشف أنه عقيم، فتتدهور علاقته بزوجته الميسورة الحال كميلة، التي تؤدي دورها شيماء كريم، ولا يجد بدًا من الطلاق حلًا يرضي الطرفين.

ولم تمنحه العائلة، هي الأخرى، الأمان الذي كان يتوقعه؛ إذ تحرمه أمه من الإرث الذي أوصت به عمته، ثم يستولي أخوه عبدالباري، الذي يؤدي دوره محمد يونس، على بيت العائلة ويسجله باسمه في دائرة التسجيل العقاري. ومع مرور الوقت، تتآكل علاقاته بمن حوله، ويفقد الثقة بالأسرة والأصدقاء والمحيط الاجتماعي.3126 masarat

الحب بوصفه بحثًا عن الاكتمال

يلجأ السينارست، في رسم المسار العاطفي لتوفيق، إلى الحذف والمواءمة والتحوير. فالمرأة التي أحبها في الرواية، آديل، تتحول في الفيلم إلى هديل، وتسافر إلى فرنسا بعد تغييب زوجها من قبل النظام القمعي السابق، ثم تعود لاحقًا لاستكمال معاملة إرث ابنتها الوحيدة.

وبعد ذلك يرتبط توفيق بأنوار، زوجة أحد أقاربه، بحثًا عن لحظات من الحب واللذة وتعويض داخلي عن إحساسه بالنقص.

ثم يرتبط بكميلة ويتزوجها، لكنها لا تنجب منه، فيبقى حلم تكوين الأسرة ناقصًا، وكأن عجزه عن الإنجاب يعكس عجزًا أوسع عن تحقيق الاستقرار والامتداد. وأخيرًا يقع في حب فتحية، ابنة الفرّاش، التي ترفض الزواج منه لأنه لم يعد قادرًا على دفع إيجار الغرفة التي يسكن فيها.

فتتزوج فتحية من غسان، الذي يؤدي دوره أحمد صباح، وتحمل منه، لكن غسان يُنقل إلى الجبهة ويموت في الحرب.

ومن يتمعن في شخصية توفيق جيدًا، يكتشف أنه لا يتحرك وفق حبكة الأحداث وحدها، بل وفق قانون داخلي واضح: كلما اقترب من امتلاك شيء، فقده أو اكتشف استحالته. وهذه المفارقة هي التي تمنح العنوان دلالته العميقة. فالمسرّات التي يقترب منها توفيق لا تلبث أن تنقلب إلى أوجاع، وما يكاد يظن أنه عثر على منفذ للخلاص حتى يغلق أمامه.

ولم يكن توفيق ضحية فحسب، بل هو شخصية مركّبة؛ إنسان مجروح يبحث عن الحب والاكتمال، لكنه يحمل تناقضاته وأخطاءه أيضًا. وهذه النقطة تحديدًا هي التي تجعل الشخصية قابلة لقراءة نقدية متعددة، لأنها تبتعد عن النموذج الأخلاقي البسيط، ولا تقدم لنا بطلًا خاليًا من العيوب، وإنما إنسانًا يتشكل تحت ضغط التاريخ والظروف الاجتماعية والسياسية والنفسية.

الفرد في مرآة التاريخ العراقي

إذا تركنا الجانب العاطفي في شخصية توفيق، وتتبعنا مسيرته الوظيفية، فإننا نلج إلى الجانب السياسي والاجتماعي والنفسي في الفيلم، حيث تسلّط مسيرته الضوء على المواطن العراقي الذي يعيش تحت وطأة أنظمة سياسية متعددة ومتغيرة.

وقد عبّر السينارست عن هذا التحول السياسي من خلال شخصية الفرّاش أبي فتحية، التي جسّدها بإتقان عالٍ الفنان القدير حيدر منعثر. فنراه وهو يبدّل صور خمسة من القادة والزعماء العراقيين الذين تناوبوا على حكم العراق خلال قرابة قرن من الزمان، وهم: فيصل الثاني، وعبدالكريم قاسم، وعبدالسلام محمد عارف، وأحمد حسن البكر، وأخيرًا صدام حسين.

وقد أسقط السينارست من الحساب صورة عبدالرحمن محمد عارف، ربما رغبة في تقليل صيغة المبالغة في عدد الثورات والانقلابات التي مرّ بها العراق، مع أن هذه الوقائع تظل حقيقة تاريخية واضحة. ومن خلال هذا التفصيل البصري البسيط، استطاع الفيلم أن يحوّل الجدار والصور إلى سجل سياسي مختصر لتاريخ العراق الحديث.

لقد أراد السينارست، ومن خلفه المخرج بطبيعة الحال، الإحاطة بمختلف الحقب الزمنية، لكن التركيز كان واضحًا على حقبة الزعيم عبدالكريم قاسم وما رافقها من مشاريع وتغييرات تركت أثرها المباشر في المواطنين، ولا سيما الفلاحين منهم الذين صادرت الدولة أراضيهم الزراعية. ومن بين هؤلاء أبو فتحية، الذي اضطر إلى الهجرة من مدينة الصويرة إلى الشاكرية، ومنها إلى حي العامل في بغداد.

كما كان التركيز الأكبر منصبًا على حقبة البكر وصدام حسين، إذ يكشف لنا المخرج الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والنفسية لعدد من العوائل. ومن بينها عائلة عبدالباري وزوجته وأولاده الأربعة، وعائلة سلمان آل قصابي، الذي يؤدي دوره طه علوان، وتتكون من الأب وابنتيه ثريا، التي تؤدي دورها زهرة بدن، وكميلة، التي تؤدي دورها شيماء كريم.3128 masarat

كما نتعرف إلى عائلة الرسام عبدالإله، الذي هربت زوجته مع رجل ثري، ثم تزوج من سندس التي اهتمت بابنه غسان، قبل أن يتزوج غسان من فتحية، التي تؤدي دورها شيماء رعد، ويستشهد في الحرب العراقية الإيرانية، تاركًا جنينًا في رحم زوجته ستلده بعد استشهاده.

كما تنفتح أحداث الفيلم على عائلة أبي فتحية وعائلة نسيبه السركال غضبان الحسن، الذي يموت بعد تسع سنوات بسكتة قلبية، إضافة إلى عوائل أخرى من الأهل والأقارب والأصدقاء. وبهذا لا تبدو هذه الشخصيات مجرد خطوط سردية ثانوية، وإنما تتحول إلى شظايا من المجتمع العراقي الذي تتوالى عليه الخسارات.

يموت سورالدين بسرطان البنكرياس، وتفارق زوجته الحياة بسبب ذات الرئة، وينفصل توفيق عن زوجته كميلة، ثم تتعمق مأساته حين يُفصل من وظيفته في زمن البعث بسبب الظروف السياسية والقمع الفكري، فيفقد آخر دعائم الاستقرار الاجتماعي.

وهكذا يجد توفيق نفسه وحيدًا، بلا أسرة، وبلا عمل، وبلا مستقبل واضح، محتفظًا فقط بذاكرة المسرّات القصيرة وسط بحر من الأوجاع.

حين يصبح الوطن سجلًا للخسارات

لم يقتصر فصل توفيق من الوظيفة على خمس سنوات، بل تعداه إلى منعه من مزاولة المحاماة، فلا غرابة أن يجد نفسه في العراء تمامًا، بلا سقف يأويه، وبلا راتب شهري يلبي مستلزماته واحتياجاته المعيشية.

ويدفع ذلك أبا فتحية إلى إيوائه في منزله، حيث يتولى توفيق، بصورة شكلية، الدفاع عن قضيته المتعلقة بابنته، بعد أن شكّك أولاد زوجها في أن والدهم لم يمت بالسكتة القلبية، واعتقدوا أنها ضالعة في موته المبكر.

وحسنًا فعل السينارست حين ربط بين محنة توفيق ومأساة غسان، إن صح التعبير؛ فمأساة غسان فردية في ظاهرها، لكنها تحيل إلى مأساة جيل عراقي كامل عاش تحولات قاسية امتدت عقودًا من الزمن. وهنا يتجاوز الفيلم سيرة توفيق الفردية ليجعل منها مرآة لمرحلة تاريخية كان فيها الإنسان العراقي يجد نفسه عاجزًا عن التحكم بمصيره.

ثمة صوت يرتفع احتجاجًا حين تمر توابيت الشهداء في شوارع المدينة وأزقتها، ولا سيما حين يستشهد غسان، تاركًا فتحية، التي كانت تحمل جنينه، تنتظر عودته على أحر من الجمر. لكن محرقة الحرب طالت الكثير من الشباب، ولم تكن لتوفر أحدًا إذا ظل الوضع على ما هو عليه. وهكذا يتحول موت غسان من حادثة شخصية إلى علامة على جيل كامل ابتلعته الحروب.3129 masarat

زمن الولاء والقمع الفكري

لم يشأ السينارست ثامر مهدي أن يمرّ على زمن البعث مرورًا عابرًا؛ ففي تلك المرحلة اختلط الحابل بالنابل، ووجد كثير من الجهلاء طريقهم إلى وظائف أمنية حساسة لا تعتمد على الكفاءة والتحصيل الدراسي، وإنما على الولاء الأعمى لـ«الحزب القائد».

ولعل علوان الأعرج، الذي أدى دوره إحسان هاني، خير نموذج للإنسان الفاشل دراسيًا، لكن ولاءه للحزب هو الذي ضمن له هذا المنصب الأمني المهم، وجعله مديرًا لاستعلامات الدائرة التي تراقب، بحسب منطقه، المتربصين والأذناب والحاقدين على مسيرة الحزب والثورة.

وتكشف هذه الشخصية، على الرغم من حضورها المحدود، عن طبيعة منظومة كاملة يصبح فيها الولاء السياسي معيارًا للارتقاء، بينما تتراجع الكفاءة والمعرفة والنزاهة إلى مراتب ثانوية. وهنا تتسع محنة توفيق من مجرد مشكلة شخصية إلى مأزق وجودي يتصل بعلاقته مع مجتمع فقد كثيرًا من معاييره الطبيعية تحت ضغط الخوف والرقابة والقمع.

أداء الممثلين: تفاوت بين الخبرة والتجربة الجديدة

على الرغم من طول هذه الدراسة النقدية، لا بد لنا من التوقف عند أداء الممثلين من مختلف الأعمار والأجيال؛ الرواد منهم والممثلين المحدثين على حد سواء، لما لهذا الجانب من أهمية خاصة في فيلم يقوم بدرجة كبيرة على الشخصيات ومساراتها النفسية والاجتماعية الممتدة عبر عقود طويلة.

وربما لا يحتاج الفنانون الكبار إلى كثير من الإشادة بقدراتهم الأدائية والتعبيرية، فهي معروفة لدى غالبية المشاهدين، ومن بينهم عبدالستار البصري، وطارق شاكر، وطه علوان، وخليل عبدالقادر، وفاطمة الربيعي، وشقيقتها زهرة الربيعي، وسناء سليم. والأمر ذاته يمكن أن ينسحب على الجيل الأوسط، الذي يتمثل بالفنانين حيدر منعثر، وكامل إبراهيم، وزهرة بدن، ومحمد يونس، وآخرين لا يسع المجال لذكرهم جميعًا.

وقد كان الجيلان الأول والثاني متمكنين من أدواتهما الأدائية، وحافظ معظمهم على مستوى عالٍ من الصدقية والعفوية. لكن بعض ممثلي الجيل الأوسط تألقوا بصورة لافتة، وفي مقدمتهم الفنان حيدر منعثر الذي تلبّس شخصية الفرّاش، أو عامل الخدمة، وأتقنها تمامًا، وكان خفيف الظل وجميل الحضور طوال وجوده في الفيلم، من دون أن ينزلق إلى الكاريكاتورية أو المبالغة.

كما تميز الفنان الراحل كامل إبراهيم بأدائه الهادئ لشخصية الصديق عبدالقادر، وكان مقنعًا فيها إلى حد بعيد. أما الفنانة زهرة بدن، التي أسند إليها المخرج دور ثريا، فقد تقمصت الشخصية ببراعة شديدة تُغبط عليها حقًا، ونجحت في تقديمها بأداء متزن يبتعد عن الاستعراض. وربما ينسحب هذا الأمر على الفنان محمد يونس الذي أدى دور عبدالباري، ونجح فيه من دون السقوط في فخ التهويل والمبالغة الزائدة.

أما المعضلة الحقيقية التي أثارت انتقادات لاذعة للفيلم، فتكمن في أداء بعض الممثلين الشباب؛ فقد تعثر البطل محمد البصري في تأدية دور توفيق، وأخفق في مواضع عديدة في الإمساك بالتدرجات النفسية لشخصية مركبة تمتد حياتها على عقود طويلة. لكنه نجح في مواضع أخرى، واستطاع، في بعض المشاهد، انتشال الفيلم من السقوط الكلي في فخ الرتابة والأداء الضعيف.

وهذا الأمر ينسحب، بدرجة ما، على شيماء كريم التي لم تُحسن تأدية شخصية كميلة، وظل أداؤها دون المتوسط في أفضل الأحوال. أما شيماء رعد، التي جسدت دور فتحية، فقد جاء أداؤها متأرجحًا بين النجاح والتعثر، لكنه كان أقرب إلى النجاح منه إلى الفشل. وينسحب الأمر كذلك على إحسان هاني، الذي بدا أداؤه في بعض المواضع مرتبكًا، واقترب أحيانًا من الافتعال أكثر من الأداء الواقعي.

وعمومًا، يكشف تفاوت الأداء في الفيلم عن فارق واضح بين خبرة الأجيال الأقدم وتجربة بعض الوجوه الأحدث. فبينما استطاع معظم الرواد والممثلين ذوي الخبرة فرض حضورهم بأدوات أدائية راسخة، احتاج بعض الشباب إلى مزيد من التحكم بالأداء الداخلي والابتعاد عن المباشرة والانفعال الزائد. ولا يعني ذلك بالضرورة الحكم على تجاربهم بالفشل، بقدر ما يكشف عن صعوبة الأدوار التي أُسندت إليهم، ولا سيما أن بعض الشخصيات تتطلب الانتقال بين مراحل عمرية ونفسية واجتماعية متباينة.3130 masarat

بين المسرّة العابرة والوجع المقيم

من هنا يمكن فهم العنوان «المسرّات والأوجاع» بعيدًا عن كونه تسمية شاعرية لحياة بطل الفيلم. فالمسرّات في حياة توفيق قصيرة وعابرة، بينما الأوجاع متصلة ومتراكمة. الحب لا يكتمل، والزواج لا ينجب، والأسرة لا تمنحه الأمان، والعمل لا يوفر له الاستقرار، والبيت الذي يفترض أن يكون ملاذًا يتحول إلى حق مفقود، والأصدقاء لا يستطيعون إنقاذه، والوطن نفسه يتحول إلى فضاء تتناوب عليه الانقلابات والحروب والاحتلالات.

ولعل قوة الشخصية تكمن في أن توفيقًا لا يمثل مأساة فردية خالصة؛ فهو ابن مرحلة تاريخية كاملة، يتداخل فيها الخاص بالعام، والعاطفة بالسياسة، والرغبة بالعجز، والبحث عن الخلاص باستحالة الوصول إليه. وكلما حاول أن يصنع لنفسه حياة طبيعية، تدخلت الظروف السياسية أو الاجتماعية أو الشخصية لتنتزع منه ما ظن أنه أصبح ملكًا له.

وعلى هذا الأساس، فإن قراءة الفيلم بوصفه إخفاقًا مطلقًا قد تكون قراءة متعجلة، مثلما أن الدفاع عنه بوصفه عملًا مكتملًا لا تشوبه شائبة سيكون مجانبًا للإنصاف. فالفيلم يحمل، بلا شك، مواطن ضعف واضحة في بنائه وتنفيذه وإيقاعه، لكنه في الوقت نفسه ينطوي على محاولات جادة لتحويل رواية واسعة ومتشعبة إلى عمل سينمائي يختزل قرنًا تقريبًا من التاريخ العراقي من خلال سيرة رجل واحد.

إن قيمة الفيلم، في تقديري، لا تكمن في نجاحه الكامل في هذه المهمة الصعبة، وإنما في المحاولة نفسها، وفي بعض الخيارات الذكية التي اتخذها السينارست، وفي مقدمتها توظيف قصيدة ملا عبود الكرخي، وشخصية أبي فتحية، وتسلسل صور الحكام، وربط مصير توفيق بمصائر عائلات وأجيال عراقية عاشت الحروب والانقلابات والقمع والفقر والتشرد.

لقد حاول مخرج فيلم «المسرّات والأوجاع» أن يجعل من حياة توفيق خيطًا سرديًا يمتد عبر عقود العراق الحديث، وأن يقول لنا إن الإنسان قد يعيش عمرًا كاملًا بحثًا عن مسرّة صغيرة، لكن التاريخ، حين يكون قاسيًا، لا يترك له في النهاية إلا ذاكرة تلك المسرّات، وكثيرًا من الأوجاع.

وهنا تحديدًا تكمن المفارقة الأعمق في الفيلم: توفيق لا يخسر حياته دفعةً واحدة، وإنما يخسرها بالتقسيط؛ حبًّا بعد حب، وبيتًا بعد بيت، ووظيفةً بعد وظيفة، وحلمًا بعد حلم. ومن ثمّ، تبدو نهايته الشخصية امتدادًا طبيعيًا لمأساة وطن كامل عاش، هو الآخر، سلسلةً طويلة من الآمال القصيرة والانكسارات المتعاقبة.

ولعل هذه المفارقة هي ما يمنح مأساة توفيق دلالتها الأوسع؛ فهو لا يمثل فردًا هزمته ظروفه فحسب، بل يجسّد إنسانًا تآكلت أحلامه تدريجيًا حتى غدا فقدان الحياة نتيجةً لمسار طويل من الخيبات، لا لحظةً واحدة من السقوط.

جدير ذكره أنَّ المخرج محمد شكري جميل قد أنجز العديد من الأفلام الوثائقية والروائية نذكر منها «شايف خير»،«الظامئون»، «الأسوار»،«المهمة مستمرة»، «الفارس والجبل»، «عرس عراقي»، «اللعبة»، «المسألة الكبرى»، «الملك غازي»  و«المسرات والأوجاع».

***  

لندن: عدنان حسين أحمد

في المثقف اليوم