شهادات ومذكرات

حميد بن خيبش: ياروسلاف سيفرت.. في حب براغ

تبدو المدينة في الشعر الحديث رديفة الضياع والاغتراب، والآلية الجوفاء، والجغرافيا القاسية التي جردت الإنسان من أصالة الريف ودفئه. غير أن مدنا بعينها وطّدت علاقتها مع الأدب، لما احتضنته من عبق التاريخ والذكريات، أو لانبعاثها كعنقاء من موجات الخراب التي يُحدثها غزاة أو سياسة رعناء.

تصبح المدينة رديفة للخلود حين تصمد في وجه الكراهية، وحين تشذب أساطيرها لتمنح الكُتاب من أبنائها أحوالا شعورية، تسري في كتاباتهم كالنسغ الذي يفيض حياة في جذور النبات. ومدينة براغ هي إحدى هذي المدن التي حفرت اسمها في الأدب التشيكي والعالمي، وأنضجت حكاياتها وأسرارها مخيلة أدباء بارزين، كميلان كونديرا، وفرانز كافكا، وفاتسلاف هافل، وإيفان كليما، وياروسلاف سيفرت أحد أبرز أصواتها الشعرية، والذي انحاز إلى أوجاعها بعد الاجتياح السوفياتي.

لمدينة براغ طابعها الفريد والمثير لكوامن الغيرة؛ فهي ساحرة بشوارعها المرصوفة بالحصى، وكاتدرائياتها ذات الطراز القوطي الغامض، وقلاعها التي تحرس ذاكرة الأمة التشيكية. فهي الغنية بمخلوقاتها الأسطورية، وحكاياتها الشعبية المستوحاة من تاريخ ممتد لآلاف السنين. حين يُسأل سكان العاصمة عن قصة التأسيس فإنهم يكشفون بحماس عن بُعدها الأسطوري:

 "في قديم الزمان، وبينما كانت الأميرة الحكيمة ليبوشي تحدق في الأفق الأخضر من قلعة فيشيهراد، تنبأت وذراعها ممدودة ناحية الشمال الشرقي قائلة: "أرى مدينة عظيمة سيبلغ مجدها النجوم.. في الغابة، ابنوا حصنا وسموه براها". هكذا شُيّدت براها أو براغ لتصبح العاصمة السحرية لأوروبا القديمة كما وصفها أندريه بريتون.

أما إحدى أساطيرها التي اكتسبت شهرة عالمية فهي حكاية فاوست، الساحر الأسود الذي باع روحه للشيطان في مبنى بحي نوفيه ميستو، مقابل سر الحب والشباب الدائم. يقال أن الشيطان حمله بعد ذلك إلى عالمه السفلي، ولا تزال حتى اليوم فتحة في أرضية المنزل شاهدة على الواقعة التي تعود للقرن السادس عشر.

في مدينة الأسرار والكنوز المخفية، ولد الشاعر ياروسلاف سيفرت سنة 1901 بحي عُمالي يدعى جيجكوف. وكان هذا الحي مثالا لعالم البؤس والاستغلال، حيث تصرف الطبقة العاملة همومها في حانات البيرة الرخيصة، والمراقص الشعبية، دون أن تفقد شيئا من صفاتها النبيلة.

انقطع سيفرت عن الدراسة قبل حصوله على الباكالوريا لينصرف إلى كتابة الشعر والدفاع عن الثورة الاشتراكية التي هزت العالم بعد تداعيات الحرب العالمية الأولى. وسرعان ما برز اسمه كممثل للطليعة الفنية، حيث ظهر سعيه إلى تحويل الواقع اليومي شعر جليا في ديوانيه (على موجات الراديو) و(العندليب يغني بشكل سيء).

برز اهتمامه الشديد بالعدالة الاجتماعية وتعاطفه مع الفقراء منذ سن مبكرة، فقد نشر مجموعته الشعرية (المدينة الباكية) في التاسعة عشرة من عمره، وأهداها إلى العمال التشيكيين. وانضم إلى الحزب الشيوعي لفترة وجيزة قبل أن يُطرد منه سنة 1929، بسبب احتجاجه على تزايد النزعة الستالينية، والتضييق على المثقفين.

تميز شعر سيفرت برقة غنائية حميمية، وبتعبيرات زاخرة بالصور. لغته بسيطة كأنها حكي يومي يفهمه الجميع. لقد نأى بنفسه عن الشعرية ليُنضج أسلوبه الخاص، حيث التعبير الغنائي الخالص، يُمجد فيه الحب، والعائلة، والصداقة، ومدينته براغ التي يعتبرها أما وزوجة وحبيبة:

"القبعة في يدي، أسير

في شوارع براغ

وألمس حجارتها.

أحجار خشنة

لكن، عليها، وضع

الشاعر قبلاته.

- طيلة حياتي، أحببت براغ،

 مثلما أحبها جميع

شعرائنا.

ربما، لأنني أحببتها كثيرا

كنت تعسا في غالب الأحيان."

ربط سيفرت مصيره بمصير المدينة التي أحبها، فهي المدينة الأم التي يتوق للعودة إلى حضنها ليرتاح، وهي نبع الإلهام الذي يُولّد الميول ويرعاها ويشجعها. هذا العشق للمكان بكل تفاصيله سيجعل من براغ حالة شعورية تفجر القوى الكامنة في روحه:

"براغ!

 في قلب الذي لم يرها إلا مرة واحدة

على الأقل، يصدح اسمها

إلى الأبد. هي نفسها أغنية منسوجة بالزمن

ونعشقها

فلتصدح!"

يعتبر نقاد شعره أن السمة التي تميزه عن غيره من جموع الشعراء التشيكيين هو أنه تعامل مع الشعر كمحادثة عادية. لقد أنزل الشعر من مكانته الرفيعة ليحوله إلى شيء مألوف وقريب وطبيعي. إنها السمة التي تبرز بشكل جلي في الصور التي أضفاها على براغ ليقرنها بنبض حي متجدد، تتحرر فيه المدن من حيزها الجغرافي لتصبح حبيبة يبثها الشاعر لواعج حبه وأشواقه، ويشحذ أبياته بكل النضارة والحسية، والحنين العميق إلى الطفولة:

"براغ تبتسم لي

وأرتعش

مثل عاشق، وبعد أن يرى عشيقته،

ينتظر بفارغ الصبر لحظة معانقتها

على جسر نوفوتني،

مرأى السد القديم يصيبني بالدوار.

أسمع ضجيجه المكتوم

مثل أغنية حب."

اتجه سيفرت إلى تطوير أسلوب كلاسيكي متأن، يتغنى من خلاله بموضوعاته المفضلة: المرأة، والحب، والزمن الذي يمضي. فحقق شعبية كبيرة بعد الحرب العالمية الثانية؛ لكنه لم ينج من حملة نقدية ممنهجة شنتها الإيديولوجيا الحاكمة، مدعية أنه انحرف عن التزامه بالواقعية الاشتراكية.

بعد الاجتياح السوفياتي لعام 1968 انضم سيفرت إلى أنصار ربيع براغ، وتولى مهمة رئيس اتحاد الكتاب رغم التهديدات والملاحقات المستمرة. خلال هذه الفترة كان شعر سيفرت صوتا حرا، يتصدى لمظاهر الإذلال التي لحقت بسيادة الأمة التشيكية:

" صفّر القطار خلف تيلاهوزيفيتش

حان وقت الرحيل

راكضا، هممت بالوصول إلى الرصيف.

بالكاد جلست في المقطورة

حتى أحسست بندم مرير

بالهرب من المدينة

التي أحبها

بأن أتخلى عنها لحظة

كانت في خطر.

بيد أن مبنى المحطة كان يختفي

في عتمة الربيع

والقطار يتجه صوب دولاني

حيث كل شيء مزهر.."

عندما أُعلن عن منحه جائزة نوبل في الأدب سنة 1984، انتهزت دور النشر هذا الحدث للاستفادة من "تأثير نوبل"، فقدمت للعالم مخطوطة شعرية وصلت سرا إلى أوروبا، كتبها سيفرت احتجاجا على الغزو السوفياتي لتشيكوسلوفاكيا. يتعلق الأمر ب "سوناتات براغ"، وهي مقاطع شعرية عبّر فيها عن مخاوفه بشأن مصير محبوبته أمام وحشية القصف النازي، وكتبها على شكل أغنية متكاملة، حيث يتكرر السطر الأخير من كل سوناتة في مطلع السوناتة التالية:

"براغ الخامسة عشرة

التي طعمها كرشفة نبيذ،

 حتى لو سقطت في الخراب

ولو فقدتُ عتبتي،

ولو اختنق طينها بالدماء

فلن أكون ممن يستسلمون

للموتى. سأنتظر هنا

من الربيع حتى أواخر الشتاء،

كمن ينتظر في فناء الكنيسة.."

سُئل سيفرت في مقابلة صحفية: "هل ينبغي أن يكون الشعر إيديولوجيا، أم جماليا، أم شيئا آخر؟" فأجاب:" لا ينبغي أن يكون إيديولوجيا أو جماليا؛ بل يجب أن يكون شعرا في المقام الأول. وهذا يعني أنه يجب أن يحمل شيئا مباشرا، شيئا يصل إلى أعمق أعماق الإنسانية، إلى تلك المناطق التي تسكنها أدق مشاعر الوجود."

كان من الصعب على براغ، وهي في قبضة الاحتلال، أن تتنسم الحرية. إلا أن أشعار سيفرت عرفت كيف تعيد إليها بهجتها ومتعتهاـ وتحملها على أجنحة الخيال الذي غذّاه الشاعر بكل ما أوتي من رقة وحب، وتنديد بمسحة الحزن التي تعلو حبيبته براغ:

"لطالما كان الشعر حاضرا بيننا

كالحب،

كالجوع والطاعون والحرب

أحيانا كانت أبياتي سخيفة،

لدرجة تبعث على الخجل،

لكنني لا أعتذر عن ذلك

أؤمن بأن السعي وراء جمال الكلمات

أسمى بكثير

من القتل والإبادة."

***

حميد بن خيبش

في المثقف اليوم