شهادات ومذكرات

محمد الخطابي: نصائح ابن حزم في "طوق الحَمَامَة"

للعُشّاق في عيد الحُبّ وحكاية ابن السرّاج والفاتنة شريفة

يحكي لنا الكاتب الاسباني “أنطونيو فييغاس” مؤلّف أجمل قصّة حبٍّ موريسكية فى تاريخ الاندلس، قصة عميقة المعنى، بعيدة الغور عن عاشق أندلسي مولّه ومحبٌّ هائم عريق المحتد نبيل الجِذر يُدعى إبن سرّاج الذي كان مُغرماً بحبيبته الفاتنة الحسناء ”شريفة” فى ظروف صراعاتٍ عصيبة ساد فيها التطاحن والمواجهات، وعشعشت فيها الضغائن والأحقاد بين مختلف العوائل والأسر الحاكمة من الجانبين العربي الإسلامي وبين الإسبان النصارى، ومع ذلك إنتصر الحبّ الذي كان مغلفاً بالعفّة والصّدق والنبل والوفاء وسط هذه الأجواء الحالكة المتطاحنة والمُدلهمّات والمحن. ووتظهر هذه القصّة في العديد من الحكايات والكتب والمرويات الرومانسية في ذلك العصر، وتكمن قيمة عمل “أنطونيو فييغاس” في إحياء هذه القصّة وإعادة نشرهاعلى أوسع نطاق، وقد قدّمها لنا في قالب قصصي سهل وبسيط، وتسجّل هذه القصّة المشاعر السامية والنبيلة، والأحاسيس المرهفة العفيفة لبعض النبلاء الإسبان في ذلك العصر وفي العصور التي جاءت فيما بعد، فحتى الكاتب الإسباني العالمي “ميغيل دي سرفانتيس” لم يفته أن يشير في روايته الشّهيرة “دون كيخوته دي لا مانشا ” إلى حكاية إبن السراج الشهيرة مع خليلته شريفة، بل إنّ هذا الكتاب كان وما يزال يُدرّس في المقرّرات التربوية والتعليمية الإسبانية الى يومنا هذا المشهود.

 ظهرت هذه القصة المثيرة عام 1565 في مدينة “ريّال كامبُو”، فى كتاب طريف طريف جمع فيه  مؤلفه قصائدَ وحكاياتٍ وقصصا كلاسيكية وقد نال ببهذا الكتاب شهرة واسعة فى الأندلس، وفى مختلف أصقاع شبه الجزيرة الإيبرية فى القرن السادس عشر، ولقد استوحى المؤلف كتابه من نصوص بعنوان “حكايات الأمير الماجد دون فرناندو الذي إسترجع أنتيكيرا”، ويجد القارئ فى هذا الكتاب قصّة حبّ رومانسيّة عن أسمىَ معاني الشّهامة، والولاء، والنبل والوفاء في عهدٍ كانت الكلمة فيه ما زالت تُحترم، وكان العهدُ فيه لا يُنكث حتى مع الخصوم، وقصّة من هذا القبيل جديرة بأن تُحكىَ هذه الأيام لأنها تسمو بالحبّ وبمعناه العميق وبأهله وذويه وأصحابه إلى أعلى علييّن في عيده الذي يحتفل به وفيه العالم فى الرابع عشر من شهر فبراير الجاري من كل عام.

أليس جزاء المحبّة إلاّ بالمحبّة؟

يحكي لنا “أنطونيو فييغاس” فى هذه القصة أنّ إبن السرّاج كان قد وقع في أسر الفارس الإسباني النبيل ” رودريغو دي نارفايس” عمدة مدينة “أنتيكيرا ” التي تبعد عن مدينة مالقة بحوالي خمسين كيلومترا، وعندما رأى نارفايس الفارسَ العربيّ المسلم خلال سجنه فى زنزانته غارقاً في حُزنٍ عميق سأله عن سبب كربه وغمّه ووُجومه، فحكى له ابن السراج قصته وهي أنه وقع في الأسر قريباً من المكان الذي كانت تنتظره فيه محبوبته شريفة لعقد قرانه عليها فى ذلك اليوم، عندئذٍ قرّر الحاكم الإسباني إبرام اتفاق مع الفارس العربي الحزين بإطلاق سراحه بشرط واحد أن يُقدّم له وعداً بأن يعود للسّجن متى إلتقى بخطيبته شريفة وعقد قرانه عليها وتزوّجها فوافق ابن السرّاج على الفور على هذا الشرط وقدّم للحاكم وعداً بذالك، ثم إنطلق للبحث عن شريفة وعند إلتقائه بها تزوّجها سرّاً، إلاّ أنّها عندما عرفت قصّة خطيبها وسوء الحظ الذي وقع فيه قرّرت ألاّ تفارقه، وأن تصحبه إلى السّجن، ولم يتوان ابن السرّاج فى العودة إليه على الفور الى السجن وفاءً منه للعهد الذي قطعه على نفسه مع الفارس الإسباني حاكم أنتيكيرا وعمدتها الذي عندما وجد الفارس العربي قد عاد اليه، ولم تشأ زوجته شريفة فراقه بل قرّرت مرافقته في السجن، عندئذٍ فكّر الفارس الاسباني كيف يجازي ” ابن السرّاج ” على وفائه وإحترامه للوعد الذي قطعه على نفسه معه، فقرّر أن يكافئه وزوجته شريفة على إخلاصهما ووفائهما فأطلق سراحهما على الفور.

العِشق والصّبَابة والهَوىَ في الشّعر العربي

كلما عاد” عيد الحبّ” أو” سان فالينتاين”، كما يطلق عليه فى الغرب تعود إلى أذهاننا قصص العاشقين، وحكايات الوالهين، وأشعار المتيّمين، وتطوف فى مخيّلاتنا، وتدور فى خلدنا أسماء عالقة ولاصقة بذاكراتنا الوَهنة لها شهرة واسعة الأطناب فى عالم العِشق، والهوىَ، والتيم والهُيام، والصّبابة والجوىَ، ممّا قاد بعضهم إلى مزالق الجنون، وعوالم المُجون، فمنذ معلقاتنا الشعرية القديمة التي كانت تُكتب بماء الذهب، وتُعلّق على جدران الكعبة كان شعراؤنا يبكون، وينوحون، وينتحبون، ويتغزّلون نسيباً، وتشبيباً، وإعجاباً بمحبوباتهم، ومعشوقاتهم، ويتغنّون بأطلالهم الدارسة، فهذا عنترة العبسي يسائل خليلته عبلة: أنْ هل سَألت الخيلَ إن كانت جاهلةً بما لم تعلمِ، وهذا عمرو بن كلثوم التغلبي: يناشدُ خليلته بأن هبّي بصحنكِ واصبحينا، ولا تبقي خمورَ الأندرينا، وهذا طرفة بن العبد المنكود الطالع: يذكّرنا بأطلال خليلته خولة ببرقة ثمهد، والتي أصبحت تلوح له كباقي الوَشم فى ظاهر اليدِ، وهذا امرؤ القيس الكِندي:يذكّرنا بليله السّديم الذي أرخىَ عليه سدوله كأمواج البحر ليبتليه بأنواع الهموم، وهذا جميل بثينة الذي يحلف لخليلته: بربّ الرّاقصات إلى مِنىً، هُوِيَ القطا يجتزنَ بطنَ دفين، لقد ظنّ هذا القلبُ أن ليس لاقياً.. سليمىَ ولا أمّ الحسين لحين، وهذا عمر بن أبي ربيعة فى جولاته، وصولاته، خلسةً فى جُنح الليالي الحالكات يزورخليلته ولم يعرف الواشون ما كان بينهما، ناهيك عن المجنون الهائم على وجهه فى الفلاة، والفيافي، والمفاوز، والقفار قيس بن الملوّح وحكايته مع ليلاه الأخيلية يرفع عينيْه الى السماء ويخاطب طير القطا متوسّلاً: أطير القطا هل من يعير جناحه.. لعلّي إلى من قد هويتُ أطير. ونجد شاعراً عاشقاً ولهاناً آخر يقول فى ذات السياق: أشارتْ بطرفِ العيْنِ خيفةَ أهلها / إشارةَ مَحزونٍ ولم تتكلّمِ.. فأيقنتُ أنّ الطرْفَ قد قال مَرْحبَا / وأهلاً وسهلاً بالحبيبِ المتيّمِ..وجاء بعد ذلك آخرون، نذكر منهم أبا تمّام الطائي الذي يقول فى بيتيْه الشّهيرين: نقّلْ فؤادَك حيث شئتَ من الهوى / ما الحبُّ إلاّ للحبيبِ الأوّلِ.. كمْ منزلٍ في الأرض يألفهُ الفتىَ / وحنينُه أبداً لأوّلِ منزلِ..وهناك العديد من القصص، والحكايات، والأشعار الأخرى التي يحفل بها أدبنا العربي الزاخر منذ فجر التاريخ، وهي حكايات تنخلغ لها الأنفس، وتخفق لها القلوب، وتتغيّر معها الطباع، وتطول بسببها الليالي، وتحتدّ بها نوبات الأرق، وتزيد بها نبضات القلوب، ويتفاقم القلق والتسهيد، ويحلو بها ولها وفيها السّمروالتنهيد والسّهر.

 أيّها العشّاق اسمعُوا واعملُوا بنصائح ابن حزم

هذه المواضيع والأشعار والحكايات تدخل فى صلب الإحساس العاطفي الذي كان الأقدمون ينعتونه بمسميّاتٍ جميلة مثل الغزّل، أو النسيب، أو التشبيب، ومنه العذري والإباحي، إنها مواضيع على الرّغم من مرور الزمن، وانسياب السنين ما فتئت على أيامنا الغارقة فى الماديات، والتكنولوجيات المتطوِّرة والمُحيّرة تُحيي الرُّوحَ، وتجذل القلبَ، وتُنعش الوجدانَ، وتشدّ الكيان. والتي كان لها حضور قويّ فى تراثنا العربي والأندلسي القديم على وجه الخصوص. إننا واجدون فى هذا التراث التليد كتاباً فريداً فى بابه، يُعتبر من أروع ما كتب فى هذا الموضوع للعلاّمة الفقيه الشّاعر الحافظ ابن حزم الأندلسي فى مؤلّفه الشهير “طوق الحمامة فى الألفة والألاّف”، وهو كتاب يُعالج تباريح الحبّ والهوىَ، وعذابات التّيم، والعِشق والجوى فى الأندلس، ولقد أصبح هذا المؤلّف من بين أشهر الكتب التي وُضعت فى الاندلس خلال عهودها الزاهرة، تناول فيه صاحبُه موضوع الحبّ وما تعتري صاحبَه من ظواهر الإنفعال، والتغييرات التي تغشاه، وتأخذ بمجامعه ومعروف لدى القاصي والداني مدى التأثير البليغ، والأثر العميق اللذيْن أحدثهما هذا الكتاب فى آداب القرون الوسطى، عند مختلف الأجناس أو فى العالميْن العربي والغربي على حدّ سواء .

مواصفات الحبّ وتباريحه

 تجدر الاشارة انه في قراءةٍ متأنية تقول الباحثة الأردنية ديانا نصار عن هذا المؤلَّف: ” هذا الكتاب ألَّفه واضعُه نزولاً عند رغبة صديقٍ مُحبّ طلب منه أن يصنف له (رسالةً في صفة الحبّ ومعانيه وأسبابه وأعراضه، وما يقع فيه وله على سبيل الحقيقة). وهذا يدفع إلى أذهاننا التساؤل الأوّل: هل من الممكن فعلاً أن يُعرَّف الحبّ وتُقسَّم معانيه وأعراضُه وأنواعه والمشاعر المتعلقة به وأن يُصنّف في كتابٍ أو رسالة؟”. وسرعان ما يأتينا الجواب الشّافي من الكاتبة فتقول:” بالرغم من غرابة الفكرة فقد انتهج ابن حزم منهجاً علمياً بحثياً في تقسيم الرسالة. حيث عمد إلى تقسيمها إلى ثلاثين باباً: عشرةٍ في أصول الحبّ، واثني عشر باباً في أعراض الحبّ وصفاته المحمودة والمذمومة، وستةٍ في الآفات الداخلة على الحبّ، واختتمها ببابين تحدث فيهما عن قبح المعصيّة وفضل التعفف”.

وتضيف الكاتبة: ” هناك آراءٌ واجتهادات. أبرزها أن يكون الإسم مبنياً على فكرة الديمومة والثبات؛ كقول العرب: “أبقى من طوق الحمام”. أو أنه يحمل دليلاً على معاني الزّينة والحلية واستلهام الجمال الذي هو مثار الحبّ. أو – بكلِّ بساطةٍ ممكنة – أن الحمامة هي رسول الحبّ والهوى، والطوق حليتها وزينتها، أو الأمانة المعقودة في عنقها لحملها من العاشق إلى المحبوب “.

يصف ابن حزم الحبّ فيقول: “الحبُّ – أعزّك الله – أوّله هزْلٌ وآخرُه جدّ، دقّت معانيه لجلالتها عن أن توصف، فلا تُدرَك حقيقتها إلاّ بالمعاناة. وليس بمنكرٍ في الديانة ولا بمحظورٍ في الشريعة، إذ القلوب بيد الله عزَّ وجل”. وتشير الباحثة: “يكفينا هذا الاقتباس لملاحظة النزعة الدينية والقالب العقلاني الذي طغى على غير موضعٍ في هذه الرسالة”. وهي تتساءل:” إن كان ذلك نابعاً من خلفية ابن حزم وفكره الديني، أو من حقيقة أنه كتب الرسالة رداً على طلبٍ من صديق؛ وبالتالي فقد كانت أشبه بالتوثيق والتوصيف العلمي، وأنها لو كُتبت في فترة أطول وفي وقتٍ مختلف من حياة ابن حزم لكان محتواها أو طريقة عرضها اختلفت عن المضمون الحالي ”. وتضيف: أصل الحبّ عند ابن حزم ” اتصالٌ بين أجزاء النفوس المقسومة في هذه الخليقة في أصل عنصرها الرفيع”؛ حيث يرى أنّ المحبّة ضروب: محبة المتحابين في الله عزوجل، ومحبّة القرابة، ومحبّة الألفة، ومحبّة التصاحب والمعرفة، ومحبّة البِرّ، ومحبّة الطمع في جاه المحبوب، ومحبّة المتحابّين لسرٍّ يلزمهما ستره، ومحبّة بلوغ اللذة، ومحبّة العشق التي لا علّة لها إلاّ اتصال النفوس”، هي المحبة فى رأيه هي الوحيدة التي لا تفنى ولا تزيد ولا تنقص كأنواع المحبة الأخرى. يحتوي كتاب طوق الحمامة على قصصٍ وحكايات وأخبارٍ شهدها ابن حزم أو نُقلت إليه. فقد تربىّ في وسط يزخر بالنساء والجواري، وهنَّ من علّمنه وأدّبنه حيث تسنّى له أن يطّلع على أسرارهنَّ وخباياهنّ التي ليس لها قرار “.

شيخ المُستشرقين الاسبان وكتاب طوق الحمامة

في هذا اليوم ( يوم الحبّ أو عيد الحبّ ) لا حديث للناس سوى عن الحب ما أحوجنا إلى إعادة نبش تراثنا، وقراءة تاريخنا، والاستماع والإستمتاع بدرره، وصدفاته، ونفائسه التي أُعْجِب بها الغربُ قبلنا، يقول شيخُ المُستشرقين الإسبان الكبير الرّاحل ” إميليو غارسيا غوميس” - الذي تعرّفت عليه فى مدريد فى الثماننات من القرن الفارط عندما كنت اتقلّد منصب المستشار الثقافي بسفارة المغرب فى العاصمة الاسبانية – انه يقول عند تقديمه لكتاب “طوق الحمامة” فى ترجمته له إلى اللغة الإسبانية:” أنّ الحبّ العذري دخل الأندلس حوالي 890م. وكان لابن حزم نفسه تأثير واضح، وبليغ في هذا القبيل خاصّة في البلاطات الأوربية الرّاقية”.

و تجدر الاشارة فى هذا القبيل أنه من المعروف أنّ هذا العالم الأندلسي الجليل قد سبق وبذّ بقرون علماء النفس الأوروبيّين المعروفين أمثال “كارل كوستاف يُونغ”، و” ألفريد أدلر”، و” سيغموند فرويد ” وسواهم ممّن على شاكلتهم بملاحظاته العلمية الدقيقة، وتفسيراته العميقة، وتحليلاته النفسية للأمارات والعلامات والتغييرات التي تعتري الحالات النفسية للعاشقين المتيّمين، في كتابه الآنف الذكر الذي تُرجم إلى العديد من اللغات الحيّة – كما هو معروف- ولقي فيها نجاحاً وإنتشاراً منقطعيْ النظير. وهكذا فإنّ كتاب طوق الحمامة سيظلّ بالتأكيد مرجعا اساسيا للعاشقين والوالهين وهو لا يخلو من المتعة والفائدة والأخبار العجيبة عن الحبّ، والصّبابة والجوىَ والهُيام.. وكلّ عامٍ وأنتم وأنتنّ بألف حبّ !.

***

د. السّفير محمّد محمّد الخطّابي

كاتب، وباحث ومترجم من المغرب

في المثقف اليوم