شهادات ومذكرات
وسام العبيدي: عن عظيم الهند "المهاتما غاندي" في ذكرى وفاته الثامنة والسبعين!
من يقرأ السيرة الذاتية لعظيم الهند، سيجد محطات كثيرة في حياته منذ صباه إلى نضجه السياسي ودخوله الفاعل في معترك الحياة السياسية وتأثيره على مختلف الأصعدة، وقد يختلف صدى ذلك التأثير من تقييم لآخر، ولكن يبقى المنجز السلوكي لهذه الشخصية الأكثر بروزًا وأهمية ومناقشة عند من وقف عليها وتمعّن في محطات حياته، إذ كان التحدّي عنصرًا فاعلاً في بناء شخصية قوية لديه - على الرغم من ضآلة بنيته الجسدية - دفعته لأن يكمل دراسته للقانون خارج الهند - وتحديدا في بريطانيا - متحديًّا بذلك إرادة الزعيم الروحي والقَبَلي الذي رفض بقوّة أن يسافر إلى بريطانيا أحد أبناء قبيلته، وأحد أعضاء الطائفة الدينية – وتحديدًا الفيشنافية أو الفيشنوية أحد الطوائف الهندوسية الكبرى - التي ينتمي إليها، كذلك تحدّى كثيرًا من الأعراف الاجتماعية التي كانت قائمةً في مجتمعه، وإنْ وقع في بعضها قبل أنْ ينضج لديه الوعي النقديّ الحاد، فيُمسك عن ممارستها، مثل قبوله وهو بعمر الثالثة عشر قرار أهله بزواجه، ما جعله يتثاقل منزعجا في سرد هذا الفصل من حياته، وذلك بالقول: "كم كنتُ أتمنى لو أُعفى من كتابة هذا الفصل ولكني أعلم أنَّ عليّ أنْ أبتلعَ كثيرًا من هذه الجُرع المريرة خلال هذه القصة. وليس لي مناص من ذلك، إذا ادّعيتُ أنِّي متعبِّدٌ للحقيقة. إنّ من واجبي الأليم أنْ أسجِّلَ هنا زواجي في سنِّ الثالثة عشرة. وإذ أرى من حولي غلمانًا في مثل تلك السن – غلمانًا وُضِعوا تحت عنايتي – وأُفكِّر في زواجي ذاك، أنزعُ إلى أنْ أرثي لنفسي وأهنِّئهم على نجاتهم من القدر الذي كُتِبَ عليَّ. أنا لستُ أرى أية حجة مناقبية تؤيد مثل هذا الزواج المُبكِّر المنافي للطبيعة والعقل" (تجاربي مع الحقيقة: 19). الأمر الذي دفعه أنْ يصفها بالعادة الوحشيّة في المجتمع الهندوسي1، وفي هذا التوصيف إيذانٌ بشجاعة دفعته لانتقاد ما كان عليه المجتمع الذي ينتمي إليه، بخلاف كثيرٍ من الناس التي دومًا ما تغضّ النظر عن عادات مجتمعها، في حين تراها تضع صغائر عادات الآخرين تحت المجهر..!
وقد تحدّى نفسه في وصف ما كان عليه من حالٍ أيام الصبا والمراهقة والشباب، بعكس ما عليه حال كثير من الذين يسطّرون الملاحم المزيّفة والشمائل الأخلاقية الرفيعة حين يتولّون سرد ذكرياتهم في كتاب، فلا يتردد من أنْ يصف نفسه بالبلادة وعدم الفهم حين دخل المدرسة الابتدائية، بالقول: " ولقد أمضيتُ سنيّ طفولتي في "بورباندر" وأنا أذكر أني دخلتُ إلى المدرسة، وأني وجدتُ بعض الصعوبةِ في حفظ جدول الضرب. وكوني لا أذكر من تلك الأيام أكثر من أني تعلمتُ، بالاشتراك مع غيري من الغلمان، أن نطلق على معلمنا مختلف ضروب الألقاب، يوحي بأنّ عقلي كان بليدًا، وأنّ ذاكرتي كانت فجّةً من غير شك" (م.ن: 16) أو ينتقد ما كان عليه من سلوكٍ يراه بعد سنوات – أي بعد نضجه الفكري وتدوينه تلك الذكريات – أبعد ما يكون عن الصواب، فقد تحدّث عن مرحلة التحاقه بالدراسة الثانوية، اعتزاله التمرينات الرياضية ولعبة الكريكت التي كانت آنذاك إجبارية في المدارس، ذاكرًا السبب في ذلك، بقوله: "وكان حيائي أحد أسباب الاعتزال، الذي يظهر لي الآن أنه كان خطأً. لقد كنتُ أعتقد آنذاك اعتقادًا خاطئًا أن الرياضة البَدَنية لا علاقة لها بالتربية، أما اليوم فأنا أعرف أنّ التدريب الجسماني يجب أن يكون له في برامج التعليم مكانٌ لا يقلّ عن مكان التدريس العقلي" (م.ن: 27). وليس كلُّ ما تحدّاه غاندي من سلوكيات يراها محلّاً للتقدير والاعتزاز، بل كانت محلاًّ لجلد الذات، بوصفها أفعالا غير مسؤولة، أو لم تصدر عن نفسٍ عارفة بحكمة الفعل الذي يُقدم عليه، بقدر ما كان نابعًا من طيش أو حبّ القيام بأفعال بدافع التقليد أو التأثر بمن حوله، ومن ذلك حين تجرأ على أكل اللحم – باعتبار أنه من أسرة دينية متشدّدة ترى أكل اللحم محرّما على أبنائها – وبحسب قوله: "كانت كراهية أكل اللحم السائدة في كوجارات بين اليانيين والفيشنافيين أقوى مما كانت في أيما مكان آخر في الهند أو خارجها. تلك هي التقاليد التي وُلدتُ ونُشّئتُ في جوِّها. ولقد كنتُ برًّا بوالديّ إلى حدٍّ بعيد. لقد عرفتُ أنّهما إذا عرفا أنّي أكلتُ اللحم فعندئذ يُصابان بصدمةٍ قد تقضي على حياتهما. وفوق هذا، فقد زادني حبّي للحقيقة حذرًا على حذر. فأنا لا أستطيع أنْ أقول أنّي لم أعرف آنذاك أنّي أخدع أبويّ إذا ما بدأتُ أكل اللحم" (م.ن: 34 - 35) ويعترف غاندي أنّه تأثّر بأحد أقرانه آنذاك، ممّن جعل يسوّغ له أكل اللحم بحجج كثيرة، منها ما له علاقة بالصحة البدنية التي كان عليه صاحبه، ومنها ما له علاقة بتغيير النظام الغذائي، ومنها ما له علاقة بالقوّة التي تدفع الشعوب لمناهضة المستعمر الانكليزي الذي ما تمكّن من السيطرة على البلاد لولا تناوله اللحم، الأمر الذي دفعه ليتحدّى تقاليد تلك الأسرة المُحافظة، بتناوله اللحم، ساردًا لنا تلك الذكريات، معقّبًا عليها بما يُدلِّل على ندمه من فعلته هذه، معوِّلاً في ذلك على مراقبته لنفسه وصيانته لها من الوقوع في الرذائل الأخلاقية، وذلك في قوله: "من أجل ذلك قلت في ذات نفسي: صحيح أنّ أكل اللحم أساسي، وصحيحٌ أن القيام بـ"إصلاح" غذائي في البلاد أساسي أيضًا، ولكن خداع المرء وكذبه على أبيه وأمه أسوأ من عدم أكل اللحم. وإذن، فإنّ أكل اللحم، في حياتهما، ينبغي أن يكون أمرًا غير وارد، حتى إذا توفّيا، وأصبحتُ حرًّا، فعندئذ سوف آكل اللحم في وضح النهار، ولكني حتى تحين تلك اللحظة سأكفّ عن هذا الصنيع" (م.ن: 37). بمعنى أنّ غاندي يرى في تحدّيه الذي عبّر عنه في بعض السلوكيات لم ينمّ عن وعيٍ ورغبة في تحقيق الذات، بقدر ما يكون مدفوعًا بنزق الشباب إلى فعلٍ من الأفعال يراه فيما بعد ليس إلا حمقًا أو خروجًا من ذاته المرهقة بتقليد الآخرين حتى وإن كان ذلك التقليد وقوعًا في رذيلة، فيحمد الله أن نجّاه من ممارسة ذلك الفعل، وفي الوقت يريد لقارئه أنْ يستفيد من تلك التجارب التي مرّت في حياته، فلا يقع فيما وقع فيه، فلذلك كان يحذّر من صديق السوء الذي دفعه إلى أكل اللحم، أو خيانة الزوجة، فقد ذكر أن صديقه الذي دفعه لأكل اللحم، قاده "ذات يوم، إلى بيتٍ من بيوت الدعارة وأدخلني إلى هناك مزوّدًا بالمعلومات الضرورية. كان كلّ شيءٍ معدًّا إعدادًا قبليًّا. وكانت فاتورة الحساب قد دُفِعت مقدّمًا. ومضيتُ إلى شدق الرذيلة، ولكنّ الله حماني، برحمته اللانهائية، من نفسي. وأُصِبتُ بمثل العمى والصمم في وكر الرذيلة ذاك. لقد جلستُ قربَ المرأة، على سريرها، ولكن لساني كان معقودًا. وطبيعيٌّ أن يفرغ صبر المرأة، آخر الأمر، فطردتني راشقةً إياي بفيض من الشتائم والإهانات. عندئذ شعرتُ وكأنّ رجولتي قد أُوذِيت، ووَددْتُ لو أن الأرض تبتلعني من شدّة الخجل. ولكنّي ما فتئتُ أشكر الله، منذ ذلك الحين؛ لإنقاذه إياي" (م.ن: 37)
إنَّ الجانب الأخلاقي في شخصية "غاندي" كان الطاغي عليه، فأفعاله وأقواله محكومةٌ بهذا الجانب، وإنْ خرج عن إطار العُرف والتقاليد في بعض أفعاله، فبعضها محكومٌ بنزعته المتمرّدة التي تدفعه لتحدّي الواقع الذي عاشه، ويطمح إلى تغييره سواء بانتقاده تلك الممارسات، أو بمباشرته فعلاً يخرج به عن طوق تلك الممارسات التي ينتقدها وينعى من كان مأسورًا لها، ووفقًا لذلك أخذه طموحه أنْ يغادر الهند إلى بريطانيا لإكمال دراسته في القانون، غير آبهٍ لما يصله من أخبار السفن التي تبتلعها أمواج البحار، وفي الوقت نفسه متحدّيًا زعيم قومه الديني "الشيث" ومن معه من أبناء طبقته، وقد نقل في ذكرياته ما جرى من حوارٍ يعكس لنا ثقته بنفسه إزاء ما طرحه عليه ذلك الزعيم من حجج يراها كفيلة بثنيه عن السفر، معبّرا عن رفضه تلك الحجج التي نقلها لنا بقوله عن ذلك الزعيم: "تعتقد الطائفة أنّ رغبتك في الذهاب إلى انكلترة ليست عملاً صالحًا، إن ديننا يُحرم السفر إلى ما وراء البحار. ولقد سمعنا كذلك أنه ليس من اليسير على المرء أن يعيش هناك من غير أنْ يحطّ من شرف ديننا، إنه مُكرهٌ على أنْ يأكلَ ويشربَ مع الأوربيين" (م.ن: 57) وبعد سجالٍ أراد أنْ يحرجه ذلك الزعيم بالقول: "ولكن أتتنكر لأوامر الطائفة..؟!" باعتبار أنّ غاندي يمثّل أحد أفراد هذه الطائفة، فلا يحق له أنْ يعترض على أيّ أمر يصدر لمن يتزعّمها، وكأن في تنكّره لأوامره خروجٌ عن الطائفة، بما يجعله مغضوبًا عليه من جميع أفراد الطائفة، وهذا ما حصل، إذ نطق "الشيث" بحكمه عليه، في وسط ذلك الجمع، بالقول: "إنّ هذا الغلام سوف يُعامل مُعاملة المنبوذين، منذ اليوم. وكل من يساعده أو يذهب لوداعه في الميناء سوف يُعاقَب بغرامة قدرها روبية وأربع آنات" (م.ن: 57 - 58) ولم يكن هذا الحكم بآخذٍ أثره على غاندي بحسب ما صرّح به، بل دفعه لأن يمضي قُدُمًا في تحقيق طموحه، مندفعًا بتشجيعٍ من أخيه لإكمال إجراءات سفره إلى بريطانيا..
ويمكن أنْ نستطرد في إيراد شواهد كثيرة لا يخلو منها فصلٌ من فصول الكتاب يُنبئ عن ذلك التحدّي الذي ميّز "غاندي" وصار جزءًا من شخصيته، ومن خلاله صار ذلك الزعيم الذي التفّ حوله الملايين من أبناء وطنه، مقارعًا كل من وقف بوجه المصلحة العامة التي دفع لصونها وتحقيقها الكثير من الجهود والمخاطر والمشاكل التي أودت به إلى السجون أو الشكوى في المحاكم أو غير ذلك من مضايقات. ومن هذه الخصلة أرى أنَّه لا بدَّ لكل من أراد أنْ يكون زعيمًا على نهج المُصلح "غاندي" لا بدّ له أنْ يتحدّى كثيرًا من الضغوطات والممارسات والتقاليد والأساليب، بأعلى قدرٍ من الانضباط الأخلاقي، وإلا فمصيره النسيان مثل قادةٍ كُثُر حكموا العالم ولكن لم يبق لهم من الذكر مثل ما بقي لعظيم الهند..
***
د. وسام حسين العبيدي
...................
ينظر: 25.






