رغم الظروف العصيبة التي كانت تعيشها عدن بعد الاجتياح الغاشم عام 1994م، وما رافقه من نهب وتدمير وإقصاء طال مؤسساتها وذاكرتها المدنية، كنا نحاول، بكل ما نملك من قدرة، أن نقاوم الموت الذي لا يأتي دائماً على هيئة رصاصة أو قنبلة؛ فقد يأتي أحياناً على هيئة قهر، أو قرف، أو صمت طويل، أو خوف يتحول مع مرور الأيام إلى عادة. وكنا نؤمن أن مقاومة هذا النوع من الموت لا تكون بالسلاح، وإنما بالكلمة، وبالسؤال، وبالمعرفة، وبإبقاء نافذة صغيرة مفتوحة أمام العقل كي يتنفس.
من هنا، لم تكن فكرة منتدى حرية التفكير بالنسبة لي مجرد نشاط ثقافي عابر، ولا فعالية أكاديمية تضاف إلى جدول أنشطة كلية الآداب بجامعة عدن، وإنما كانت امتداداً لقناعة قديمة بأن الجامعة ليست مكاناً لمنح الشهادات فقط، وأن كلية الآداب على وجه الخصوص لا يمكن أن تؤدي وظيفتها الحقيقية إذا تحولت إلى مؤسسة لتلقين المعلومات وإعادة إنتاجها، بدلاً من أن تكون فضاءً لإنتاج السؤال والمعنى والنقد.
وأتذكر أنني في عام 2007م كُلِّفت من الدكتور عبدالوهاب راوح برئاسة قسم الفلسفة بكلية الآداب في جامعة عدن. وكانت من محاسن الصدف أن شهد ذلك العام افتتاح قسم الخدمة الاجتماعية في الكلية، برعاية الأستاذ الدكتور جلال عبدالفتاح منصور، القادم من جامعة حلوان المصرية العريقة، مع عدد من زملائه للمساهمة في تأسيس القسم الجديد.
كان قسم الخدمة الاجتماعية ملاصقاً لقسم الفلسفة، ولذلك كنا نلتقي بصورة شبه يومية. بدأ الأمر بتعارف عابر بين أستاذين يعملان في مجالين مختلفين، ثم تحول شيئاً فشيئاً إلى حوار فكري واكتشاف مشترك لمساحات واسعة من الاهتمام. وجدت في الدكتور جلال أكاديمياً مثقفاً، يمتلك حساً نقدياً واهتماماً حقيقياً بالإنسان والمجتمع، ووجد هو، كما أعتقد، في الفلسفة مجالاً قريباً من أسئلته الاجتماعية والإنسانية.
اقترح عليّ في تلك الفترة أن أشارك في تدريس بعض مقررات قسم الخدمة الاجتماعية، فدرّست مساق نظريات في الخدمة الاجتماعية لطلاب السنة الثانية، ومساق الإدارة في الخدمة الاجتماعية لطلاب السنة الرابعة. وكانت تلك التجربة بالنسبة لي جديدة ومثيرة وملهمة؛ إذ أتاحت لي أن أخرج قليلاً من الحدود التقليدية لتخصصي في الفلسفة، وأن أتعرف عن قرب إلى النظريات والمناهج التي تقوم عليها الخدمة الاجتماعية، وإلى طرائق الممارسة المهنية، ومصادر الإدارة التقليدية والحديثة . كانت تجربة التدريس في الخدمة الاجتماعية مهمة جدا بالنسبة لي إذ عرفت إن طلاب الخدمة الاجتماعية هم أطباء المجتمع وكنت اردد ذلك أمام طلابي.
لكن الأهم من المقررات التي درسناها كان ذلك الحوار الذي فتح أمامنا سؤالاً أكبر: كيف يمكن للجامعة أن تستعيد وظيفتها الثقافية؟ وكيف يمكن أن يصبح التفكير نفسه ممارسة اجتماعية؟ انطلاقا من اعتقادنا الراسخ بان غاية المعرفة والتعليم التنمية والتنوير فإذا كان المثل الأعلى لروضة الأطفال يتمثل في تمكين الطفل من النطق بالحروف والأرقام والتعرف إلى أبجديات المعرفة، وإذا كان المثل الأعلى للمدرسة يتمثل في إكساب التلاميذ والتلميذات المعارف والمهارات الأساسية في مختلف العلوم والتخصصات، فإن المثل الأعلى للجامعة ينبغي أن يتجاوز مجرد نقل المعرفة وتكديس المعلومات إلى تمكين الطالب والطالبة من فهم ما تعلموه في المراحل السابقة، وإعادة تركيبه ونقده وتوظيفه وتحويله من مجرد معرفة مكتسبة إلى قدرة إنسانية فاعلة، ومن معرفة الأولاد والبنات إلى قدرة الرجال والنساء المفترضة في بناء المجتمعات وتنمية الأوطان وصناعة المستقبل. فالجامعة، بهذا المعنى، ليست نهاية السلم التعليمي، وإنما هي المرحلة التي تتحول فيها المعرفة إلى وعي، والوعي إلى قدرة، والقدرة إلى فعل اجتماعي وحضاري نهضوي ومستقبلي. وبحسب سيّار الجميل " الجامعة الحية هي التي لا تكتفي بتلقين المعرفة أو إعادة إنتاج الأفكار السائدة، بل تفتح للعقل آفاق السؤال والنقد والابتكار، وتمنح الطالب القدرة على فهم عالمه والمشاركة في تغييره. أما الجامعة التي تعيد إنتاج الماضي كما هو، فتظل، مهما امتلكت من مبانٍ ومناهج وتصنيفات، عاجزة عن أداء رسالتها التاريخية. فالحيوية الأكاديمية في جوهرها ليست كثرة النشاط، وإنما قدرة الجامعة على صناعة إنسان قادر على التفكير الحر، والعمل المسؤول، والإسهام الواعي في بناء مجتمع أكثر معرفةً وعدلًا وقدرةً على صناعة المستقبل.
من هذا الأفق والأمل الرحيب ولدت فكرة المنتدى الأكاديمي الثقافي لحرية التفكير في أكتوبر 2007م.
كنا نعتقد أن الجامعة لا ينبغي أن تكون جزيرة معزولة عن أسئلة المجتمع، وأن كلية الآداب، بحكم طبيعتها، مطالبة أكثر من غيرها بأن تكون مختبراً للأفكار، ومكاناً تتجاور فيه الأسئلة المختلفة دون خوف من الاختلاف.
ولهذا أعددنا برنامجاً طموحاً، يقوم على عقد لقاءات وندوات دورية، وعلى تخصيص موضوعات فكرية وثقافية معاصرة للنقاش. كنا نعقد المنتدى أسبوعياً، وتتحول القاعة إلى فضاء حقيقي للحوار؛ أعضاء هيئة التدريس، والهيئة التدريسية المساعدة، والطلاب والطالبات، بل وناشطون وناشطات مدنيون من خارج كلية الآداب.
ناقشنا العولمة وآثارها المحتملة، وناقشنا كتاب «صدام الحضارات»، وتوقفنا عند مفهوم حضارة الموجة الثالثة، وناقشنا معنى التاريخ الجديد وتناولنا قضايا القراءة النقدية والدراسات الثقافية والجنوسية، ومعنى الثقافة، وطبيعة المعرفة، والأسئلة التي تفرضها التحولات الجديدة على الإنسان العربي واليمني ولا تزال عالقة في ذاكرتي محاضرة الدكتور جلال عن معنى القراءة النقدية وأنواعها إذ لم تكن القراءة عنده مجرد انتقال العين فوق الكلمات، وإنما كانت فعلاً عقلياً مركباً؛ فالقراءة النقدية ليست استهلاكاً للنص، وإنما مساءلة له، وتفكيك لبنيته، وإعادة بناء لمعناه؛ كان يسأل: من كتب النص؟ وفي أي سياق تاريخي وثقافي؟ وما الافتراضات التي يقوم عليها؟ وما الأدلة التي يستخدمها؟ وما الذي يقوله النص صراحة، وما الذي يخفيه بين سطوره؟
وهكذا اردنا للمنتدى أن يتحول من مجرد ندوة ثقافية إلى تمرين على الحرية نفسها؛ لأن الإنسان الذي يتعلم كيف يقرأ النص نقدياً يتعلم، في الوقت نفسه، كيف يقرأ الواقع نقدياً إذ لم يكن اختيارنا لاسم حرية التفكير اعتباطياً. فقد كنا ندرك أن أخطر ما يمكن أن يحدث للعقل ليس أن يُمنع من الكلام فقط، وإنما أن يفقد قدرته على السؤال. فالرقابة الأكثر خطورة ليست دائماً تلك التي تقف عند الباب وتمنع كتاباً أو محاضرة، وإنما تلك التي تسكن داخل الإنسان، فتجعله يراقب نفسه قبل أن يتكلم.
كنا نؤمن بأننا بحاجة إلى إعادة تحديد وتعريف الكلمات التي نستعملها في حياتنا الفكرية والاجتماعية. فالكلمات ليست بريئة دائماً، والمفاهيم ليست جواهر ثابتة معلقة في سماء مجردة. كل مفهوم له تاريخ، ومكان وزمان ولادة، وسياق اجتماعي وثقافي، وتجربة ممارسة، وعلاقات قوة وسلطة ومعرفة، ونظام خطاب، ومدونة لغة، وحقل تأويل، وشفرة معنى، وأفق دلالة؛ نقول: الحرية، الديمقراطية، الدولة، المواطنة، الحداثة، الثقافة، المجتمع، العقل، التراث، الهوية… ثم إذا سألنا أنفسنا: ماذا نعني بهذه الكلمات تحديداً؟ اكتشفنا أن كثيراً مما نظنه معرفة ليس سوى ألفة لغوية وهذا ما جعلنا نستلهم سقراط الذي اكد إن معرفة الإنسان بجهله هي بداية المعرفة فالاعتراف بأننا لا نعرف هو الشرط الأول لتفتح العقل. والفلسفة، في جوهرها، ليست امتلاك الأجوبة النهائية، وإنما القدرة على إبقاء السؤال حياً. فإذا كان الواقع يتغير ويتطور ويتجدد باستمرار، فإن العقل والفكر الذي يريد أن يفهمه لا يستطيع أن يبقى ثابتاً وقد كانت لدي قناعة قديمة بأن كلية الآداب ينبغي أن تكون في قلب هذا التجديد إذ كتبت في مطلع عام 1999م مقالاً مطولاً في صحيفة 14 أكتوبر العدنية بعنوان «كلية الآداب بين الواقع والآمال»، ثم كتبت في العام نفسه في صحيفة شبام الحضرمية مقالاً آخر بعنوان «كلية الآداب والبحث العلمي» ولم تكن تلك الكتابات مجرد ملاحظات إدارية حول الكلية، وإنما كانت محاولة لطرح سؤال أعمق: ماذا نريد من كلية الآداب؟ ومن هو طالب الآداب؟
كنت أرى أن المشكلة ليست في أن العملية التعليمية تسير بصورة روتينية؛ فالمحاضرات تُلقى، والامتحانات تُجرى، والطلاب يتخرجون، والوثائق تمنح. لكن السؤال الجوهري ظل قائماً: ماذا أنتجنا في النهاية؟
هل أنتجنا باحثاً يستطيع أن يسأل ويقرأ ويحلل ويكتب؟ أم أنتجنا حاملاً لشهادة جامعية؟
فالطالب في كلية الآداب ينبغي ألا يكتفي بجمع المعلومات. عليه أن يتعلم كيف يحول المعرفة إلى سؤال، والسؤال إلى بحث، والبحث إلى معرفة جديدة فالقراءة والكتابة والبحث والنقد ليست مهارات إضافية يمكن الاستغناء عنها، وإنما هي جوهر تكوين طالب الآداب فما الذي يستفيد المجتمع من مئات الخريجين إذا لم يمتلكوا القدرة على التعبير عن أنفسهم، أو التفكير النقدي، أو البحث، أو الحوار، أو إنتاج المعرفة؟ تخريج عشرة طلاب مبدعين في تخصصاتهم كل عام أكثر أثراً من تخريج مئات لا يحملون سوى شهادة تضاف إلى أوراقهم.
لهذا افتخر بطلابي طالباتي المتميزين الذين تمكنوا من تسجيل الحضور في عالم الفكر والكتابة.
كلية الآداب ليست ترفاً أكاديمياً، وإنما رهان استراتيجي في زمن الصراع الثقافي؛ لأن المعركة على الإنسان تبدأ من العقل، ومن اللغة، ومن المفاهيم، ومن القدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم وفكرة منتدى التفكير الحر امتداداً طبيعياً لذلك المشروع لكن التجربة لم تستمر طويلاً.
للأسف لم يدم منتدى حرية التفكير سوى ستة أشهر، لكن عمر الأفكار لا يُقاس بعدد الأيام التي تعيشها في القاعات، بل بالأثر الذي تتركه في الوعي. أُغلقت القاعة، وتوقفت الاجتماعات، ووُضع السؤال تحت المراقبة، لكن السؤال نفسه لم يمت. يومها أدركت أن السلطة التي تخشى الحوار لا تخشى الطاولة ولا الكتاب، وإنما تخشى الإنسان حين يتعلم أن يفكر بنفسه، وأن يسأل: لماذا؟ وكيف؟ وما الدليل؟ وماذا لو كان الأمر مختلفاً؟ لم نكن نحمل سلاحاً، ولم نطلب سلطة؛ كنا نحمل كتاباً وفكرة، ونحاول أن نمنح الجامعة معناها الحقيقي بوصفها فضاءً للمعرفة والنقد والاختلاف. لذلك لم أعد أنظر إلى إغلاق المنتدى بوصفه نهاية، بل بوصفه درساً مبكراً في معنى الحرية: يمكن إغلاق قاعة، ومنع اجتماع، ومراقبة الكلمات، لكن لا يمكن بسهولة إغلاق الفضاء الذي تفتحه الفكرة في عقل الإنسان. ومنذ ذلك الحين ترسخ لديّ يقين لم تغيّره السنوات: أن أخطر ما يمكن أن يُمنع في المجتمع ليس ال
كتاب ولا المحاضرة ولا المنتدى، بل حق الإنسان في أن يسأل. فحين يُمنع السؤال يبدأ العقل في الرحيل، وحين يرحل العقل تضيق مساحة الحرية، ويبدأ الوطن نفسه في فقدان معناه.
***
ا. د. قاسم المحبشي








