في بعض الأمسيات، حين يهدأ البيت وتخفت الأصوات من حولي، أجد نفسي أعود إلى فتى أعرفه جيدا. أراه يخرج من المدرسة حاملا كتبه تحت ذراعه، يسير في شوارع لا يدرك أنها تقوده إلى عقود كاملة من الخيارات والصدف والرهانات.
أتأمله من بعيد كما لو أنني أراقب شخصا آخر، ثم أفكر: ماذا لو ناديت عليه الآن؟ ماذا لو أوقفت خطاه لدقيقة واحدة فقط، وقلت له إن الطريق الذي يراه واضحا أمامه ليس الطريق الوحيد؟.
كلما تقدمت في العمر، أصبحت هذه الأسئلة أكثر حضورا. ليس لأنني أتحسر على ما فات، بل لأن المسافة الطويلة التي تفصلنا عن البدايات تمنح الأشياء شكلا مختلفا.
ما بدا لنا يوما حقيقة نهائية يتحول مع الزمن إلى احتمال بين احتمالات كثيرة.
وما اعتقدنا أنه القرار الصحيح الوحيد يصبح مجرد قرار من بين قرارات أخرى كان يمكن أن نتخذها.
في مراحل متأخرة من الحياة، لا يعود الإنسان منشغلا بما أنجزه بقدر انشغاله بالطرق التي لم يسلكها.
يجلس أمام نفسه كما يجلس قاض عجوز أمام ملفات قديمة تراكم عليها الغبار. يفتحها واحدا بعد آخر، لا ليصدر أحكاما جديدة، بل ليتأمل الأحكام القديمة.
وعندها يكتشف أن كثيرا مما بدا له يقينا في سنوات الشباب كان يحتاج إلى شيء من التروي، وإلى قليل من الشك، وإلى خبرة لم يكن يمتلكها آنذاك.
الطريق الذي لم أسلكه
أحيانا أتخيل أن الزمن عاد إلى الوراء، لا سنوات قليلة، بل عقودا كاملة. أراه يعود إلى ذلك الفتى الذي كان يغادر الصف السادس الابتدائي في مدرسة النجاح، حاملا كتبه تحت ذراعه، غير مدرك أن الطريق الممتد أمامه سيقوده إلى عالم المسرح والكتابة والفن.
في تلك اللحظة المتخيلة، كنت سأضع يدي على كتفه وأقول له: توقف هنا. لا تكمل الطريق الذي يصفق له الآخرون. اذهب إلى مكان آخر تماما.
كنت سأقوده إلى ورشة نجارة تفوح منها رائحة الخشب الطازج. هناك، بين المناشير والمطارق وألواح السنديان، سيتعلم كيف تتحول المادة الخام إلى شيء نافع وجميل في الوقت نفسه.
أو ربما كنت سأدفعه نحو كراج صغير لتصليح السيارات، حيث يتعلم الإصغاء إلى أصوات المحركات كما يصغي الطبيب إلى نبض المرضى. وربما رأيته واقفا أمام فرن حدادة تتطاير منه الشرارات، يصنع أبوابا ونوافذ ستبقى شاهدة على مهارته سنوات طويلة.
وربما وجدته في موقع بناء، يحمل أدواته بثقة، ويرفع جدارا يعرف أن الناس سيحتمون بظله.
أو سائقا لشاحنة تشق الطرق الخارجية، يعرف المدن والقرى من خلال الطرق المؤدية إليها، لا من خلال الكتب التي تتحدث عنها.
المهن التي تترك أثرا ملموسا
أي مهنة من هذه المهن كانت ستمنحه شيئا لم يجده لاحقا في الأماكن التي ذهب إليها. كانت ستمنحه علاقة مباشرة وواضحة مع العالم. فالنجار يرى الطاولة التي صنعها. والحداد يرى الباب الذي ركبه. والبناء يرى الجدار الذي شيده. أما العامل في الحقل الثقافي، فكثيرا ما يقضي سنوات طويلة وهو لا يعرف على وجه اليقين ماذا أضاف إلى العالم، أو إن كان قد أضاف شيئا أصلا.
ليس في هذا الكلام ازدراء للفن أو الأدب أو المسرح. على العكس، فهذه المجالات كانت دائما من أكثر ما يمنح الحياة معناها الرمزي.
لكنها، في الوقت نفسه، من أكثر المجالات قسوة على الذين يهبونها أعمارهم. إنها لا تقدم مكافآتها بطريقة واضحة. وقد لا تقدمها إطلاقا.
أوهام المثقف الشاب
لقد أمضيت سنوات طويلة متنقلا بين خشبات المسرح وصفحات الكتب. كنت أعتقد أن العمل الثقافي قادر على تغيير الواقع، وأن الكلمة تمتلك قوة خفية تجعل العالم أفضل مما هو عليه. بدا هذا الاعتقاد منطقيا في سنوات الشباب، حين تكون المسافة بين الحلم والواقع قصيرة إلى الحد الذي يسمح للمرء بالقفز فوقها.
لكن الأعوام اللاحقة تكفلت بإطالة تلك المسافة حتى صارت أشبه بواد سحيق.
كل سنة كانت تضيف شيئا جديدا إلى الشكوك القديمة. وكل تجربة كانت تطرح سؤالا جديدا عن معنى ما يجري. وحين أنظر اليوم إلى الحصيلة النهائية لذلك الطريق، أجد نفسي مضطرا إلى الاعتراف بأن النتائج لا تشبه الآمال التي انطلقت منها الرحلة.
ما الذي جنيته حقا؟
سؤال يبدو بسيطا، لكنه يزداد تعقيدا كلما حاولت الإجابة عنه.
هناك كتب نُشرت، ومقالات كُتبت، وعروض مسرحية قُدمت، وعلاقات إنسانية تشكلت عبر العقود. لكن حين أحاول قياس أثر كل ذلك في الحياة العامة، أجد أن الأمر أكثر ضبابية مما كنت أتصور. ليس لأن تلك الأعمال كانت بلا قيمة بالضرورة، بل لأن العالم نفسه لا يقيس القيمة بالطريقة التي كنا نتصورها.
حين لا يكافئ الزمن أحدا
في بدايات الطريق، كنت أعتقد أن الجهد والإخلاص والموهبة عناصر كافية لصناعة أثر حقيقي. كنت أظن أن الزمن يقف إلى جانب من يعملون بجد، وأنه يكافئ الصادقين بطريقة أو بأخرى. غير أن التجربة الطويلة علمتني شيئا مختلفا.
لقد رأيت أشخاصا كنت أصفهم بالأغبياء يحققون نجاحات واسعة. ورأيت آخرين كنت أراهم محدودي الموهبة يعيشون حياة أكثر استقرارا وسعادة. ورأيت انتهازيين ومنافقين يتقدمون بخفة وثقة، فيما ظل آخرون، أكثر كفاءة منهم بكثير، عالقين في أماكنهم.
في الماضي، كنت أفسر ذلك كله بوصفه خللا في المجتمع أو انحرافا في المعايير.
أما اليوم، فأنا أقل يقينا من أي وقت مضى.
ربما كنت مخطئا في بعض أحكامي.
وربما كنت أنظر إلى الآخرين من زاوية ضيقة.
بل ربما كانت الحياة نفسها تعمل وفق قواعد مختلفة تماما عن تلك التي تعلمناها.
فالسعادة ليست جائزة أخلاقية.
والنجاح ليس دائما دليلا على التفوق.
والفشل ليس بالضرورة علامة على النبل.
هذه الحقائق تبدو قاسية، لكنها تصبح أكثر وضوحا كلما تقدم الإنسان في العمر.
العالم لا يعمل كما نظن
إن أكثر ما يثير الدهشة في التجربة الإنسانية هو أن الزمن لا يسير بالطريقة التي نتخيلها.
في شبابنا نتصور أن التاريخ يتحرك نحو الأفضل، وأن الخبرة ستقودنا تلقائيا إلى الحكمة، وأن السنوات ستنصف الذين تعرضوا للظلم. لكن الوقائع لا تؤكد ذلك دائما.
الزمن يشبه نهرا لا يهتم كثيرا بالأفكار التي نحملها عنه. إنه يمضي في اتجاهه الخاص، سواء أحببنا ذلك أم لم نحب.
لقد قضى كثيرون أعمارهم وهم يعتقدون أن الشرف قيمة رابحة. وأن الإخلاص فضيلة لا بد أن تجد مكافأتها. وأن الوطنية، والعقلانية، والاعتدال، والزهد في المكاسب السريعة، كلها صفات ستمنح أصحابها موقعا أفضل في النهاية.
لكن الحياة قدمت أمثلة لا حصر لها على العكس من ذلك.
كم من شخص عاش نزيها ومات مجهولا؟
وكم من شخص امتلك قدرة استثنائية على المراوغة فحصل على ما أراد؟
إن السؤال ليس أخلاقيا بقدر ما هو وجودي. إنه يتعلق بطبيعة العالم نفسه. فالعالم لا يعمل دائما وفقا لموازين العدالة التي نرغب فيها. وهذا الاكتشاف، مهما بدا بسيطا، يحتاج أحيانا إلى عمر كامل كي ندركه.
عبء المعرفة
حين كنت أصغر سنا، كنت أعتقد أن الوعي قوة. وأن المعرفة تمنح صاحبها امتيازا حقيقيا. لكنني رأيت مع السنوات أن المعرفة قد تكون عبئا أيضا. فكل حقيقة إضافية يكتشفها الإنسان تضيف وزنا جديدا إلى روحه.
الجاهل قد ينام بسهولة لأنه لا يرى التعقيدات التي تحيط به. أما الذي يدقق النظر في الأشياء، فإنه يكتشف طبقات جديدة من الأسئلة كلما اقترب من الإجابات.
لهذا لا أستغرب اليوم أن أجد بعض أكثر الناس سعادة هم أولئك الذين لم يشغلوا أنفسهم كثيرا بالقضايا الكبرى. كانوا يعملون، ويكسبون رزقهم، ويربون أبناءهم، وينامون مطمئنين إلى أن العالم سيستمر في الدوران من دون الحاجة إلى آرائهم.
ربما كان في ذلك قدر من الحكمة العملية التي لم ننتبه إليها في الوقت المناسب.
لقد كنا نظن أن التاريخ ينتظر مساهماتنا. وأن المجتمع يحتاج إلى أصواتنا. وأن الثقافة قادرة على إعادة تشكيل الواقع. لكن الواقع كان أقل حماسة من أحلامنا.
الحياة الأخرى التي لم نعشها
ومع ذلك، فإن المفارقة المؤلمة تكمن هنا بالتحديد.
فحتى بعد كل هذه المراجعات، لا أستطيع أن أجزم بأن الطريق الآخر كان سيجعلني أكثر سعادة.
ربما لو أصبحت نجارا لتمنيت أن أكون كاتبا.
وربما لو قدت شاحنة على الطرق البعيدة لكنت أحلم بالوقوف على خشبة مسرح.
وربما لو أمضيت عمري في الحدادة أو البناء، لكنت أنظر بحسرة إلى الكتب التي لم أكتبها.
فالإنسان لا يعيش حياة واحدة فقط، بل يعيش أيضا حياة أخرى متخيلة تلاحقه باستمرار. حياة كان يمكن أن تحدث ولم تحدث. وكلما تقدم في العمر ازدادت تلك الحياة المتخيلة حضورا وإلحاحا.
الزمن لا يقف إلى جانب أحد
لهذا لا يتعلق الأمر بندم كامل على ما مضى، بقدر ما يتعلق بإدراك متأخر لطبيعة الزمن.
فالزمن ليس حكما عادلا.
وليس معلما أخلاقيا.
وليس مؤسسة تمنح المكافآت بحسب الاستحقاق.
إنه حركة مستمرة لا تعبأ كثيرا بالأمنيات البشرية.
نحن الذين نمنحه المعاني.
ونحن الذين نطالبه بالإنصاف.
ونحن الذين نشعر بخيبة الأمل حين لا يتصرف وفقا للصورة التي رسمناها له.
في النهاية، يبدو أن أكبر أوهام الإنسان هو اعتقاده أن الزمن يقف إلى جانب فكرة معينة: إلى جانب الوعي أو الأخلاق أو النزاهة أو الإيثار. غير أن الزمن لا يقف إلى جانب أحد. إنه يواصل جريانه فحسب.
أما نحن، فنظل واقفين على الضفة، نحاول أن نفهم :
لماذا وصل آخرون إلى أماكن لم نصل إليها ؟
ولماذا بقيت بعض أحلامنا معلقة في منتصف الطريق؟.
وحين نطيل النظر إلى ذلك النهر، نكتشف أن المشكلة لم تكن في أحلامنا وحدها، ولا في العالم وحده، بل في اعتقادنا القديم بأن الزمن يشبهنا.
لكنه لا يشبهنا.
إنه يذهب دائما إلى الضفة الأخرى. ونحن لا ندرك ذلك إلا بعد أن تصبح المسافة بيننا وبين البدايات أبعد من أن تُقطع.
***
مروان ياسين الدليمي







