(لم أكن أتصور أنني سأصل إلى هذا العمر. السبعون! يا له من رقم غريب ومخيف أحياناً، لكنه جميل أيضاً حين تنظر إلى خلفك وتجد أن الأيام لم تذهب ضياعاً، وأن ما زرعته في حقول القسوة قد أثمر طفولةً وأملاً)... من كتاب: "مرحباً يا عمري السبعين"... لعزيز نيسين
حين نقترب من عالم الكاتب التركي الكبير عزيز نيسين، فإننا لا نقف أمام مجرد قامة أدبية استثنائية أثرت المكتبة الساخرة فحسب، بل نواجه إنساناً استثنائياً صاغت المعاناة ملامحه، وجعلت من قلمه سيفاً يحارب به القهر والزيف. لم يكن نيسين كاتباً يعيش في برج عاجي، يكتفي بمراقبة بؤس المجتمع من بعيد ليكتب عنه؛ بل كان جزءاً من لحم هذا الشارع وعظمه، عانى مرارة الفقر وقسوة الحياة في شبابه، وهو ما منح أدبه ذلك الصدق الموجع الذي يتسلل إلى قلوب القراء بلا استئذان.
ولعل أعظم ما يُميز شخصية عزيز نيسين، ويجعله فريداً بين رفقاء القلم، هو أن مشروعه الفكري لم يقف عند حدود الورق والحبر، ولم ينتهِ بصفحات الجرائد والروايات، بل تجسد وتدفق واقعاً حياً على الأرض. لقد كان نيسين يؤمن بأن الكلمة الصادقة يجب أن تتبعتها يد تمسح دمعة أو تبني وطناً مصغراً للمحرومين. من هنا جاءت فكرة تأسيس "مؤسسة عزيز نيسين" ودار الأطفال (الميتم) عام 1973، وهو المشروع الذي كرّس له عصارة جهده، ورصد له كامل عائدات كتبه وأرباح ترجماته طوال حياته.
لم يكن ذلك الميتم مؤسسة بيروقراطية باردة تعتاش على الصدقات والشفقة التقليدية، بل كان انعكاساً لروح عزيز نيسين المتمردة والمحبة للحياة؛ بيئة دافئة تشبه العائلة الكبيرة، أراد لها أن تُخرج أجيالاً من الأطفال الأحرار الواثقين بأنفسهم، قادرة على التفكير النقدي وإنتاج المعرفة. وحين يُسأل الكاتب قيد حياته عن أهم إنجازاته وأفضل أعماله، لم يكن يشير إلى أي من رواياته الشهيرة، بل كان يجيب بكل تواضع وفخر: "إن أعظم وأجمل كتاب كتبته هو مؤسسة عزيز نيسين وأطفالي هناك". هكذا، انتقل عزيز نيسين من سخرية الواقع المرير على صفحات الكتب، إلى صنعه لواقع أجمل وأرحم في عيون أطفال وجدوا فيه الأب والرفيق والمعلم.
فكر ومبدأ عزيز في رواياته وقصصه. سيف السخرية السوداء في مواجهة الزيف
إذا كان الميتم قد تجسد واقعاً إنسانيّاً ملموساً على الأرض، فإن نصوص عزيز نيسين وقصصه كانت هي المختبر الفكري الذي فكك من خلاله عيوب المجتمع وعلله الكبرى. لم تكن سخرية نيسين مجرد كوميديا عابرة تهدف إلى إضحاك القارئ، بل كانت سلاحاً فكرياً حاداً يُعرف بـ "السخرية السوداء"؛ ذلك الفن المعقد الذي يجبرك على الضحك المرّ وأنت تقف وجهاً لوجه أمام أشد القضايا مأساوية ومرارة. لقد أدرك مبكراً أن الضحك أحياناً يكون الصرخة الأبلغ في وجه القبح والفساد.
لقد حمل فكر عزيز نيسين ومبدؤه الأدبي التزاماً أخلاقياً عميقاً تجاه الطبقات الكادحة والمهمشة. فلم تخفَّ قلمه شجاعة نقد الآفات الاجتماعية والسياسية، وعلى رأسها البيروقراطية العمياء التي تجعل من المواطن حشرة في دواليب الدوائر الحكومية، والنفاق الاجتماعي، واستغلال بساطة الإنسان وجهله. كان يكتب ببساطة مذهلة وسلاسة تبدو وكأنها حكاية شعبية يرويها جد لحفيده، لكنها في عمقها تحمل إسقاطات فلسفية واجتماعية لا تنتهي. إنه أسلوب "السهل الممتنع" الذي جعل أدبه عابراً للحدود الجغرافية واللغوية، ليخاطب وجدان الإنسان الشرقي والإنسان عموماً في كل مكان وزمان.
وفي رواياته وقصصه، لم يكن عزيز نيسين يوزع الاتهامات من برج عاجي، بل كان ينزل إلى الشارع ليصنع شخصيات كاريكاتورية حية من لحم ودم؛ الموظف الخائف، المتسلق الانتهازي، المواطن المقهور الذي يستصغر نفسه، والساذج الذي يقع ضحية للنظم المعقدة. هذه الشخصيات التي خطها بقلمه لم تكن سوى مرايا عاكسة لواقعنا، كتبها بشجاعة جعلته يدفع ثمنها غالياً من ملاحقات وسجن وضغوط، لكنه ظل وفياً لمبدأ واحد لا يتجزأ: أن الكاتب الحقيقي هو ضمير شعبه الذي لا ينحني، وأن الأدب الذي لا ينحاز للإنسان والحرية هو مجرد حبر ضائع على ورق عابر.
"مرحباً يا عمري السبعين".. حصاد العمر ووقفة الحكيم على عتبة الخريف
حين يقف الكاتب الكبير عزيز نيسين على عتبة السبعين من عمره، لا يكتب مذكّراته التقليدية المعتادة المليئة بالاستعطاف أو استرجاع الأمجاد الغابرة، بل يطل علينا بكتابه الفريد "مرحباً يا عمري السبعين" ليقدم لنا درساً بليغاً في كيفية التصالح مع الزمن والذات. ففي هذا العمل الذي يمزج بين السيرة الذاتية والتأمل الفلسفي، نقتحم عوالماً من العزلة التأملية الهادئة والمكاشفة الصادقة، ليتحول الكاتب الساخر إلى فيلسوف متواضع يراجع رحلته الطويلة بصدق جارح وشفافية مطلقة، بلا مساحيق تجميل أو ادعاءات بطولية زائفة.
وما يميز هذا الكتاب أن أجواءه تخلو تماماً من مرارة الشيخوخة أو شكاوى العمر البائسة؛ بل يستقبل الكاتب أيامه السبعين بتحية حارة وابتسامة ساخرة، متأملاً في معاني الشباب والموت. وهنا تبرز ملامح الشخصية الرئيسية في النص بوصفها إنساناً مليئاً بالتناقضات الحية والجميلة؛ فهي ذلك العقل الناقد الصارم الذي لا يرحم زيف المجتمع، وهي في الوقت ذاته القلب الحساس الذي يمارس "الندم النبيل" باعترافات شجاعة تؤكد أن الشيخوخة الحقيقية لا تبدأ بانحناء الجسد على عتبات السنين، بل بتوقف العقل عن طرح الأسئلة.
لقد تحدث عن ضعفه الإنساني وتحولات مشاعره بعمق مذهل، مؤكداً أن الحكمة الحقيقية لا تأتي من الكمال، بل من القدرة على الاعتراف بالخطأ. وحتى في أوج هذا الخريف الروحي، تظل الشخصية مشدودة بعنف إلى سحر الحياة، ناظرة إلى الموت لا برعب الفناء المظلم، بل بوصلة "استحقاق الحياة" التي تمنح الإنسان القدرة على حب الوجود والتمسك بمعناه حتى آخر قطرة.
هكذا يختتم عزيز نيسين رحلته الفكرية والإنسانية؛ الكاتب الذي بدأ حياته مبكراً بمحاربة القهر والدفاع عن الطفولة المقهورة عبر بناء ميتمه الحبيب، ينهي مسيرته على الورق بتأملات حكيمة تفيض دفئاً وإنسانية. إن كتاب "مرحباً يا عمري السبعين" ليس مجرد محطة في خريف العمر، بل هو وصية أدبية وفلسفية تذكرنا بأن الإنسان يظل شاباً ما دام قلبه ينبض بالأسئلة، وما دام قلمه قادراً على منح الحياة معنىً أعمق وأجمل
***
ئاريان علي








