عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

شهادات ومذكرات

قاسم المحبشي: حينما تفتح الابتسامة الودودة نافذة على العالم

شاهدتها في زاوية من صالة الهوتيل. كان الوقت ظهراً، سيدة ثلاثينية متوسطة القوام منهمكة في العمل على جهاز اللابتوب الموضوع أمامها على الطاولة، بينما كان المترجم واقفاً إلى جوارها. اقتربت منهما، وحييتهما بالهولندية قائلاً: «نهارك سعيد». ابتسمت، فأشرق وجهها عن معنى يوحي بالثقة والامان.

قلت لها: «اسمي قاسم». فردت: «أنا ديدا».

كان ذلك أول لقاء لي مع Diede Thuss، ولم أكن أعرف أن تلك الابتسامة الصغيرة ستفتح أمامي باباً جديداً في تجربتي الهولندية. قال لي صديقي المترجم إن ديدا تستطيع مساعدتي في البحث عن وظيفة. فرحت بالفكرة، وجلست على الكرسي القريب منها. أخرجت استمارة وبدأت تسألني عن الأعمال التي أحب أن أمارسها. تحدثنا قليلاً، ثم استقر الأمر على رغبتي في العمل في متحف التاريخ الطبيعي القريب من مكان سكني.وعدتني بالتنسيق مع إدارة المتحف وتتواصل معي. وأوفت بوعدها.

إذ أخذتني إلى المتحف، حيث استقبلتنا السيدة الرائعة جولين شيراس، مديرة التطوير والتنمية، واتفقنا على أن يكون دوامي يومي الثلاثاء والخميس. لم يكن الأمر بالنسبة إلي مجرد العثور على عمل أو نشاط أقضي فيه بعض الوقت؛ فقد اكتشفت بعد أسابيع أنني عثرت، من حيث لا أدري، على مكان أعيد فيه ترتيب علاقتي بالعالم.

وأمس جاءت ديدا ثوس إلى المتحف برفقة المترجم المحترم سعدت كثيراً بزيارتهما، وتجولنا معاً في الحديقة، وأريتها شيئاً من نشاطي اليومي: تمهيد المشاتل، والغرس، والسقاية، والعناية بالنباتات. ومن محاسن الصدف أننا وجدنا هناك الدكتور إريك نايمن، عالم التنوع الطبيعي، الذي سبق أن حضرت له محاضرة رائعة في أوتمورسوم عن أهمية التنوع البيولوجي في الطبيعة والوظائف التي يؤديها في استمرار الحياة.

منذ بدأت العمل التطوعي في المتحف، أحسست بمشاعر إيجابية أخذت تتسلل بهدوء إلى مزاجي وطريقة تفكيري وكتابتي. ربما لأنني أمضي ساعات في تلك الخميلة، بين الأشجار والنباتات والطيور، أتأمل وأكتب وأشرب قهوتي السادة التي تعيدني، بطريقة غامضة، إلى أيام الطفولة. بل إن السفر ذاته يعيدنا إلى الطفولة

فحين نغادر المكان الذي ألفناه، لا نغادر الجغرافيا وحدها؛ نغادر أيضاً شبكة العادات التي كانت تحملنا دون أن نشعر. في الوطن أعرف الطرق، والوجوه، والإشارات، وقواعد التعامل المكتوبة وغير المكتوبة. أعرف كيف أسأل، وكيف أطلب، وكيف أعبر الشارع، وكيف أركب الحافلة، ومتى أتكلم ومتى أصمت. كثير من أفعالي تحدث بصورة تلقائية، لأنني أعيش داخل ما يسميه بيير بورديو «الهابيتوس»: ذلك المخزون العميق من العادات والتصورات والاستعدادات التي اكتسبها الإنسان من بيئته الاجتماعية حتى تصبح أشبه بطبيعة ثانية له.

في السفر ومواطن الاغتراب تتحول الأشياء البسيطة إلى أسئلة: كيف اخاطب الناس وكيف أركب القطار؟ كيف أعبر الشارع؟ كيف أطلب الطعام؟ كيف أتعامل مع الوقت؟ كيف أفهم هذه الإشارة؟ كيف أتصرف في هذا المكان الجديد ؟ إذ يصبح المسافر أكثر وعيًا بأفعاله لأنه فقد مؤقتًا ذلك الغطاء الكثيف الذي تصنعه العادة وبهذا المعنى يعيدنا السفر إلى مرحلة الطفولة يلفت انتباهه ما كان يمر عليه في وطنه دون أن يراه. نافذة صغيرة، دراجة في الطريق، طريقة عبور الشارع، حديقة عامة، مكتبة، قطار يصل في موعده، طفل يذهب إلى مدرسته، أو رجل يمشي وحده في الصباح.

وهذا هو أحد أعمق المعاني التي وجدتها في السفر: أنه يجعل الأشياء العادية مرئية.

بهذا المعنى تتوطد الصلة بين السفر والفلسفة.

فالفلسفة تبدأ حين نتوقف عن اعتبار الأشياء بديهية، والسفر يفعل الشيء نفسه ولكن بطريقة عملية. الفيلسوف يسافر في الفكر، والمسافر يسافر في الجغرافيا، وكلاهما يخرج من دائرة المألوف إلى فضاء السؤال. كلاهما يكتشف أن العالم أكبر من الصورة التي كان يحملها عنه.

وهذا ما جعلني أتوقف عند كلمة «سفر» نفسها. إنها من الكلمات التي تكاد تختزن فلسفة كاملة. فالسَّفَر هو الارتحال والانتقال من مكان إلى آخر، والسَّفَر أيضاً الكشف والانكشاف؛ نقول: أسفر الصبح أي أضاء وانكشف، وأسفر الوجه أي ظهر واتضح. أما السِّفر فهو الكتاب الكبير، وجمعه أسفار. وكأن اللغة تقول لنا إن السفر ليس حركة في المكان فقط، بل هو كشف وقراءة وانفتاح، وإن الكتاب نفسه سفر، والسفر كتاب فالإنسان حين يسافر يكتشف العالم، لكنه يكتشف نفسه أيضاً. يكتشف أن عاداته ليست قوانين كونية، وأن لغته ليست اللغة الوحيدة، وأن طريقته في رؤية الأشياء ليست الطريقة الوحيدة الممكنة. السفر، بهذا المعنى، أحد أشكال نقد الذات.

في متحف التاريخ الطبيعي اخترت، بصورة رمزية، الانحياز إلى النبض والخضرة على حساب المومياوات والهياكل. ليس لأنني أرفض تأمل الموت أو التاريخ،بل لأنني أرى في النبات رسالة أخرى للمستقبل. الشتلة التي أغرسها اليوم لا تسألني من أين جئت، ولا ما لغتي، ولا ما جنسيتي، ولا ما هو جواز سفري. يكفيها الماء والضوء والرعاية.

أن تزرع يعني أن تمنح شيئاً من وقتك لشيء قد لا تراه حين يكتمل. أنت تغرس شجرة لا تعرف من سيجلس تحت ظلها، وتسقي نباتاً قد يقطف ثماره شخص لم تلتقِ به قط. ولذلك فإن العطاء الحقيقي لا يشترط دائماً رؤية الحصاد.

لهذا أشعر أنني لا أعتني بالنباتات وحدها، وإنما أعتني بشيء في داخلي أيضاً. أستعيد طفولتي، وأستعيد الذين أحببتهم، وأستعيد فكرة بسيطة لكنها عميقة: أن الإنسان يمضي، بينما يمكن لأثر يده أن يبقى.

وهنا تذكرت كتاب إدوارد ت. هول «اللغة الصامتة» الذي قرأته وأنا أحاول أن أفهم شيئاً من الثقافات التي أعبرها وأعيش بينها. نشر هول كتابه عام 1959، ولفت فيه الانتباه إلى أن الإنسان لا يتواصل بالكلمات وحدها؛ فالوقت والمسافة والحركة والإيماءة وترتيب المكان كلها يمكن أن تصبح رسائل ثقافية. بل إن إحدى أفكاره الأساسية أن الثقافة نفسها شكل من أشكال التواصل ومنذ ذلك الحين بدأت أقرأ الوجوه والإشارات والمسافات كما أقرأ الكلمات.

فالابتسامة لغة، والنظرة لغة، وطريقة الجلوس لغة، والمسافة بين شخصين لغة، ونبرة الصوت لغة، وحتى الصمت يمكن أن يكون أكثر بلاغة من الكلام.

وقد اكتشفت في هولندا شيئاً لافتاً في هذه اللغة. فالتواصل الهولندي يميل عموماً إلى المباشرة والوضوح، وإلى وضع المعنى في الكلمات نفسها بدلاً من تركه طويلاً بين السطور. كما تحظى المساحة الشخصية والتواصل البصري والوضوح في التعبير بأهمية ملحوظة.

لكنني لا أتعامل مع هذه الملاحظات بوصفها قوانين تنطبق على كل هولندي، فالثقافة ليست سجناً من القواعد، والإنسان أكثر تعقيداً من الصورة النمطية. إنما أراها مفاتيح أولية لفهم بعض الإشارات التي قد يسيء القادم من ثقافة أخرى تفسيرها.

لقد تعلمت مثلاً أن ما قد أراه أنا في ثقافتي اختصاراً للكياسة قد يُفهم هنا أحياناً على أنه غموض، وأن ما قد يبدو لي مباشرة زائدة قد يكون، في نظر الآخر، احتراماً للوقت ولحق الإنسان في أن يعرف بوضوح ما يُقال له.

وهنا تتضح قيمة الأنثروبولوجيا الثقافية: إنها تعلمنا ألا نحاكم الإشارة قبل أن نفهم النظام الثقافي الذي أنتجها.

زرت معظم أقطار العالم العربي، من جنوب الجزيرة العربية في اليمن وعُمان إلى مصر والسودان وبلاد الشام، ومن العراق في المشرق إلى المغرب والجزائر في شمال إفريقيا، وبين هذه البلدان دول الخليج والسعودية. ووجدت أن العرب يشتركون في فضاء ثقافي واسع، في اللغة والعادات والتقاليد والأطعمة والقيم والرموز والأحلام، لكن هذا التشابه الظاهري يخفي اختلافات دقيقة في المعاني.

كلمة واحدة قد تكون جسراً في مكان، وحاجزاً في مكان آخر وهذا ما يجعل اللغة أكثر من قاموس للكلمات؛ إنها ذاكرة جماعة، وتاريخها، ومخاوفها، وطرائقها في رؤية العالم.

ولهذا تذكرت دراسات التحية في المجتمع اليمني، وكيف يمكن لصيغة السلام نفسها أن تحمل دلالات تتجاوز معناها الظاهر. فالتحية ليست دائماً مجرد «السلام عليكم» و«وعليكم السلام»، وإنما قد تكون إعلاناً عن موقع اجتماعي، وعن الاحترام، والشرف، والتقوى، والتكافؤ، وطبيعة العلاقة بين المتخاطبين. وفي هذا السياق تصبح نبرة الصوت، وطريقة الرد، واختيار الصيغة، كلها جزءاً من المعنى.

إن الإنسان لا يقول فقط: «السلام عليكم»، بل يقول أحياناً، من خلال طريقة قوله، من أنا؟ ومن أنت؟ وما طبيعة المسافة بيننا؟

وهنا أصل إلى ما سماه إدوارد هول، في حديثه عن الثقافة والتواصل، «قانون النقر» المستلهم من ملاحظة السلوك الاجتماعي للدجاج. وقد ارتبطت الملاحظة العلمية الأصلية بعالم السلوك النرويجي ثورلييف شيلدراب-إيبه، الذي لاحظ أن جماعات الدجاج لا تعيش في فوضى، وإنما تنشأ بينها تراتبية للهيمنة؛ من ينقر من؟ ومن يخضع لمن؟ وقد عُرفت هذه الظاهرة لاحقاً باسم «ترتيب النقر»

لكن قيمة الفكرة بالنسبة إلى هول لا تكمن في الدجاج نفسه، وإنما في قدرتها على فتح نافذة لفهم البشر.

في المجتمعات البشرية أيضاً توجد ترتيبات صامتة: من يجلس في صدر المجلس؟ من يتكلم أولاً؟ من يملك حق المقاطعة؟ من ينتظر؟ من يُسمح له بالاقتراب؟ ومن يُطلب منه أن يبقى في مكانه؟

قد تدخل اجتماعاً فلا تحتاج إلى أن يسألك أحد عن موقعه في الهرم؛ فالمقاعد قد أجابت قبل الكلام.

وقد تعرف مكانة شخص من طريقة مخاطبته، ومن نبرة صوته، ومن عدد الذين يصمتون عندما يبدأ الحديث.

وهنا يصبح «قانون النقر» استعارة نقدية لفهم السلطة في الحياة اليومية.

لكنني وجدت في هولندا شيئاً آخر يستحق التأمل: أن بعض المسافات الاجتماعية تبدو أقل ارتباطاً بالمقام الشخصي وأكثر ارتباطاً بقواعد عامة يفترض أنها تسري على الجميع. وهذا لا يعني غياب السلطة أو الفوارق الاجتماعية، لكنه يجعلني ألاحظ قيمة المساواة والوضوح في التفاعل اليومي.

وربما كان أجمل درس تعلمته من ديدا في ذلك اليوم أن اللغة الصامتة لا تبدأ دائماً من الكتب.

لقد بدأت من ابتسامة.

لم تكن ديدا تعرفني، ولم أكن أعرفها. كانت أمام حاسوبها، وكنت أنا رجلاً غريباً في بلد لم أولد فيه، أبحث عن مكان أستطيع أن أقدم فيه شيئاً من خبرتي ووقتي. كلمة هولندية بسيطة، وابتسامة، ثم استمارة، ثم وعد، ثم باب متحف.

هكذا تعمل اللغة الإنسانية أحياناً.

كلمة واحدة تفتح باباً.

ابتسامة تمنح الأمان.

إشارة صغيرة تعيد للغريب شيئاً من ثقته بالعالم.

ولعل هذا هو المعنى الأعمق للغة الصامتة: أننا لا نعيش بالكلمات وحدها، وإنما نعيش أيضاً بما تقوله الوجوه والعيون والأيدي والمسافات والأفعال.

لقد تعلمت في الغربة أن الإنسان يكون أكثر حساسية للإشارة والرموز ، لأن الغربة تنزع عنه شيئاً من الحماية التي كانت توفرها له العادة. في الغربة تستفز مشاعر الخوف والحذر ولذلك قد تكون الابتسامة في بلد غريب اكثر اهمية وقيمة مما هي في الوطن الأصلي إنها يبعث الطمأنينة والثقة والامان، بعكس النظرة القاسية والتجهم

فما زلت أتذكر، نظرة شخص كثيف اللحية وسمين الجسم التقيته في دكان بحي في إحدى العواصم العربية. نظر إلي وقال: «وينك يا دكتور؟ ما شفتك اليوم في صلاة الفجر؟»

ارتبكت.

قلت له: «من معي؟»

قال: «أنا إمام مسجد الحي».

لم تكن الصدمة في السؤال وحده، بل في شعوري المفاجئ بأن شخصاً يمتلك سلطة رهيبة يراقب حضوري وغيابي، وأنني أصبحت موضوعاً لملاحظة لم أطلبها. عدت إلى الشقة التي كنت أقيم فيها عند صديقي، وحزمت أمتعتي وغادرت المكان.

عندها فهمت أن أقسى ما يمكن أن يشعر به المهاجر في بلاد الآخرين ليس الفقر ولا الغربة وحدها، وإنما الإحساس بأنه مراقَب بعيون لا ترحم.

ولذلك أصبحت أقدّر، أكثر من أي وقت مضى، معنى الأمان في العلاقات الإنسانية؛ ذلك الأمان الذي لا تصنعه الكلمات الكبيرة، وإنما تصنعه التفاصيل الصغيرة التي تمنح الإنسان شعورًا بأنه ليس وحيدًا في هذا العالم. وربما لهذا وجدت نفسي اليوم، في حديقة متحف التاريخ الطبيعي، بين الأشجار والمشاتل والنباتات، أكثر ميلًا إلى الإصغاء إلى لغة لا تحتاج إلى مترجم؛ لغة الماء حين يلامس التراب، والضوء حين يتسلل بين الأوراق، والشتلة حين تشق طريقها بصمت نحو السماء. هناك تعلمت أن الحياة لا تصرخ كي تثبت وجودها؛ إنها تنمو. تنمو بهدوء، وتترك أثرها في الزمن دون ضجيج. ولعل هذه هي أعظم لغة إنسانية تعلمتها في الغربة: أن الأثر الحقيقي لا يحتاج دائمًا إلى صوت مرتفع، فقد يكون في يد تمتد بالمساعدة، أو ابتسامة تمنح الثقة، أو وعد يُوفى به، أو شتلة تُغرس اليوم دون أن يعرف غارسها من سيجلس غدًا تحت ظلها. لقد أخذتني ديدا، من حيث لا تدري، إلى المتحف، لكن المتحف أخذني بدوره إلى معنى أبعد: إلى اكتشاف أن الإنسان يستطيع أن يعيد بناء علاقته بالعالم من خلال أشياء تبدو صغيرة، لكنها تحمل في داخلها وعدًا بالحياة. وبين المومياوات والهياكل والنباتات الحية، اخترت أن أنحاز إلى الخضرة، إلى المستقبل، إلى الحياة التي تعرف كيف تتجدد بعد كل شتاء. فالإنسان يمضي، وتفنى ملامحه، وقد تضيع كلماته في ضجيج الأيام، لكن ما يزرعه من خير لا يمضي بالضرورة معه. تبقى شجرة، أو كلمة طيبة، أو يد امتدت إلى غريب، أو باب فُتح لإنسان لم يكن معروفًا. وحين يتوه الدرب، ويحجب الغبار ملامح العطاء، يأتي المطر حتمًا، لا ليغسل الطريق فحسب، بل ليخبر أين نبتت البذور الطيبة.

***

د. قاسم المحبشي

 

في المثقف اليوم