عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

شهادات ومذكرات

عبد الحسين شعبان: ميخائيل نعيمه.. عطر الكلمة وامتلاء المعنى

"همج هم الذين يتباغضون ويتناحرون باسم الدين، فهؤلاء، وإن وسعت عقولهم جميع ما في كتب الفلسفة والدين، فقلوبهم فراغ من الله الذي هو الجمال المطلق، والمحبّة المتناهية، والعدل الذي لا يوصف، والنظام الذي لا يدرك..."

ميخائيل نعيمه

هو عنوان لاحتفال استذكاري بمناسبة ذكرى ميلاد ميخائيل نعيمه الخامس والثلاثين بعد المئة. وقد أعادني هذا الاحتفاء إلى فترة وعيي الأول حين انكببت وأقراني في خمسينيات القرن الماضي على قراءة ميخائيل نعيمه وجبران خليل جبران، وكان شغفنا يزداد بأخبار الرابطة القلمية التي تأسست في أمريكا من جانب نخبة من أدباء المهجر اللبنانيين، والذين أضافوا إلى الثقافة العربية المعاصرة رافدًا جديدًا مزهرًا ومتطلّعًا نحو الحداثة.

هكذا وجدتُ نفسي اليوم في حضرة المفكّر والأديب والفيلسوف ميخائيل نعيمه بكلّ بهائه وعظمته وتواضعه، فكلّما ازداد المرء علوّ كعب ازداد تواضعًا. ولا أذيع سرًا إذا قلت أنني تعلّمت الكثير من ميخائيل نعيمه في السابق من كتبه "الآباء والبنون" و"جبران خليل جبران" و"مرداد" و"الغربال" و"مذكرات الأرقش" وغيرها، وفي الحاضر من كتاب "نجوى الغروب" وكتابه الأثير "من وحي المسيح"، الذي سأتوقّف عنده، والذي مضى على تأليفه أكثر من نصف قرن (1974)، لإضاءة فكرة اللّاعنف، تلك التي احتوتها تعاليم السيد المسيح، والتي استلهمها مفكّرون وقادة رأي معاصرون، انشغلوا بفلسفة اللّاعنف وثقافته والتربية عليه، كما امتاز الكتاب بلغة ساحرة وجملة أنيقة وعبارة حلوة وأسلوب رشيق فيه الكثير من الدلالات والمعاني، التي يعرض فيها نعيمه أفكاره وفلسفته ورؤاه بإثارة أسئلة هي غاية في الدهشة تعبّر عن قلقه المعرفي وشكّه الديكارتي بحثًا عن الحقيقة.

واللغة هي نسق من الرموز والإشارات تُستخدم للتواصل ونقل الأفكار والمشاعر والانفعالات. وهي وسيلة إنسانية للتعبير وأداة معرفية واجتماعية ونفسية للتفاهم بين الأفراد والجماعات والشعوب بتفاعل الحضارات وتداخل الثقافات من خلال نظام معقّد تتصل أجزاؤه بقواعد محددة. وعلى الرغم من اختلاف اللسانيين حول تعريف اللغة ومعناها ومحتواها، إلّا أنها تتضمّن جميع هذه المواصفات، وهو ما امتاز به كتاب نعيمه "من وحي المسيح"، الذي يعرض فيه أيضًا تأثّره لدرجة التماهي مع أقوال السيّد المسيح وأفكاره، بطائفة من العناوين المهمة التي شكّلت الخيط الرابط من أول الكتاب حتى آخر كلمة فيه، وأعني بذلك:

  • ‏الروحانية
  • الإيمان
  • ‏الوعي
  • العقل
  • المحبة
  • اللّاعنف

كلّ ذلك يستلهمه نعيمه في حوار (دايالوغ – Dialogue) بينه وبين السيّد المسيح، وبينه وبين نفسه، وبينه وبين إيمانه وعقله، ويستمرّ هذا من تمهيد الكتاب حتى نهايته بمخاطبته "يا مسيحي أشهد أنك حاضر أبدًا في حياتي منذ وعيت نفسي وحتى الساعة".

ويتوقّف نعيمه عند علاقته بالسيد المسيح منذ أن كان في الخامسة من العمر مرورًا بالخمسين، ووصولًا إلى ما بعد الثمانين. وبالطبع فقد اختلف وعيه في هذه المراحل، حيث أخذت مسيحيته تتعمّق مع مرور الأيام وإيمانه يترسّخ، حتى رحيله (1889 – 1988)، والموت ما كان غاية لمخلوق ولا دافعًا يدفعه على الحركة، على حدّ تعبيره.

يقول نعيمه في مخاطبته السيد المسيح "وها أنا اليوم، وقد بهرتني أشّعتك، أشعر بدافع لا يُعاند للتحدّث معك وعنك، ولعلّك ذلك الدافع، إلّا أنني أتهيّب الموقف كما لم أتهيّب أيّ موقف آخر في حياتي"، ومع ذلك تراه يوجّه السؤال تلو السؤال إلى السيّد المسيح، على الرغم من أنه، كما يقول، ليس مؤرخًا أو باحثًا أو لاهوتيًا، لكنه يتوقّف عند:

  ‏أهمية الأناجيل الأربعة، وهي أناجيل متّى ويوحنا اللذان لازماه (3 سنوات) مدة الكرّازة. ومرقص ولوقا اللذان عرفاه وسمعا منه وعنه. ويتساءل نعيمه بحيرةٍ: لماذا لم يفكر أي واحد منهم بتدوين مذكراته عن المسيح؟ وكم يتمنّى، وهو يخاطب المسيح بحسرة، لو أن واحدًا من الذين عايشوك وسمعوك ورافقوك في تجوالك ترك لنا ولو لمحة خاطفة عن تكوينك الجسداني، فنعرف أكنت طويلّا أم قصيرًا؟ أبدينًا أم نحيلًا؟ وأي لون كان لون بشرتك وشعرك وعينيك؟ وأي شكل كان شكل رأسك وجبينك وأذنيك وأنفك وفمك وذقنك...؟

من يقرأ الأناجيل يشعر بالخشوع والبراءة المتناهية التي تطلّ من كل سطر من سطورها كما يذكر نعيمه، فقد عكست الصراع بينه وبين أئمة الدين اليهود، وهو الصراع الذي قاد إلى الموت الرهيب على الصليب. كلّ ذلك يظهر من خلال حروفه المتوهّجة بالإيمان. الجدير بالذكر أن القرآن الكريم خصّ مريم العذراء بسورة تحمل اسمها من بين سائر النساء في العالم. (سورة مريم تتألّف من 98 آية. وهي السورة 19 في ترتيب المصحف الشريف، ونزلت في مكة المكرمة ما عدا الآيتين 58 و71 فمدنيتان).

قوت الروح وقوت الجسد

تمثّل كلمة الله لدى المسيح قوت الروح، مثلما يُعتبر الخبز قوت الجسد، وملكوت السماوات تعني (المُلك العظيم)، وملكوت الله يعني (العزّة والسلطان). وكان السيد المسيح يقصد أن ملكوت الله هو في القلوب.. إنه كنز لا يثمّن وهو مخبّأٌ في قلب كل إنسان، وعلى كل إنسان أن يكتشفه بجهده، لأنه حالة وعي الإنسان لنفسه وعيًا شاملًا لا مجال فيه لأي فاصل أو حاجز بينه وبين ربّه الذي منه وفيه كل منظور وغير منظور في الكون.

الرؤية اللّاعنفية

تظهر رؤية المسيح اللّاعنفية بالدعوة إلى السلم والتسامح من أبسط سلّم العلاقات الاجتماعية حتّى أرقاها، فمن غضب على أخيه استوجب القضاء، ومن قال له "يا أحمق" استوجب حكم المجلس، ومن خاطبه "يا جاهل" استوجب نار جهنم. وقد كان ضد الانتقام أو الثأر أو الكيدية، معارضًا شرائع قائمة مثل العين بالعين والسن بالسن، وطالما ردّدتُ إنطلاقًا من ذلك ظلمان لا يُنجبان عدالة ورذيلتان لا تنتجان فضيلة وحربان لا تصنعان سلامًا.

ولعلّ الشاعر الكبير أبو العلاء المعرّي يذهب بذات الاتجاه حين يقول:

وإذا تساوت في القبيح فعالنا / فمنِ التقيُّ؟ وأيُّنا الزِّنديـقُ؟

وكان الفيلسوف البريطاني فرانسيس بيكون هو من قال "حين يأخذ المرء بثأره يتساوى مع عدوّه، لكنه حين يسامحه يكون أفضل منه".

لقد استلهم دعاة اللّاعنف المعاصرين وفلاسفته ورواده من السيّد المسيح منظومة القيم اللّاعنفية، سواءً بصورة مباشرة أو بصورة غير مباشرة، رابطين بين الوسيلة والغاية، فلا غاية شريفة دون وسيلة شريفة وإذا كانت الوسيلة ملموسة وراهنة، فإن الغاية بعيدة وغير منظورة، وهكذا تكون الغاية من شرف الوسيلة، وهي مثل البذرة إلى الشجرة على حدّ تعبير غاندي.

ونذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر عددًا من الشخصيات اللّاعنفية مثل الفيلسوف الأمريكي ديفيد ثورو والمفكر والروائي الروسي ليو تولستوي وقائد المقاومة اللاعنفية الهندي المهاتما غاندي وزميله عبد الغفار خان والقس الأمريكي مارتن لوثر كينغ رائد حركة الحقوق المدنية والزعيم الجنوب أفريقي نيلسون مانديلا صاحب تجربة المساواة والعدالة الانتقالية والصديق الفيلسوف الفرنسي جان ماري مولر.

وكم يكون المرء مغتبطًا حين يرى جامعة في بيروت باسم اللّاعنف، أسسها وشارك فيها شخصيات حالمة بأن يكون اللّاعنف هو القاعدة، وأما العنف فهو الاستثناء، أي قلب المعادلة التاريخية كي يكون رأسها قاعدتها، فحيث يهيمن العنف على حياتنا، يكون اللّاعنف والسلام والتسامح هو الاستثناء، ويكون العنف هو القاعدة، وأساس العنف ناجم عن التعصّب ووليده التطرّف، وحين يُصبح هذا الأخير سلوكًا يتحوّل إلى عنف، وحين يضرب عشوائيًا ويكون عابرًا للحدود يُصبح إرهابًا دوليًا.

والمقصود بدعوة السيّد المسيح إلى عدم مقاومة الشرير بذات الأساليب لأنه سيتساوى معه، وبذلك سيُلحق ضررًا معادلًا للضرر الذي تسبّب به الأول، ومثل هذه الدعوة هي جزء من فكرة واسعة لمقاومة الظلم برفض الانجرار إلى الوسائل ذاتها والاستجابة إلى الرغبات العنفية الكامنة في النفس البشرية، فالعنف إذا ما واجه العنف سيولد عنفًا آخر، وهكذا يستمرّ العنف سائدًا والانتقام قائمًا. ولهذه الأسباب ثمة معارضة لعقوبة الإعدام أخذت تتّسع في السنوات الأخيرة.

ويستشهد نعيمه بقول للسيد المسيح مفاده: من لطمك على خدك الأيمن فاعرض له الآخر، ومن أراد أن يحاكمك ليأخذ ثوبك فاترك له رداءك أيضًا، ومن سخّرك أن تسير معه ميلًا واحدًا فسر معه ميلين. ويقول أيضًا: أحبوا أعداءكم وادعوا لمضطهديكم فتكونوا بني أبيكم في السماوات، لأنه يُطلع شمسه على الأشرار والأخيار، ويُنزل غيثه على الأبرار والفجّار، ليتوصّل إلى حكمة عظيمة حين يقول: لا تدينوا لئلّا تُدانوا، فكما تدينون تُدانون، ويُكال لكم بما تُكيلون. فقد كانت المحبة بالنسبة إليه كالغفران بلا تدرّج، فالمحبة لا تعرف الحدود، وهي الطريق إلى الغفران واللّاعنف والتسامح والمساواة.

المحبة قوت الحياة

المحبة هي قوت الحياة، فمهما أخذْت منها فهي لا تنقص، وهي اعتراف المحب بفضل المحبوب، وهكذا كان يردّد الله محبة ومن أقام في المحبة أقام في الله وأقام الله فيه. (كما يقول يوحنّا الإنجيلي في إحدى رسائله) وهو كلام لا لبس فيه ولا مجاز، إنه الحقيقة غير المموّهة وغير الموشّاة. فالله هو الحياة المالئة الفضاء اللّامتناهي، تلك التي تتجسّد في طلب الغفران، فالكلمة هي الأداة الأفضل، "فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ. وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهُ. هَذَا كَانَ فِي الْبَدْءِ عِنْدَ اللهِ. بِهِ تَكَوَّنَ كُلُّ شَيْءٍ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَتَكَوَّنْ أَيُّ شَيْءٍ مِمَّا تَكَوَّنَ" (إنجيل يوحنا).

ويختتم نعيمه كتابه بطلب الغفران تحت عنوان "وشلٌ من بحر"، وهو عنوان الاحتفالية، بقوله: وأوّل ما يتبادر إلى ذهني هو طلب الغفران (غفرانك)، يقصد من السيّد المسيح، عن كلّ كلمة بدرت منّي وكان من الخير لو لم تبدر، وكيف للكلمات مهما كثرت... أن تحتويك وأنت الكلمة الكائنة من الأزل والباقية إلى الأبد... ثمّ ما حيلتنا والكلمة هي الأداة الأفضل التي اهتدينا إليها حتى اليوم للتعبير عن أنفسنا.

ويضيف: وها نحن نكاد نغرق في ذلك الوشل، فما ندري أين نحن منك وأين أنت منا...؟ لكن إلى النعيم الذي بشّرتنا بنوره أقرب منّا إلى الجحيم الذي أنذرتنا بناره، مؤكدًا أن حياة المسيح هي طريق الحياة، وأن المحبة هي شفيعه.

حوار نعيمه القامة الفكرية والروحية هو حوار يتجاوز الزمن والمسافات ويتحرّر من القيود، سواء كانت دينية أم مذهبية، ليندغم بالإشراق ويتماهى به، وهو يمثّل جذوة الفكر المتّقدة وعطر الكلمة وامتلاء المعنى.

***

د. عبد الحسين شعبان

كاتب ومفكّر من العراق

........................

- محاضرة ألقيت بمناسبة الذكرى 135 على ميلاد ميخائيل نعيمه بدعوة من جمعية ميخائيل نعيمة ميماسونا، وذلك على مسرح الأخوين الرحباني، كنيسة مار الياس - أنطلياس الكبرى (لبنان)، في 18 تشرين الأول / أكتوبر 2025.

في المثقف اليوم