عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

شهادات ومذكرات

علي حسين: ماركس في قاعة القراءة

في تموز عام 1849 اضطر كارل ماركس إلى مغادرة باريس بناءً على أمر من الحكومة الفرنسية، نصحه بعض الأصدقاء بالسفر إلى لندن التي وصلها في التاسع من آب عام 1849، انضمت إليه فيما بعد زوجته جيني وأبناؤهما، أقامت العائلة في البداية في فندق بالقرب من ميدان ليستر، لكن سرعان ما غادروه لعدم قدرتهم على دفع الإيجار. وبناءً على اقتراح لاجئ ألماني، انتقلوا إلى منطقة سوهو، في شقة متواضعة من غرفتين، كانت سوهو منطقة رخيصة وملتقى للمنفيين.

في لندن، يقرر التفرغ للقراءة، يحصل عام 1850 على هوية مستخدم لقاعة القراءة في المتحف البريطاني – الأمر لم يكن سهلاً آنذاك -، في ذلك الحين كانت مكتبة المتحف البريطاني تحوي أربعمئة ألف كتاب، بعد عشرين عاماً عندما نشر الجزء الأول من "رأس المال" بلغ عدد كتب المكتبة مليون عنوان. في قاعة القراءة جلس ماركس من الساعة التاسعة صباحاً حتى السابعة مساءً، كان ينهض بين الحين والآخر، يتحرك، ويمد ساقيه، حيث كان يعاني من الروماتيزم، ومن آلام في الظهر، في قاعة القراءة كان يعيد قراءة صفحات من "فاوست" لغوته، وكذلك أعمال أرسطو. ولم يقرأ كتباً عن الفلسفة والاقتصاد فقط، بل أعمالاً أدبية لشكسبير، وميلتون، وديفو، وديكنز.

في قاعة القراءة انتهى ماركس من كتابة الجزء الأول من "رأس المال" الذي صدر عام 1867، وكذلك الكثير من الإضافات والمخطوطات، التي قام إنجلز فيما بعد بجمعها وترتيبها في الجزأين الثاني والثالث من الكتاب. إن القسم الأكبر من الثلاث والثلاثين سنة التي أمضاها في هذه القاعة لم تكن مكرسة للكتابة، وإنما للقراءة، وقد نتج عن جزء من القراءة الفعالة آلاف الصفحات ثبّت فيها ما كان يجده جديراً بالملاحظة أثناء القراءة" – توماس شتاينفلد "سيد الأشباح" ترجمة نبيل الحفار –. قرأ ماركس ما يقارب "1500" كتاب في مكتبة المتحف البريطاني من أجل كتاب "رأس المال".

قدّمت قاعة القراءة معلومات بالغة الأهمية لمقالاته التي كان ينشلرها في صحيفة ديلي تريبيون، ولأهم أعماله الفلسفية والاقتصادية.

خلال إقامته في سوهو، كان بإمكانه الوصول إلى قاعة القراءة سيراً على الأقدام، وكثيراً ما كانت ملاذاً له من ضغوطات حياته الشخصية واضطراباتها، أو مكاناً للقاء أصدقائه وزملائه. في سنواته الأخيرة، كان يصطحب بناته لمساعدته في أبحاثه. أصبحت إليانور التي حصلت على هوية مستخدم، من رواد قاعة القراءة، وهناك التقت بشريك حياتها إدوارد أفيلينغ، ويتفق معظم كتاب سيرة ماركس على أهمية قاعة القراءة في أبحاثه، حيث يصعب تخيّل تطوّر فكر ماركس أو أعماله من دون السنوات التي قضاها في قاعة مكتبة المتحف البريطاني.

في مقدمة الطبعة الأولى من "رأس المال" شرح كارل ماركس، أنه في هذا العمل قد اعتبر الشكل الاقتصادي للمجتمع كعملية في التاريخ الطبيعي قال: "إن الغاية النهائية من هذا العمل هي اقتفاء أثر القانون الطبيعي للحركة الاقتصادية لهذا المجتمع".

في بداياته كان كارل ماركس ينظر إلى نفسه على أنه أديب قبل أن يكون فيلسوفاً أو عالم اقتصاد، قال لصديقه إنجلز وهما يضعان مسودات كتابهما الشهير "البيان الشيوعي": "علينا أن نتطلع إلى الشعراء والروائيين أكثر مما نتطلع إلى الفلاسفة والمحللين الاقتصاديين، فمع الأدباء سنبصر جيداً دوافع الإنسان من أجل الحرية ومحاربته للظلم وسعيه إلى المساواة والعدالة".

في الجامعة وأثناء دراسته للقانون كتب مسرحية شعرية حاول أن يُقنع مجموعة من أصدقائه لتقديمها على مسرح الجامعة إلا أن المحاولة باءت بالفشل، بعدها تفرغ لكتابة رواية وضع لها عنوان "العقرب وفيليكس" متأثراً برواية لورانس ستيرن "تريسترام شاندي". غير أن كارل ماركس أقرّ في النهاية بالهزيمة: "فجأة، كما لو كان الأمر لمسة سحرية – كانت اللمسة في البداية بمثابة لطمة مدمرة – أدركت أن المسافة بعيدة بيني وبين مجال الرواية الحقيقي، مثلها مثل المسافة إلى قصر الجنيات، وأن كل إبداعاتي تحطمت إلى لا شيء… انسدل الستار وانهار قدس الأقداس الخاص بي، وكان يجب خلق آلهة جديدة". - المصائر التاريخية للواقعية، ترجمة محمد عيتاني -. لكن يبدو أن ماركس واصل طريقه في كتابة الشعر حيث صدرت له عام 1841 مجموعة شعرية بعنوان "أغانٍ وحشية" تتضمن قصائد كُتبت في مرحلة الشباب، وقد ترجم لنا الشاعر صلاح فائق عدداً من هذه القصائد نُشرت عام 1976 في مجلة المعرفة السورية.

يخبرنا فيلهلم ليبكنخت، والذي كان مقرباً من ماركس، أن صاحب "رأس المال" كان بمقدوره تلاوة قصائد كاملة من هوميروس، وكان يحفظ معظم مسرحيات شكسبير، بالإنكليزية والألمانية على السواء، وكان يحفظ عن ظهر قلب فولتير وروسو – "حكايات عن ماركس"، ترجمة كامل ناصر –. وفي موسوعته "ماركس وإنجلز" – ترجمة إلياس مرقص – يكتب أوغست كورنو: "لا شكَّ في أنَّ ماركس، الذي كان شديد الميل إلى الشعر ويحسّ بأنّه هو نفسه شاعر، كان يفضل دراسة الأدب على دراسة الحقوق. وهذا يفسر لماذا كان يتابع محاضراتٍ في الأدب وعلم الجمال إلى جانب محاضرات الحقوق". ، لكن ماركس يتوقف عن مغامراته الأدبية: "فجأةً... بضربةٍ ساحقة... تقوّضت إبداعاتي جميعاً وتلاشت... وكان لا بدّ من تنصيب آلهةٍ جديدة" – فرانسيس وين، "رأس المال لكارل ماركس.. سيرة"، ترجمة: ثائر ديب –.

وبحسب فرانز مهرينغ، فإن ماركس نفسه أصدر حكماً بالإدانة على أشعاره ورأى أن تلك القصائد: "تتكشف، بشكل عام، عن نَفَسٍ من الرومانسية التافهة، ونادراً ما يتخللها نَفَسٌ شعريٌّ حقيقي. وبالإضافة إلى ذلك فإنّها كانت من الناحية الفنّيّة خرقاء وبائسة" – فرانز مهرينغ، "كارل ماركس"، ترجمة خليل الهندي –.

في عام 1842 يكتب ماركس أولى مقالاته الفلسفية، والتي خصصها للحديث عن الفيلسوف اليوناني "هيراقليطس"، في هذه المقالة يشرح ماركس للمرة الأولى مفهومه للجدل ويُعيد أصوله إلى الفيلسوف هيراقليطس، في تلك السنة يكتب في إحدى رسائله: "أشكر هيراقليطس جزيل الشكر. لطالما شعرتُ بمودةٍ كبيرةٍ تجاه هذا الفيلسوف، الذي أفضّله على جميع الفلاسفة القدماء. أما الفلسفة اللاحقة، ولا سيما إبيقور والرواقية، والشك، فقد جعلتها موضوعاً لدراسةٍ متعمقة، ولكن لأسبابٍ سياسيةٍ أكثر منها فلسفية".

في مكتبة المتحف يحصل ماركس على نسخة من كتاب "أصل الأنواع" لتشارلز داروين الذي نُشر عام 1860، يقرأ الكتاب بشغف ويعيد قراءته بعد عدة أشهر، وقد كتب إلى إنجلز قائلاً: "على الرغم من أن الكتاب مفصل بأسلوب جاف فإنه يمثل الأساس في التاريخ الطبيعي لأفكارنا"، بعدها ازداد حماسه أكثر لكتاب داروين فكتب في رسالة أخرى: "إن كتاب داروين هام جداً وهو يفيدني كأساس في العلم الطبيعي للصراع الطبقي اجتماعياً"، وسنجد في رأس المال حاشيتين تتعلقان بداروين، وكان ماركس قد أهدى نسخة من كتاب رأس المال إلى داروين عام 1873، وقد تلقى رسالة شكر من داروين كتب فيها:

(سيدي العزيز، أشكرك للشرف الذي منحتني إياه بإرسال كتابكم عن رأس المال، ولقد تمنيت من كل قلبي لو كنت جديراً بهذا الشرف بفهم أكبر لموضوع الاقتصاد السياسي الهام والعميق، وعلى الرغم من اختلاف موضوعات بحوثنا فإنني أعتقد أننا نعمل سوياً على مد آفاق المعرفة وأن هذا سوف يضيف في المدى الطويل إلى سعادة البشرية) .

في خريف عام 1887 وبعد وفاة ماركس بأربع سنوات تُرجم الجزء الأول من كتاب رأس المال إلى الإنكليزية وجرت محاولة لإهداء الترجمة إلى تشارلز داروين، حيث بعث زوج ابنة ماركس رسالة إلى داروين الذي اعتذر وبرر ذلك بقوله: "صحيح أنه أيضاً غير مؤمن، لكنه لأسباب عائلية يرفض أن تكون له صلة بعمل ملحد علناً".

كانت السنوات الأخيرة من حياة ماركس سنوات القراءة، يقدم لنا أحد معارفه صورة لرجل: "مثقف جداً من النمط الأنجلو – ألماني، علاقته الوثيقة بهاينريش هاينه أكسبته أسلوباً مبهجاً وقدرة على السخرية الذكية، ولأن ظروف حياته الشخصية أصبحت ميسورة بقدر الإمكان، كان رجلاً سعيداً".

وفي استبيان ملأه لبناته، أفاد ماركس بأن نشاطه المفضل هو "القراءة النهمة". .في كتابه الأفكار الثورية لكارل ماركس يكتب أليكس كالينيكوس - ترجمة أشرف عمر -: "شعر بالراحة في كلاسيكيات الأدب من العصور الوسطى إلى عصر غوته، وعوالم دانتي وثيربانتس وشكسبير، والرواية الفرنسية والإنجليزية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وأظهر اهتماماً بالغاً بأي شعر معاصر".

في مقطع من كتابه "مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي" يتساءل ماركس لماذا " حتى الفن الإغريقي والشعر الملحمي يعتمدان على أشكال معينة من التطور الاجتماعي، وهما لا يزالان يزوداننا بمتع فنية، ولا نزال نعتبرهما معياراً فنياً ونموذجاً يستحيل الوصول إليه". كان ماركس أيضاً شديد الإعجاب ببلزاك لتصويره الواقعي للعلاقات الطبقية في فرنسا ما بعد الثورة، كان ماركس يطمح أن يضع دراسة عن بلزاك لكنه لم ينجزها.

في رسالة يبعثها إلى أنجلز عام 1856: "والآن ففيما يتعلق بكتابي الجديد – يقصد رأس المال – سوف أفضي إليك بالحقيقة الواضحة، مهما تكن العيوب القائمة في الكتاب، فإن ميزته ستكمن في أنه عمل فني بامتياز، لقد تطلعت إلى الشعراء والروائيين أكثر مما تطلعت إلى الفلاسفة والمحللين الاقتصاديين باحثاً لديهم عن تبصرات في دوافع البشر ومصالحهم المادية".

***

علي حسين – رئيس تحرير جريدة المدى البغدادية

في المثقف اليوم