عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

شهادات ومذكرات

ثامر الحاج أمين: في ذكراه الرابعة والخمسين.. إضاءات في سيرة حسين مردان

أكثر من نصف قرن مرّ على رحيل الشاعر والكاتب الصحفي حسين مردان (1927 ــ 1972)، الذي اقتحم الحياة الثقافية العراقية في أواخر أربعينيات القرن الماضي، وتمكّن بجرأته وشجاعته من أن يضع بصمته المميزة على خارطة الأدب العراقي.

وتحيلني هذه الذكرى إلى مرحلة مبكرة من دخولي عالم الأدب وتجربة الكتابة، وهي المرحلة التي تعرّفت فيها إلى أدب هذا الشاعر الكبير، وتأثرت بتجربته الأدبية لما اتسمت به من صدق وصفاء وجرأة وتحرر، ولا سيما ثورته على الوزن الشعري، الذي كان يراه عقبة تقف أمام تطور الشعر العربي، وهو ما دفعه إلى ابتكار جنس أدبي أطلق عليه "النثر المركز" .

وقد وصل بي الشغف بكتاباته إلى حدّ ملاحقة وجمع كل ما يتعلق به من كتابات وذكريات دوّنها الآخرون عن سيرته ومنجزه، حتى تكوّن لديّ ملف كبير، ضمّ نوادر مما كُتب عنه، وما زلت أحتفظ بهذا الملف إلى اليوم، وأعدّه ملفًا ثمينًا ومهمًا للراغبين في دراسة منجز هذا الأديب الكبير، الذي تربع على عرش الإبداع والصعلكة.

كما أتذكر حزني الكبير يوم أُذيع نبأ رحيله في 4/10/1972، وكنت يومها طالبًا في الصف الخامس الإعدادي. وربما أسهم ذلك في زيادة تعاطفي معه، ودفعني إلى البحث عن إصداراته وجمعها، حتى تجمعت لديّ الطبعات الأولى لجميع دواوينه، ومنها ديوانه الذائع الصيت "قصائد عارية" بطبعته الصادرة عام 1949.

ومن بين ما احتفظت به أيضًا كتابه "الأزهار تورق داخل الصاعقة"، الذي ضمّ معظم مقالاته التي كان ينشرها في مجلة «ألف باء»، والذي سارعت وزارة الإعلام العراقية إلى إصداره في غضون أيام قليلة من رحيله. وكذلك احتفظ بكتاب "من يفرك الصدأ"، وهو عمل أدبي أعدّه وقدّم له الناقد العراقي البارز علي جواد الطاهر، وصدرت طبعته الأولى عام 1988 عن دار الشؤون الثقافية العامة في بغداد، وهو كتاب يوثّق ويجمع سيرة حياة حسين مردان وأعماله، ويضمّ بعض أشعاره ومقالاته الجريئة.

وسرّ اهتمامي بحسين مردان أنني وجدته شاعرًا شجاعًا وصريحًا، يمتلك إحساسًا خاصًا، ولا يتورع عن نقد ذاته والكشف عن مواطن ضعفه بأسلوب ساخر. وهذه واحدة من السمات التي جعلت تجربته مختلفة، وجعلتني أجد فيها ما يتجاوز الشعر إلى شخصية الإنسان نفسه، الإنسان الذي لم يكن يخشى أن يضع نفسه تحت مجهر النقد كما يضع الآخرين، ففي رسالة كتبها لصديقه الرسام شاكر حسن ال سعيد يصف نفسه بأنه رجل قاحل وضعيف امام الجمال يقول فيها (فقد اقتحمت دائرتي المتجمدة امرأة صغيرة واستقرت في أحشائي كالنبلة .. اني أشعر لأول مرة في حياتي بالاندحار، فيالنا من مساكين، نعمل زمنا طويلا في اعتصار لحمنا وبري عظامنا لنجعل من انفسنا عمالقة، ثم تأتي امرأة صغيرة لم تصبغ اظافرها بعد، ومازال الحليب يفوح من ثغرها فتجبرنا على الانحناء، ماهذا الضعف المهين، ان مجرد التفكير بهذا الشيء يجرح عظمتي)، بهذه الصراحة الساخرة يكشف مردان عن تكوينه النفسي وضعفه امام الجمال، أما عن زهده وعدم اكتراثه بما يكتبه الآخرون عنه فيذكر صديقه الشاعر رشدي العامل قائلا: (سألت حسين مردان بحضور مجموعة من الأدباء الكبار: أبو علي ... ماذا سأكتب عنك عندما تموت؟ يقول العامل: تنهد مردان طويلا ورد مرتجفا:

ـــ اسمعوا ... عندما أموت لا يهمني ماذا سيكتب عني، ابصقوا على قبري ... بولوا عليه .. انما اريد ان تكتبوا الان، ان اقرأ ما تكتبون)، كما يبالغ مردان في صراحته المتناهية، معتقدًا، واهمًا، أنه قادر على تغيير قناعات القارئ من خلال استفزازه الحاد، حيث يتجلى ذلك في الإهداء الذي تصدّر ديوانه "قصائد عارية" إذ يخاطب القارئ قائلًا: (ثق انك لا تفضلني على الرغم من قذارتي الاّ بشيء واحد، وهو اني أحيا عاريا بينما تحيا ساترا ذاتك بألف قناع، فنصيحة مني ان لا تقدم على قراءة هذا الديوان اذا كنت تخشى حقيقتك، وتخاف من رؤية الحيوان الرابض في اعماقك) .

لقد عاش الشاعر حسين مردان تجاربَ مريرة مع المرأة، التي أخذت منه مأخذًا كبيرًا، وشغلت حيّزًا واسعًا من تفكيره وشعره، حتى عدّها أجمل القصائد في قلبه، وكان الحب عنده كما يقول: 

    دمٌ ونارٌ وأشلاء ٌممزقة

   وأضلع صاخبات تشتكي التعبا

   هذا هو الحب جرح فائر ويد

   خبيرة .. وصراع يملك العصبا

ويصف الناقد " طراد الكبيسي " تجربة مردان المريرة مع المرأة فيقول: (لقد تعب حسين مردان، وعانى كثيرا في البحث عن كلمات تليق بوصفها، هي التي قتلته، فقد كان بحاجة الى راعية طيبة لا تتركه وحيدا في القفار، ولكنها بدلا من ان تكون له كذلك، دفعت به الى المسلخ، فيصرخ بها " كيف سمحت لك رقتك بتقديم هذا العذاب لطفلك الفذ!") .

وحسين مردان، على الرغم من قِصر عمره ــ اذ رحل وهو في الخامسة والأربعين ــ وعلى الرغم من انطلاق تجربته من بيئة محلية، استطاع أن يجعل لصوته أصداءً تجاوزت الحدود، حتى وصلت إلى العالمية، فقد أشادت به مجلة «أوريان» الفرنسية، وقالت عنه: (ان حسين مردان بودلير العراق، والخليفة لشعر الغزل العباسي كله) كما قال فيه الكاتب الجيكي " بربا ": (حسين مردان شاعر وجودي النزعة .. ولكنه في طليعة الأدباء التقدميين، وشعره يحظى باهتمام الناس في العراق)، كما انه ساهم في أعمال المؤتمر العالمي للكتاب والفنانين من أجل نزع السلاح الذي انعقد بالاتحاد السوفيتي عام 1961 ضمن وفد الكتاب العراقيين والتقى هناك بشخصيات عالمية كبيرة، جان بول سارتر، بابلو نيردوا، البرتومورافيا، شولوخوف وآخرين وعن هذه المشاركة يعلق الشاعر رشدي العامل قائلا: (كان مردان يتحدث باعتزاز عن لقائه بسارتر ويقول انه تناقش معه عن الوجودية وان الفيلسوف الوجودي قال انه سمع عنه " عن حسين " وعندما نضحك يحدجنا بنظرة جانبية ويقول بلهجة حلوة، وعن قناعة " يابه .. غير انتو مضيعيني بها البلد) .

وعن حساسية حسين مردان المفرطة، ورهافة إحساسه بمعاناة الآخرين، يروي الشاعر سعدي يوسف موقفًا دالًا يكشف عن الجانب الإنساني الرقيق في شخصيتة فيقول: (مرة كان قطار المربد يطوي بنا الطريق الى البصرة، وكانت الساعة قد جاوزت الثانية بعد منتصف الليل، خرجت من كابينتي فرأيت حسين مردان في الممر ملصقا وجهه بزجاج نافذة القطار وهو يحدق في الظلام .. وكانت أصوات كلاب سائبة تسمع من بعيد، فسألت أبا علي عن سر وقوفه وحيدا هنا .. فأدار وجهه اليّ.. واذا بعينيه تملؤهما الدموع وهو يسألني: ترى أين تذهب هذه الكلاب في هذا الليل؟ !) . هكذا عاش مفعمًا بالإنسانية، شديد التأثر بآلام الآخرين، حتى لو كانت معاناتهم بعيدةً عنه، إذ كان يتفاعل معها بصدقٍ ورهافةِ حسّ، وكأنها تمسّه شخصيًا، ومن شجاعته في المواقف الصعبة وصراحته الجريئة يروي صديقه حكمت محمد فرحان (صباح احد الأيام وكنت اجلس كالمعتاد في المقهى البرازيلي حضر علي صالح السعدي ومد يده لمصافحتي، لم اصافحه، فاستمر علي مادا يده مرددا: كنا زملاء في دورة الضباط الاحتياط للمفصولين السياسيين عام 1955 فلماذا لا تصافحني؟ . أجابه حسين مردان: لأن يدك في ذلك الوقت كانت نظيفة، أما الان فهي ملطخة بدماء رفاق حكمت، قفل علي راجعا ولم يدخل المقهى حتى وفاته).

هذا شيء يسير من سيرة الشاعر حسين مردان، الذي عاش حياة ضاجة بالخيبات والتسكع والخذلان ولكنه تمكن بالتحدى والإصرار على ان يكون انسان وشاعر وعاشق من طراز خاص، وكانت لديه القدرة على مواجهة الذات بالقدر نفسه من الجرأة التي واجه بها المجتمع والتي منحته ذلك الحضور المختلف، وأبقت اسمه حاضرًا في الذاكرة الأدبية العراقية رغم مرور أربعة وخمسين عامًا على رحيله.

***

ثامر الحاج أمين

في المثقف اليوم