عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

شهادات ومذكرات

علي حسين: عندما وقعتُ في غرام همنغواي

أثناء عملي في احدى المكتبات كنت أضع خططاً غريبة للقراءة، فأختار الروايات التي يتحدث عنها النقاد. في ذلك الوقت، كنت أرى أن روايات مثل "أحدب نوتردام" و"دايفيد كوبرفيلد" و"جين آير" و"توم جونز" و"الأحمر والأسود"، هي التي يجب أن أرشحها لزبائن المكتبة، كان دليلي في ذلك كتاب سومرست موم الذي قدّم فيه لعشر روايات اعتبرها "خالدة".

ذات يوم قلت للراحل جبرا إبراهيم جبرا: كيف أعرف أن هذه الرواية مهمة ويجب أن أقرأها؟

قال: بالتأكيد لا أحد يعرف.. ولا توجد مفردة "يجب" في القراءة.. كل ما عليك أن تجرب بنفسك.

في مقال بعنوان "كيف تقرأ كتاباً؟ " تقول فرجينيا وولف إن: "تكون النصيحة اليتيمة التي يصح أن يسديها القارئ الخبير إلى من يتحسس الطريق في دروب القراءة، إنما تكون ماثلة في توعيته بأن لا يأخذ بنصيحة أحد، وأن يترك العنان لفطرته وميوله الخاصة كيما يسوقانه كيفما اتفق لهما، وأن يستعمل عقله الخاص وحده حتى يصل إلى خلاصة للأمر بنفسه".

قلت لجبرا إبراهيم جبرا: وجدت في نصيحتك عن القراءة خارطة طريق جديدة، ابتسم ليقول لي بصوته الهادئ: اترك الخرائط جانباً، وادخل مغامرة القراءة من دون خطط مسبقة.

يخبرنا هرمان هيسه إننا جميعاً في بعض الأحيان نقرأ بسذاجة، نستهلك الكتاب كما نستهلك الطعام، نأكل ونشرب حتى نشبع، وبهذا نتحول إلى مجرد متلقين، لا ننظر إلى الكتاب كندٍّ لنا، بل مثلما ينظر الحصان إلى سائقه، أينما يقود الكتاب تجدنا نتبعه، نأخذ الأفكار وكأنها أمر واقع، ويطلب منا أن نواجه قضية القراءة بحرية كاملة، وأن لا نتطلع إلى التثقيف أو التعليم من خلال الكتب، بل علينا أن نستخدم الكتاب كما يستخدم أي شيء آخر في العالم، القراءة يجب أن تكون مجرد نقطة انطلاق وتحفيز.

كان من عادة همنغواي أن يستيقظ في وقت مبكر ليتجه إلى مكتبه مباشرة: "أكتب كل صباح في وقت أقرب ما يكون إلى الفجر. ليس ثمة وجود لمن يضايقك، ويكون الطقس منعشاً أو بارداً، وعندما تبدأ بالكتابة يتسلل الدفء إليك"، يقول لمحرر باريس ريفيو الذي التقاه في منزله في هافانا، إنه يحب الكتابة وهو واقف "يقف منتعلاً حذاءين واسعين فوق جلد الوعل القديم، بينما الآلة الكاتبة على ارتفاع صدره، بمواجهته"، المعروف عن همنغواي أنه يؤلف مخطوطاته بقلم رصاص على أوراق، في واحدة من رسائله يكتب: "أحب الكتابة حباً جماً ولا شيء في هذا العالم يجلب لي السعادة مثلها. وعندما أكتب 1200 كلمة في اليوم الواحد يغمرني الفرح بشكل يفوق الوصف" – مباهج الكتابة وأوجاعها ترجمة جوهر عبد المولى –. يعترف أن القراءة تشغل معظم وقته، تضم مكتبته أعمالاً لتولستوي وستندال وتورغنيف ودستويفسكي وموباسان وتشيخوف وأندريه جيد وسوفوكليس ودانتي وثورو، يقول إنه يعيد باستمرار قراءة هيرمان ملفيل وشكسبير فهما لا يخرجان من ذاكرته.

لا يمكنك أن تعمل في مكتبة دون أن تصادف أعمال إرنست همنغواي، وسيطلب منك بعض الزبائن أن تبدي رأيك في أفضل رواياته، عندما قرأت رواياته لأول مرة، كنت تحت تأثير أحاديث رواد المكتبة، سألت الروائي عبد الخالق الركابي عن أفضل أعمال همنغواي فقال بلهجة الخبير: "همنغواي يفتح للقارئ رؤية بصرية للواقع، كما أنه بارع بوصف الانفعالات الإنسانية". قلت للركابي: ما هي الرواية التي تنصحني بقراءتها؟.

قال: معظم أعماله تستحق القراءة، ففيها تتعرف على تاريخ صراع النفس البشرية بين حب الحياة والسعي إلى الموت، لكني أنصحك أن تبدأ مع "الشيخ والبحر"؛ إنها حكاية عن أهمية الكفاح في حياة الإنسان.

يكتب جبرا إبراهيم جبرا: "لقد غيرت الكتب دورها في حياتي، فعلمتني من ناحية أن أخشى على الإنسانية، وعلمتني من ناحية أخرى أن الإنسانية لا تساوي قشة واحدة إذا لم ينتصر الفرد لرأيه".

في المكتبة التي كنت أعمل بها تخضع اختياراتي للكتب للمنطق العشوائي، كل الكتب كانت تثير اهتمامي، وكنت أتمنى أن لا أترك كتاباً دون أن أتصفحه أو أقرأ منه صفحات قليلة، أكتشف الكتب من خلال أحاديث الزبائن وطلباتهم، كان السؤال المعتاد: هل لديكم روايات همنغواي؟ في ذلك الوقت كانت أغلفة كتب إرنست همنغواي المترجمة إلى العربية، تحمل لوحات براقة ملونة، أتذكر غلاف "ولا تزال الشمس تشرق" وكان يحمل صورة تخطيطية للممثلة آفا غاردنر التي قامت ببطولة فيلم مأخوذ عن الرواية، فيما يبدو بطل الفيلم تايرون باور يركب على ظهر ثور هائج، وغلاف "وداعاً للسلاح"، يصور رجلاً وامرأة على متن قارب نهري. كانت هذه الأغلفة تجذب القراء، تبدو مليئة بالمغامرة والإثارة.

قرأتُ قدر استطاعتي جميع روايات همنغواي الموجودة في المكتبة، تعلقت بـ "الشيخ والبحر" و"وداعاً للسلاح"، فقد بدتا لي تجسيداً لقوة الحياة. كانت قراءة روايات همنغواي في تلك الفترة من عمري واحدة من أعظم المُتع بالنسبة لي، فقد وقعتُ في سحر هذا الكاتب المغامر الذي كتب في رسالة إلى والده، إنه لكي يكتب بالطريقة التي أرادها، عليه أن يُظهر القبح والجمال: "لأنه إذا كان كل شيء جميلاً، فلن يُصدّق المرء به". كان لابد أن أتحدث مع دليلي في قراءة الروايات، الزبون المبتسم الروائي غالب هلسا، الذي ما إن نطقتُ باسم همنغواي أمامه حتى سرح كأنه يتذكر شيئاً مر بحياته ليقول لي: "همنغواي أكثر كاتب أثّر على جيلنا.. كنا قبله متأثرين بالمدرسة الرومانسية ثم سيطرت علينا الواقعية الاشتراكية، ظهر همنغواي فجأة ليطرح تصوراً جديداً للعمل الروائي، ويقدم صورة مغايرة للعالم الذي نعيش فيه، كما علمنا كيف نتخلص من اللغة الرومانسية المترهلة". كان همنغواي يضع الدرس الأول للروائي والذي لخصه بهذه الكلمات: "انهل من معرفتك وخبرتك الشخصية لكي تكتب وتخترع القصص، ولا تُغيّر سِيَر الناس الذاتية التي كانت سبباً في تكوينهم".

كان المقربون من همنغواي يعرفون شغفه الكبير بالقراءة، وقد كتب ذات مرة: "أنا أقرأ باستمرار، مهما بلغ عدد الكتب". كان يقرأ دائماً حين لا يكون مشغولاً بالعمل، ومن عادته أن يطالع أربعة كتب في وقت واحد. ويعود الفضل في هذا التعلق إلى مكتبة والده التي كانت تضم مئات الكتب؛ إذ تتذكر أخته مارسيلين أنها قرأت مع شقيقها أعمال ديكنز، وستيفنسون، وشكسبير، ووالتر سكوت، التي كانت "تملأ رفوف مكتبة عائلتنا".

ومع تقدم همنغواي في العمر، ازداد شغفه بالقراءة، ولم تعد الكتب مجرد أمر ثانوي لديه، بل أصبحت جزءاً لا يتجزأ من روتينه اليومي، حيث كان يقضي معظم فترة بعد الظهر والمساء في القراءة، موضحاً ذلك بقوله: "عندما كنت أكتب، كان من الضروري أن أقرأ بعد الانتهاء؛ فلو استمررت في التفكير في عملي، لفقدت تركيزي قبل أن أتمكن من استكماله في اليوم التالي. لقد كان من الضروري أن أقرأ لأتوقف عن التفكير في عملي أو القلق بشأنه، إلى أن يحين وقت الكتابة مجدداً".

يأخذنا إرنست همنغواي، في مغامراتٍ طويلة وممتعة، يقدم من خلالها نظرةً واقعية على عالمٍ نجهل الكثير من خفاياه. وكما يقول الفيلسوف الرواقي سينيكا: «من المعهود في جوهر الأشياء أن أي نجاحٍ في نيل المرام ينجم عنه ما يجعل الكفاح الشديد ضرورةً من الضرورات». وعلى هذه القاعدة، سار  ابطال همنغواي؛ إذ تقدم  رواياته للقارئ تجسيداً لكفاحٍ بالغ الشدة. وكما قال همنغواي يوماً: «أحاول في قصصي أن أنقل إحساس الحياة الحقيقية، لا أن أكتفي بتصويرها أو نقدها، بل جعلها نابضةً بالحياة، بحيث يعيش القارئ التجربة بنفسه».

***

علي حسين - رئيس تحرير جريدة المدى البغدادية

في المثقف اليوم