قبل الخوض في معطيات الفيلم الروائي القصير (حظ السلاحف) للمخرجة العراقية - المصرية بثينة الناصري لا بدّ من الإشارة إلى أنَّ القاصة والمترجمة والسينارست بثينة قد وصلت إلى قناعة شبه تامّة بأنَّ (المستقبل للصورة وليس للكلمة) وحجتها في ذلك أنَّ شباب اليوم لا يقرؤون الكتب الورقية وإنما يشاهدون القصص المُصوّرة على هواتفهم النقّالة!
ونتيجة لهذا التغيّر الجذري في قناعتها الشخصية فقد قرّرت بثينة أن تحوّل بعض قصصها إلى أفلام روائية قصيرة؛ خاصة وأنها كتبت سيناريوهين وهما (سبق صحفي) أنجز عام 2017 للمخرج المصري بيتر فؤاد، والثاني (منديل أبو ريحة) أُنجز عام 2019 للمخرج المصري حسن صالح، علمًا بأنَّ الأول مأخوذ عن قصتها التي تحمل العنوان ذاته، والثاني مستوحى من قصتها التي تنضوي تحت عنوان (حكاية البنت سماح).
وحينما بدأت الناصري دراستها للسيناريو و الإخراج السينمائي عام 2022 في (المدرسة العربية للسينما والتلفزيون) بالقاهرة استهلّت رحلتها في كلا الاختصاصين وأنجزت حتى الآن ستة أفلام روائية قصيرة نالت عنها العديد من الجوائز العالمية بينما لم تنتبه إليها المهرجانات السينمائية العراقية والعربية حتى الآن على الرغم من جودة أفلامها وعمق رؤيتها الإخراجية اللافتة للانتباه.
على الرغم من أنَّ (حظ السلاحف) هو الفيلم الروائي القصير الأول للمخرجة بثينة الناصري إلّا أنَّ جودته الفنية والفكرية تشي بنَفَس احترافي واضح وكأنَّ في رصيدها الإخراجي والتأليفي في ذلك الوقت عشرة أفلام في الأقل وليس فيلمًا واحدًا يضع تجربتها الإخراجية على محكّ الاختبار الفني. فالسيناريو الذي كَتبتْهُ يدلل على ما نقول أو ندعّي في أضعف الأحوال. كما أنَّ المعالجة الفنية للفكرة الرئيسة في الفيلم كانت تضرب في الصميم وتقول أشياء كثيرة تضع هذا الفيلم القصير الذي بلغت مدته ثماني دقائق في مصاف الأفلام المدروسة بعناية فائقة وتلفت الانتباه بقوة إلى رمزيته العالية، ونزعته الفلسفية والتأملية التي تقاصص الذاكرة الشعبية وتدحض ثنائية الإيمان بالحظ ومتاهات القدر.
المفارقة وعبث المصير
ولكي لا نشتط بعيدًا في التأويل أجد من المناسب أن نقدّم مُلخصًا لفكرة الفيلم وثيمته الرئيسة التي تتمحور على (أسرة تؤمن بالحظ والتمائم حيث تصطحب معها سُلحْفاة صغيرة في رحلة تنتهي بحادث مروّع يُودي بحياة أفرادها جميعًا. ولا تنجو من الحادث سوى السلحْفاة، في مفارقة تختزل عبث الاعتقاد بالحظ وتقلبات المصير).
لا شكّ في أنَّ السيناريو الذي كتبتهُ بثينة الناصري قد أخذ من القصة جوهر ثيمتها الرئيسة لكنه لم يُضحِ بالتفاصيل السردية التي تشرح أحداث القصة برمتها وتتيح الفرصة للشخصيات السبع بما فيها السلحْفاة التي أطلق عليها الابن الأكبر (أدهم) اسم (دوناتيلو) التي تجلب الحظ أو الرزق لمن يقتنيها أو يعثر عليها على قارعة الطريق كما حدث لهذه الأسرة التي تعتبر نفسها محظوظة بحسب المعتقدات المحلية التي اجترحتها الذاكرة الشعبية المصرية.
لا يقتصر الفيلم على الشخصيات الخمس الرئيسة بما فيها السلحفاة وإنما هناك شخصيتان لا تقلّان أهمية عن الشخصيات التي رأيناها رأي العين وهم: أفراد العائلة الأربعة والسلحْفاة إضافة إلى الجارة (أم صباح) التي وصفتها الزوجة بأنها (برج مراقبة تترصد الجيران ليل نهار) فلا غرابة أن تحسدهم على رحلتهم إلى الفيّوم ولعل هذا الحسد قد يفضي إلى ما لا تُحمد عقباه. وثمة شخص سابع يؤثث المتن السردي حتى وإن لم نره أيضًا فهو ابن عم الزوج الذي دعاهم إلى وجبة غداء في الفيّوم وينتظر قدومهم على أحرّ من الجمر كما لمّحت الزوجة غير مرة.
ثمة أكثر من تأكيد سواء من الزوج أو الزوجة على أنَّ السلاحف تجلب الحظ والرزق وأنَّ الناس يتفاءلون برؤيتها، وخاصة البريّة منها التي يقتنونها من الأسواق أو يصادفونها على الطرقات، كما حدث لأفراد هذه العائلة المتجهة صوب الفيّوم التي رأت في هذه السلحْفاة مَجلبة للحظ وفاتحة لرزق قادم. تقوم بنية فيلم (حظّ السلاحف) على مفارقة درامية ورمزية في آنٍ معًا تتصاعد منذ أن يشتد الخلاف بين الأخوين (أدهم) و (يوسف) على الإمساك بالسلحْفاة وحملها برفق وحينما تفلت من أيديهما يظن الابن الأصغر أن السلحْفاة قد سقطت من السيارة الأمر الذي يثير غضب الوالد ويطلب من ابنه النزول من السيارة والبحث عنها في الطريق الصحراوي. وحينما تنفعل الأم قليلًا يترجل الجميع من السيارة الصغيرة ليبحثوا عنها أو عن الرزق المُرتقَب الذي ينتظره كلا الأبوين وكأنه أمرٌ يقيني لا يرقى إليه الشك أبدًا.
وبينما كان أفراد العائلة منهمكين في البحث عنها على جانب الطريق الذي لم تقطع من السلحْفاة إلّا مسافة قصيرة جدًا تعثر الوالدة على كريستالة مزيّفة زرقاء تفرح بها جدًا وكأنّ ابتسامتها العريضة تقول إنَّ هذه الكريستالة الزرقاء هي إحدى دلائل الفأل الحسن الذي سبّبته السلحْفاة رغم أنها لم تخبر أحدًا بهذه اللُقية التي اعتقدت أنها ثمينة. وحينما ينتابهم اليأس من العثور على السلحْفاة يواصلون رحلتهم إلى الفيّوم لكن الزوجة تشعر بحركة أسفل مقعدها لتكتشف من جديد أن السلحفاة التي لم تغادر السيارة وأنها كانت مختبئة تحت المقعد الأمامي ولشدة فرح الأب يضعها في حضنه لكنها تسقط بين قدميه وحينما تحاول الأم أن تلتقطها لأنها سقطت على ظهرها ينحني الأب ويفقد السيطرة على مقود السيارة الأمر الذي يفضي إلى حادث مروع يقضي على الجميع باستثناء السلحْفاة التي تتسلل من السيارة المحترقة بهدوء. وما إن تحاول عبور الشارع حتى يتوقف سائق آخر ليلتقطها من جديد بوصفها (سلحْفاة الحظ المُباركة) لتتواصل الخُرافة من جديد.
تفكيك بنية الرمز والدلالة السوداء
مَنْ يتأمل هذا الفيلم جيدًا سيكتشف من دون عناء أنَّ المخرجة قد برعت جيدًا في صياغة المَشهدين الاستهلالي والختامي. فثمة تركيز يرد على لسان الزوج (أسامة خليل) الذي وصف السلحفاة على أنها (علامة وجالبة للرزق). وفي المشهد الختامي يقول سائق آخر عثر عليها وهي تحاول عبور الشارع بأنها (سلحفاة الحظ المُباركة) باختصار، أنها تميمة حظ (Talisman/Amulet) بحسب المعتقدات الشعبية المُتوارثة والمرتبطة بالرزق والحظ السعيد في جمهورية مصر العربية.
تقوم القصة السينمائية لهذا الفيلم على ثلاثة مفارقات أولها (المفارقة الدرامية) لأن موت العائلة برمتها يتعارض مع توقعات الشخصيات والمتلقّين الذين يشاهدون هذا الفيلم؛ ذلك لأنَّ السلحْفاة يُنتظر منها جلب الحظ والرزق تنجو وحدها بينما تفنى الأسرة برمتها. أمّا المفارقة الثانية فهي (دِلالية)، ذلك لأنَّ معنى السلحْفاة ينقلب من رمز للحماية والتفاؤل إلى علامة دامغة على عجز الإنسان عن ضمان مصيره بعد أن رأينا السيارة تنقلب على ظهرها وتأتي على حياة راكبيها الأربعة. فيما تنشأ المفارقة السوداء والأخيرة من التناقض الحاد بين فداحة موت الأسرة وبقاء الكائن الحيواني الذي عُلّقت عليه الآمال الأمر الذي يخلق أثرًا يجمع بين الصدمة والتأمل في الخُرافة التي صنعتها الذاكرة الشعبية التي تريد أن تتشبث بأي شيء كما يتشبث الغريق بقشة لا تمنعه من الغرق الذي يُفضي به إلى الوصول إلى قاع النهر.
لا شكّ في أنَّ هذه النهاية المأساوية للفيلم تحيلنا إلى الاعتقاد بأن القاصة والسينارست والمخرجة بثينة الناصري تدحض الاعتقاد الشعبي القائم على التمائم وتنتقد بقوة ميل الإنسان إلى تعليق مسؤولية مصيره على كاهل تصورات تقع خارج إرادته بدلًا من مواجهة الحياة كما هي عليه من دون أوهام أو خزعبلات فكرية تؤسطرها الذاكرة الشعبية من دون الاعتماد على الحقائق العلمية الدامغة.
جدير ذكره بأن فيلم (حظ السلاحف) قد اشترك في مهرجان (مِدْراس) الدولي للسينما المستقلة في الهند وفاز بثلاث جوائز وهي على التوالي: جائزة أفضل فيلم قصير لـ (بثينة الناصري) وجائزة أفضل ممثل رئيسي للفنان (أسامة خليل) وجائزة أفضل ممثلة رئيسية للفنانة (نادية حمّاد). كما عُرض الفيلم في (مهرجان سياتل للفيلم العربي) في الولايات المتحدة الأمريكية، و (نادي سينما المرأة) التابع للمركز القومي للسينما بالقاهرة.
***
لندن: عدنان حسين أحمد








