عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

كرار عيسى: شغب الكلمة وحِداد المعنى

مقاربة نقدية لأنطولوجيا الكتابة الشعرية عند رولان بارت

لا تكفّ الكتابةُ الشعرية في المتخيَّل البارتي عن مراوغة كل تعريفٍ يُراد لها أن تستقر عنده. فهي ليست جنساً أدبياً يُحصى بقوافيه وأوزانه، ولا سجلّاً معجمياً مرتفع النبرة، بل هي، على نحوٍ أدقّ، مسرحُ محاكمةٍ تُقام فيها اللغةُ نفسها موضعَ اتهام. بصفتي دارساً لتراث بارت النقدي ومعنياً بتقاطعات الفلسفة القارّية والشعرية المعاصرة، أزعم أن أيّ مقاربة أمينة لهذا الموضوع لا يمكن أن تكتفي بسرد أطروحاته بحيادٍ موسوعي، بل عليها أن تُخضع هذه الأطروحات - من "درجة الصفر" إلى "الحياد" - لمساءلةٍ تكشف عن التصدّعات الكامنة في وعدها بالتحرر. هذا ما يحاول هذا المقال إنجازه: تتبّع نسب الكتابة الشعرية عبر محطّات المدوّنة البارتية، ثم إخضاعها لنقدٍ يستعير أدواته من مؤرّخي بارت أنفسهم ومن منتقديه البنيويين.

في الفصل الذي خصّصه بارت لمساءلة وجود كتابةٍ شعرية أصلاً - وعنوانه الاستفهامي بذاته، "هل ثمة كتابةٌ شعرية؟"، دالٌّ على حذره من مأسسة الشعر - يقيم تمييزاً حادّاً بين شعرين: شعرٌ كلاسيكي ظلّ، رغم زخرفته الصوتية، امتداداً أفقياً لمنطق النثر ذاته، إذ لا يعدو أن يكون زينةً تُضاف إلى خطابٍ اجتماعيٍّ متصل السياق؛ وشعرٌ حديث، منبثقٌ من رامبو لا من بودلير - الذي يظلّ، في نظر بارت، آخر ورثة تلك الوحدة الكلاسيكية للغة - يفجّر هذا الاتصال من الداخل. الكلمة هنا لم تعد حلقةً في سلسلةٍ نحوية تُفضي إحداها إلى الأخرى بمنطق الجملة، بل غدت "علامةً منتصبة" (Signe Érect)، تشعّ في اتجاهاتٍ معجمية وصوتية واشتقاقية متزامنة، حاملةً كل احتمالاتها دفعةً واحدة.

هذا الانتصاب العمودي للكلمة هو ما يفسّر افتتان بارت بشاعرين مثل رونيه شار وفرانسيس بونج، اللذين حوّلا القصيدة إلى تجمّعٍ من "كلماتٍ-أشياء" (mots-objets)، متجاورة لا متصلة، منعزلة عن شبكة العقد الاجتماعي الذي يحكم النثر التواصلي. فمن هذا التجاور المتقطّع "ينبثق تدريجياً، بفعل مصادفة الكلمات لا بفعل قصديةٍ سابقة عليها، كثافةٌ ذهنية أو وجدانية ما كان لها أن توجد لولا هذا التجاور بعينه". وبونج نفسه، في مجموعته "انحياز إلى جانب الأشياء" (Le Parti pris des choses)، يجعل من هذا الانحياز مذهباً قائماً بذاته: أن يُصغي الشاعر إلى صمت الأشياء بدل أن يفرض عليها معجمه الجاهز.

بيد أن هذا الانتصاب، بقدر ما يُقدَّم بوصفه انعتاقاً من زيف اللغة الاجتماعية، ينطوي على مفارقةٍ أولى ينبغي تظليلها منذ البداية: فـ"الكلمة-الشيء" لا تتحرّر من الشبكة إلا بوصفها فعلاً بلاغياً يُدرَك على خلفية تلك الشبكة عينها؛ إذ لولا القارئ المزوَّد بكفاءةٍ لغوية ونوعية، لما أمكن التمييز أصلاً بين انتصابٍ شعري وضوضاء لغوية عارية من كل دلالة. هذه المفارقة، التي سنعود إليها لاحقاً، تجعل من "قتل اللغة" الذي يتحدث عنه موريارتي أقرب إلى طقسٍ يُؤدَّى داخل اللغة منه إلى خروجٍ فعلي عليها.

إذا كانت الأسطورة عند بارت نسقاً سيميولوجياً من الدرجة الثانية، يستولي على علامةٍ أولى (دالّ + مدلول) ليحوّلها بدوره إلى مجرّد دالٍّ لمدلولٍ أيديولوجي جديد، مضخِّماً بذلك المعنى حتى يبدو طبيعياً وبديهياً، فإنّ الكتابة الشعرية، في القراءة التي يقترحها غوميز، تسلك مساراً معاكساً تماماً: فبدل التضخّم نحو فائض الدلالة، تنحو الكلمةُ الشعرية نحو "تحت-الدلالة" (infra-signification)، ساعيةً إلى خدش القشرة الأسطورية التي رانَ بها الاستعمال الاجتماعي على الأشياء، لتلامس ما تبقّى منها عارياً من كل توظيفٍ أيديولوجي.

هذا المسعى يمنح الشاعر، في عرف بارت، موقعاً هو الأقلّ شكلانية بين الكتّاب جميعاً؛ فهو لا يؤمن بأنّ معنى الكلمة نهائيٌّ أو مكتفٍ بذاته، بل يراه قشرةً يُراد اختراقها وصولاً إلى ما بعد اللغة - إلى تلك الصفة المتعالية للشيء التي لا تسكن في المعجم بل في الصمت الذي يسبقه ويعقبه.

غير أنّ هذا المسعى، مهما بدا رومانسياً في طموحه، محكومٌ بذات القانون الذي صاغه بارت لتفسير الأسطورة نفسها: فالثقافة البرجوازية، كما يُقرّ بارت في خاتمة "درجة الصفر"، تملك قدرةً لا تُقهر على الامتصاص، بحيث إن كل محاولةٍ لإفراغ الكلمة من دلالتها المتراكمة سرعان ما تُعاد أسطرتها من جديد بوصفها أصالة أو عمقاً - وهو ما يجعل من "تحت-الدلالة" غايةً لا تُدرَك إلا لتنفلت من بين الأصابع فور بلوغها، أقرب إلى أفقٍ يتراجع كلما تقدّم الشاعر نحوه منه إلى محطّة وصول.

يبلغ هذا الأفق المتراجع ذروته في افتتان بارت المتأخر بالهايكو الياباني، حيث يجد أخيراً نموذجاً للغةٍ معفاةٍ من المعنى (exemption du sens): لغةٌ بلا مراسٍ، لا تشرح ولا تُفسِّر، بل تكتفي بالإشارة: "انظر"، "ها هو ذا" - وفي ذلك وحده يكمن ما يجعل الممارسة الاعتيادية للغتنا، أي التعليق، مستحيلةً أمامها.

بيد أنّ ديانا نايت تكشف، في قراءتها الدقيقة لهذا الافتتان، عن الثمن الخفي لهذه اليوتوبيا: فاليابان التي يكتب عنها بارت ليست يابان الإثنوغرافيين، بل نسقٌ متخيَّل يجعله بارت مختبراً لفرضياته الخاصة عن اللغة، حتى إنّ المعنى فيه لا يُلغى بقدر ما يُبقى على مسافة، أشبه بسرابٍ في الأفق. وهذا ما يضع مشروع بارت كله على تخوم نقاشٍ أوسع حول الاستشراق، حيث يتحوّل الشرق - كما ترصد نايت - إلى شاشةٍ يُسقَط عليها حلمٌ غربيٌّ بلغةٍ نقيةٍ من ثقل التاريخ. فما يبدو تحرّراً من الدوكسا الأوروبية قد يكون، في وجهٍ آخر منه، إعادة إنتاجٍ لدوكسا استشراقية أرقّ حجاباً، لا نقيضاً لها.

وكما يلاحظ الناقد جونثان كَلر في دراسته الموجزة عن بارت، فإن هذا الانتقال يكشف عن الوجهين المتنازعين في مشروعه كله: العالِم الباحث عن نسقٍ للأدب، والمتلذّذ الذي يمنح القارئ دوراً منتجاً بدل أن يُسلمه لدور المستهلك. بحلول السبعينيات، ينتقل بارت من مفردات العلم البنيوي إلى مفردات الجسد، فيستبدل بثنائية الدالّ والمدلول ما يسمّيه الدالّية (Signifiance): طاقة توليدٍ لا تُختزل إلى معنى محدَّد.

في كتابه "S/Z"، يُقابل بارت بين النص المقروء (lisible)، الذي يُسلَّم للقارئ جاهزاً كمنتَجٍ مغلق، والنص المكتوب (scriptible)، الذي هو حاضرٌ دائم لا يقبل أن تُطبَّق عليه لغةٌ لاحقة تجمّده في ماضٍ محسوم. والكتابة الشعرية، بهذا المعيار، هي النموذج الأمثل للنص المكتوب: نصٌّ يقاوم أن يُختزل إلى مغزى يمكن استخلاصه وإعادة صوغه نثراً دون خسارة.

هذه المقاومة هي ما يمنح القصيدة قدرتها على إنتاج ما يسمّيه بارت المتعة (plaisir) حين تظلّ مطمئنةً داخل شفرات القراءة، أو اللذة القصوى (jouissance) حين تخلع القارئ عن موقعه كذاتٍ مستقرة وتُسلمه إلى تصدّعٍ لا يمكن استعادة تماسكه. إنها لغةٌ يسكنها الجسد قبل أن يسكنها المعنى - حشرجةٌ أقرب إلى الغناء منها إلى الخطاب، تنبض تحت سطح الرسالة المشفَّرة.

غير أنّ هذا الصرح النظري، على تماسكه الداخلي، لا يخلو من تصدّعاتٍ ثلاثة تستحق أن تُساءل بوضوح، بدل أن تُطوى في هامش الإعجاب.

التصدّع الأول بنيوي: فقد بيّن جوناثان كَلر، في نقده للشعرية البنيوية عموماً - وبارت أحد أعمدتها - أن محاولة تأسيس تفرّد العلامة الشعرية على خصائص لغوية داخلية محضة تصطدم بحقيقة أن أي أثرٍ شعري لا يُقرأ إلا من خلال كفاءةٍ أدبية يكتسبها القارئ من تعوّده على اصطلاحات النوع؛ أي أن الانتصاب الذي يزعمه بارت للكلمة الشعرية ليس خاصية كامنة في الكلمة بقدر ما هو أثرٌ تُنتجه مواضعةٌ قرائية مسبقة. وبهذا يُصبح قتل اللغة أداءً تقوم به اللغة ذاتها، لا انفلاتاً منها.

التصدّع الثاني ذاتيّ التقويض: ففي مقالته عن "أثر الواقع" (l'effet de réel)، يبرهن بارت نفسه على أن وهم التماس المباشر مع الشيء في ذاته - ذلك التفصيل السردي الذي يبدو زائداً عن وظيفة الحكاية فلا يفعل شيئاً سوى أن يقول أنا الواقع - ليس انعتاقاً من الشيفرة بل شيفرةٌ من نوعٍ أرقّ. فإذا صحّ هذا في النثر الواقعي، فما الذي يمنع تطبيقه على "الكلمة-الشيء" عند بونج؟ أليست هذه الأخيرة بدورها أثراً شعرياً، يُنتج وهم الحضور العاري بقدر ما يُنتج أثر الواقع وهم الموضوعية، دون أن يكون أيٌّ منهما خروجاً حقيقياً على منطق العلامة؟ هذه النتيجة، وإن لم يصرّح بها بارت صراحةً، منطويةٌ في صميم منهجه السيميولوجي، مما يجعل صمته عنها لافتاً بقدر ما هو دالٌّ.

التصدّع الثالث، وهو الأعمق، تاريخيٌّ واعترف به بارت نفسه: فالحرية التي تحقّقها الكتابة، كما يكتب في خاتمة "درجة الصفر"، ليست إلا «لحظةً» عابرة، إذ سرعان ما تمتصّها الدوكسا البرجوازية وتُعيد تدجينها اصطلاحاً جاهزاً. وهذا ما يجعل من الكتابة الشعرية، في نهاية المطاف، لا إنجازاً يُختزن كرصيدٍ مكتسب، بل مراوغةً متكررة، أقرب إلى ما سيسمّيه بارت لاحقاً إرباك المفارقة (déjouer le paradigme) في محاضراته عن الحياد: فعلٌ عنيدٌ يتجدّد لأنه يعرف مسبقاً أنه سيُهزَم.

لا تنتهي الكتابة الشعرية عند بارت، إذن، إلى حالٍ مستقرة يُطمأنّ إليها، بل إلى رهانٍ يتجدد عند كل نص، عارفاً سلفاً بهشاشته. وربما كانت هذه الهشاشة عينها - لا التماسك النظري - هي ما يبقيها حيّة أخلاقياً: فالشاعر الذي يرفض أن يمنح العالم حقيقةً سرية واحدة، مفضّلاً أن يُشرع النص على تعدديةٍ لا تُستنفد إنما يمارس ما تبقّى له من حرية في عالمٍ تحكمه الشيفرات: أن يخسر المعركة في كل مرة بطريقةٍ مختلفة قليلاً عن سابقتها. وفي هذا التكرار المهزوم سلفاً، لا في وهم الانتصار النهائي، تكمن - إن جاز القول - المراوغة الصامتة الأخيرة لكل كتابةٍ تستحق أن تُسمّى شعرية.

***

د. كرار عيسى عبد الحسين

..........................

قائمة المصادر والمراجع

Barthes, Roland. Criticism and Truth. Translated by Katrine Pilcher Keuneman. Continuum, 2007.

Barthes, Roland. Empire of Signs. Translated by Richard Howard. Hill and Wang, 1983.

Barthes, Roland. The Grain of the Voice: Interviews 1962–1980. Translated by Linda Coverdale. Hill and Wang, 1985.

Barthes, Roland. The Neutral: Lecture Notes at the Collège de France, 1977–1978. Translated by Rosalind Krauss and Denis Hollier. Columbia University Press, 2005.

Barthes, Roland. The Rustle of Language. Translated by Richard Howard. Hill and Wang, 1986.

Barthes, Roland. S/Z. Translated by Richard Miller. Hill and Wang, 1974.

Barthes, Roland. Writing Degree Zero. Translated by Annette Lavers and Colin Smith. Jonathan Cape, 1984.

Barthes, Roland, and Annette Lavers. Mythologies. Farrar, Straus and Giroux, 1972.

Culler, Jonathan. Barthes (Fontana Modern Masters). Fontana Press, 1983.

Culler, Jonathan. Structuralist Poetics: Structuralism, Linguistics and the Study of Literature. Routledge & Kegan Paul, 1975.

Gomez, John. An Analysis of Roland Barthes's Mythologies. Macat Library, 2017.

Knight, Diana. Barthes and Utopia: Space, Travel, Writing. Clarendon Press, 1997.

Moriarty, Michael. Roland Barthes (Key Contemporary Thinkers). Stanford University Press, 1991.

في المثقف اليوم