نصوص أدبية

سامي البدري: إنه يوم جمعة آخر

يوم الجمعة هو يوم نحسي المزمن، ومنذ أيام طفولتي الأولى. انتبهت لهذا وأنا ما أزال في العاشرة من عمري. ورغم أني لم ألجأ لأي نوع من الاحتياطات التي تخفف ذلك النحس، وأنا في ذلك العمر، إلا أني ما انفككت عن ترديد (أوه اللعنة، إنه يوم الجمعة مرة أخرى) في مساء كل يوم جمعة، بعد أن أكون قد تلقيت أربع أو خمس من مصائبه، التي لم أكن أفهم كيف يدبرها القدر ضدي، بحقد وتصميم عجيبين.

اليوم الأول من عامي الخامس عشر، قضيته وأنا أقرأ رواية الحارس في حقل الشوفان في السرير. وفي آخر ذلك اليوم، تنبهت إلى أنه يوم جمعة آخر، ولكنه مر دون مشاكل تماماً. ومن يومها عمدت إلى عادة السكون التام في ذلك اليوم، كي يمر وكأني غير موجود أو خارج دائرة القدر، كي تمر أيام الجمع يسيرة وبهدوء ودون مشاكل.

التهمت خلال تلك الجمع الطويلة مئات من كتب مكتبة أبي التي كانت تساعدني على البقاء طافياً ومنعزلاً عن زمن وكآبة أيام الجمع. لكن هذا لم يعني أن تأثير نحسها كان قد توقف، فقد كنت أحسه يدور حولي ويترصدني من أجل الإيقاع بي، وخاصة عندما أخرج من غرفتي، قاصداً الحمام، لأقضي حاجتي، أو المطبخ لكي أتناول ما يسد جوعي، حتى إن أمي قالت لي ذات يوم (أنت هكذا ستتحول إلى سلحفاة بيتية لا يسمع صوتها أو شبح يسمع حفيفه في الأماكن الفارغة فقط).

في العطلة الصيفية من المدرسة لذلك العام، انتشر فايروس خطير بين الأغنام والأبقار، فمنعت الأجهزة الصحية ذبح تلك الحيوانات وتناول لحومها بشكل مشدد، لخطورة ذلك الفايروس القاتل، ولحد أنها كانت ترسل فرق تفتيش مفاجئة لمطابخ البيوت، من أجل التأكد من التزام السكان بعدم أكل اللحوم. اللحوم الوحيدة التي سمح بأكلها هي لحوم الطيور والدجاج. ولهذا عمد أبي للخروج إلى القرى البعيدة من أجل شراء الدجاج البري وبكميات كبيرة. كان كل يوم يعود مع موعد الغداء بأربعة أقفاص مليئة بالدجاج، ومن كافة الألوان. ولأننا كنا نسكن في بيت يعود للعهد الملكي، الذي سبق عملية انفجار زيادة السكان في العهد الجمهوري، فقد كان بيتنا يحتوي على حديقة خلفية تكفي لإيواء عشرة آلاف دجاجة، كما قدرت، بعد أن عمدت لعمل أقفاص، من الخشب والأسلاك المركبة، لإيواء ذلك العدد الهائل من الدجاج، والذي رغم كثرته، فإنه ضاع ولم يعد يلفت بوجوده أحد، بعد أن جمعته في قفصين في الركن البعيد والمجاور لبيت وزير ملكي، كان قد أعدمه النظام الجمهوري، ففرت عائلته هاربة لدولة بعيدة، وتركت البيت لوحده ليتحول إلى مستوطنة أشباح. كان أبي يحرص على رعايته وسقي وتشذيب ورود وأشجار حديقته، وفاء لذكرى صديقه وزميل عمله، حيث كانا قد تزاملا في ثلاث وزارات متتالية في خدمة المملكة وملكها، الذي أعدم هو الآخر، وفي ذات يوم إعدام الوزير، صديق أبي، ولكن رمياً بالرصاص.

المهم، وفي ذلك الصيف الطويل، صارت الدجاجات تسليتي، التي كادت أن تنسيني نحس وكآبة أيام الجمع بصورة نهائية، لولا أن – وهذا ما عرفته لاحقاً وعبر مراقبتي لأحوال وعادات الدجاج – الدجاجة الشاذة والشرسة (وهي تتوفر في جميع ممالك الدجاج، صغيرها وكبيرها) حفرت لنفسها ممراً تحت ذلك القفص لتخرج إلى فضاء حديقة البيت. وعندما حاولت إعادتها إلى القفص راوغتني بشراسة، وبدل أن تسير إلى القفص قفزت إلى أعلى السياج الفاصل بين بيتنا وبيت الوزير المقتول. وعندما حاولت مغافلتها والإمساك بها، كانت أكثر انتباهاً لنواياي، فطارت لتحط وسط حديقة جارنا الوزير الغائب.

جئت بأحد الأقفاص الخشبية التي كان أبي يجمع الدجاج فيها، في صندوق سيارته الوزارية السابقة (حافظ أبي على سيارته الوزارية، الشوفروليه، من طراز عام 1952 ، كنوع من أوجه احتجاجه ورفضه للنظام الجمهوري الجديد) ووضعته بجانب السياج وصعدت عليه، لأتمكن من النظر إلى حديقة جارنا الوزير ومعرفة مصير دجاجتي المشاكسة. كان يوم جمعة طبعاً، وعندما لم يجد القدر ما يناكفني به، كما قدرت، حرض تلك الدجاجة الوقحة على التمرد والهروب. وحالما تمكنت من وضع كلا قدميّ على ظهر القفص الخشبي المترجرج ومددت رأسي من طرف السياج لأرى دجاجتي، وجدتني مباشرة في وجه امرأة بعينين سوداوين وحاجبين، أشد سواداً وأكثر تهديداً، وخاصة بعد أن طوحت الصدمة بنظري إلى ما تحتهما من أنف بحدبة ناتئة كحدبة الجمل. صرخت مصعوقاً وتدحرجت من فوق القفص لأسقط على ظهري مفترشاً الأرض. وبعد أن عاودت فتح عينيّ، وقبل أن يهدأ وجيب قلبي، ارتفع الرأس، من خلف السياج لينتصب على عنق أنثوي، مزين بسلسلة ذهبية، يتوسطها قرنفلة سوداء، قبل أن ينتصب ذلك العنق على كتفين غضين ونهدين مشاغبين، يكادان تمزيق القميص الذي يغطيهما لحد الخنق والإذلال. ما هذا الذي يحصل ومن هذه المرأة؟ هل بدأ يوم الجمعة مهاجمتي في عقر داري، بعد مقاطعتي له، ببعث شياطين وأشباح عبثه ونحسه إلى معتزلي؟ فجأة ارتفع الجسد الأنثوي إلى حد الخصر ليقول من فم شهواني ومتحرش (هل أنت بخير أيها الصبي المدلل؟ هل تحس بألم ما يا ابن سعادة الوزير)؟ ومن خجلي من رخامة وأنثوية صوتها، نهضت بسرعة وأنا أنفض تراب الأرض من على ملابسي لأقول بغضب مصطنع، يغطي على خجل انكساري (من أنت وماذا تفعلين في بيت جارنا الغائب)؟ ابتسمت بشفقة وقالت (قبل أن تفلت قطار أسئلتك المسكينة في وجهي، عاود الصعود وتعال لأنفض التراب عن قميصك الجميل يا ولد). ورغم أن نبرتها لم تكن تخلو من السخرية، إلا أنها كانت ضاجة بشحنة إثارة أنثوية مهلكة، من تلك التي تسحب الذكر من خياشيمه لتقوده لذلك الحتف الشيطاني الذي لا تبدعه إلا أحلام اليقظة في الليالي القمرية. نفضت التراب عن صدر قميصي، بلطمات عصبية وقفزت إلى أعلى القفص، من جديد، الذي ترجرج من جديد، محاولاً اسقاطي إلى الخلف، لولا قبض الفتاة على تلابيب قميصي وشدها لي لتعيد لي توازني، بلصقي بحجارة السياج وسحبها لكلا ذراعيّ لأشد بهما نفسي إلى الجدار، فوجدت، فجأة، وجهي في مواجهة وجهها، من على مسافة أقل من بوصتين، فملأت رائحة أنوثتها جميع زوايا روحي المظلمة، وطوح عبير أنفاسها بجميع مرتكزات التوازن، التي كنت أحاول الإتكاء عليها. وبعد أن استعدت توازني، سألتني لكي تجنبني الشعور بالإحراج (هل كنت تبحث عن تلك الدجاجة الشرسة؟) وأشارت بحركة قصيرة من رأسها باتجاه ما خلفها. قلت بصوت مخنوق (نعم وهي بالفعل شرسة وغبية لدرجة إثارة الحنق بأي شخص). ابتسمت وهي تهز رأسها رافضة بنعومة أنثى حاذقة لفنونها لتقول (كلا ليس هذا، كل ما في الأمر هو إنها تغالي في احترام أنوثتها كورقة فوز لا يمكن اسقاطها). ولأني لم أكن في وضع يسمح لي بالتفكير العميق، بل وزادني عبيرها، قبل كلامها المتخم بنيازك سماوية لاصفة ولا يمكن تجاهل ثقلها، ولأنها لاحظت هذا وبعمق بلغ حتى الخيط الأخير الذي يستر فضيحتي، ابتسمت لي بحنان حارق وغير أمومي وقالت (تعال وأنزل لنحاول الإمساك بدجاجتك المتعبة). في تلك اللحظة خرجت، من بيت الخدم (وهو مماثل لبيت الخدم الموجود في بيتنا وتحتويه أغلب بيوت وزراء العهد الملكي الغابر) امرأة بنحو الأربعين، كما قدرت فسألتها بهدوء لملمته على عجل (من تكون هذه المرأة)؟ أجابت وهي تلتفت ناحية المرأة وتبتسم (أمي، أم تراك تظن أن أولاد الوزراء وحدهم الذين لهم أمهات)؟ أومأت المرأة لي من مكانها بوجه مبتسم وسألت ابنتها (من هذا الشاب الجميل يا رنيم)؟ التفتت إلى أمها وقالت بنبرة خاملة، أو تتصنع عدم الاهتمام، أو هكذا أحسست (إنه ابن الوزير صديق أبي..) وبعد أن استدارت ناحية أمها ضحكت بطريقة استفزتني وأضافت (إنه يبحث عن دجاجته التائهة). فجأة استعر حنقي، لأني أحسست أنها تتعمد السخرية في كلامها فصرخت بها (يبدو أنك ترين نفسك بحجم عابرة محيطات أيتها الدجاجة العاقة)؟ عضت لي شفتها السفلى بطريقة مثيرة أوقفت جميع حشائش حقلي المخجل النابت لتوه وقالت (تمهل يا صاحب الدم الفائر، فأنا فقط أحاول تقليل أهمية الأمر لتعود أمي لشؤونها كي لا تلاحقنا، لأني أريد أن أريك شيئاً). أشعلت جملتها الأخيرة حريقاً دموياً في رأسي، فنزعت نحس يوم جمعتي تلك مع النعل الذي كنت أحتذيه، وبقفزة واحدة صرت فوق السياج ودليت جسدي إلى جهتها، فقفزت هي إلى الأرض، بحركة أكثر رشاقة من رشاقة بطلات الجمناستك اللائي يعرضهن التلفزيون، ولكن ولأنها كانت أطول مني، ظلت قدماي تسبحان في الهواء، بحثاً عن قاعدة الكرسي الذي كانت تقف فوقه، وبحركة واحدة أزاحت الكرسي ودخلت بيني وبين جدار السياج لتتلقفني من وسطي لتضعني على الأرض. ولأنها لم تبعدني عنها، وجدت أنفي يعب تلك الرائحة التي تسحب الذكر إلى مهاوي، يمتنع عن، بل ويصر على عدم تقدير عمقها أو أن يكون لها قرار يراه. كان وجهي كاملاً ينام في ذلك الدفء الناعم والساحق الذي يكشف عنه الزر، المهمل التعليق، من قميصها الصيفي الطري. وعندما ساعدتني أخيراً على الخروج من معبد النار المقدسة، برفع رأسي بكلتا يديها، وبحنان أم راضية، وقعت عيني اليسرى على شعر أبطها النابت القصير فقلت وأنا أحاول مد أصابعي المرتعشة للمس أغصان الجحيم التي لا تنكسر تلك (هذا جحيم لا يلده إلا يوم جمعة خرج عن فلك لؤمه ليدور في المكان الخطأ). فسألتني بصوت مقطع الأنفاس (هل فهمت الآن لم يحرص الآباء على تجنيبنا مثل هذه الأحزان)؟ وهنا جاءنا صوت أمها كضربة فأس تقطع أطراف أصابع القدم المتجمدة من البرد (رنيم، هل قررت الموت وأنت واقفة هناك)؟ هنا، وبحركة لئيمة وساحرة، شبكت زر قميصها، الذي يخفي مفرق نهديها، ببيته، وقادتني كأخت كبرى، تعود بشقيقها الأبله الصغير من المدرسة، وسارت بي باتجاه أمها وهي تقول (كلا لم أقرر هذا بعد، فما زال أمامي أمر البحث عن دجاجة أبن السيد الوزير قبل ذلك).

عندما اقتربنا من تلك المرأة، الناضجة كرغيف خبز ساخن، استبدلت ملامح الغضب بابتسامة رضى وقالت (أوه، إنه ابن وزير فعلاً. انتبهي لأمره فعلاً يا رنيم) وتركتنا ومضت إلى داخل بيتها المنزوي. ورغم أن الغضب كان قد ملأني من سخرية تلك المرأة التي تملك ذات سطوة ابنتها، إلا أن رنيم سحبتني من كفي ومضت بي إلى الجهة البعيدة من حديقة القصر وهي تقول بنبرة تواطؤ (لا تغضب لأن الأمهات يتعذبن إن لم يهدرن أجمل أوقاتهن في المراقبة وإطلاق التعليقات المخزية). وهنا ضغطت على كفي المتعرق في كفها بتواطؤ وأضافت، وهي تتوقف لتنظر في عينيً، بشهوة صريحة هذه المرة، لأننا صرنا بعيدين عن قوس رصد أمها (عليك الاعتياد على هذا كما فعلت أنا، كي ندخر ألمنا لما هو أكبر ويستحق متعة الألم). صدمني كلامها العميق، رغم أني لم أفهم كامل مراميه، فقلت في نفسي (ما هذا؟ أين تعيش أنت يا ولد؟ يا لك من أبله مثير للشفقة. لا ينقصك سوى أن تطبع هذه الفتاة قبلة الحزن على بؤس يتمك).

لكنها لم تفعل ذلك، لأنها كانت أكثر رحمة من أمها، وأيضاً لأن دجاجتي اللعينة صادفتنا خلف إحدى أشجار النارنج المثقلة بالوحدة. ولأن الدجاجة حاولت القفز، دون تفكير محكم، عاجلتها رنيم بصفعة محكمة في وسط ظهرها، أعادتها إلى الأرض، وبحركة رشيقة وغير محسوبة، وضعت قدمها على ظهرها، فاستسلمت الدجاجة وخمدت بخنوع كامل لسطوتها. عندها فقط، ولأن ضوء الشمس كان ما يزال يتشبث بتلك الزاوية من حديقة مقدمة البيت، تنبهت إلى أن البنطال البيتي الذي كانت ترتديه، لم يكن لونه الأزرق القاتم، سميكاً ومعتماً لحد حجب ما تحته، لأني استطعت تحديد حدود مثلث أبيض، بحجم كف اليد تحته، ولكنها لم تمنح خيالي، الذي استشرس متوقداً فجأة، الوقت لرسم صورة عجلى لما يحجب من حشائش الموت الرحيم، لأن دجاجتي اللعينة أنت غاضبة مطالبة بحريتها في تلك اللحظة، فما كان من رنيم إلا أن أحكمت قدمها على ظهرها.. لتضمني إلى صدرها، بذراع حداد ماهر، ثقيلة ومحكمة الحركة و.. لتنقض على شفتيً بحقد صقر جائع، لتمصهما لحد الخدر. وبعد أن تراجعت للحظة، لتلعق الرضاب الذي سال بلسانها، عادت لتأخذ لساني ولتمصه إلى أقصى منابت الألم. وعندما عادت إلى الأرض، نظرت في عينيً وقالت بحزن (شفتان نديتان بالفعل، ولكنهما متخاذلتان ونفسهما قصير.. إنهما بالفعل شفتا ابن وزير مدلل للأسف).

في اللحظة التالية خرج كل ما يحيط برنيم عن اهتمامها، فتحول عنفها الشاهق إلى مجرد حركة رتيبة للإمساك بالدجاجة ونتف ريش جناحيها بعجلة وقسوة وهي تقول (هذا من أجل أن تكف هذه التافهة عن تعذيبك في عبور جدران وحدائق، لم تستعد مسبقاً للقفز عليها وعبورها). وبذات العطف الأمومي الذي ساعدتني فيه على عبور السياج الفاصل بيننا، قادتني لتساعدني على عبوره في الاتجاه الخاطئ هذه المرة وهي تقول (لحسن الحظ أن السادة الوزراء لا يبالغون بالإنجاب، كي لا يتعبونا بمطاردة دجاجات عنيدات كثيرات).

أي يوم جمعة كان هذا؟ هل أحسبه على أيام جمعي السابقة، المليئة بالنحس؟

كانت مرتي الأولى التي أقترب فيها من المرأة كأنثى، تضطلع بأسرار الألم اللذيذ، ولسوء حظي ربما أو بتأثير من نحس يوم الجمعة، أن تلك الأنثى كانت

من النوع الماهر في إجادة اللعبة، بل كانت من النوع الذي يشدك لحد الهلاك. لم أنم تلك الليلة لأن عبير أنوثتها الذي لفحني، أحدث لي انقلاباً في كامل مفاصلي، من طريقة تفكيري وحتى دورتي الدموية. تسللت عشر مرات، في بطن الليل، لكي ألق نظرة، عبر السياج، لحديقة جارنا الوزير، ولكني لم أجد غير الظلام في مواجهتي وسكون الصمت الذي يلف بيت الخدم الذي كانت تسكنه تلك الفتاة مع عائلتها.

تضاعف الدوار في رأسي، بل إن حرارتي ارتفعت بالفعل، وأنا أدور حول نفسي، في حديقة البيت الخلفية. مع شروق الشمس أطلقت سراح دجاجتي المشاغبة وطاردتها حتى أجبرتها على القفز إلى الجهة الثانية من السياج.. وانتظرت – بكل سذاجة – أن تناديني تلك الشابة لأخذها، على الأقل.. ولكن دون فائدة، بل دون حتى أن أسمع صوتها. أخرجت دجاجة ثانية، من أحد أقفاصي ووضعتها على السياج ودفعتها إلى حديقة الجارة وانتظرت لنحو ساعة.. ولكن لم يأتني أي رد. وبعد دوران غبي وطويل، تجرأت وصعدت على قفص الأمس لألق نظرة إلى الناحية الثانية من سور الحديقة اللعين، لم أجد سوى دجاجاتي وهي تنقر أرض حديقة جارنا الوزير.. ولا أثر لكرة اللهب التي مسني بعض أوارها بالأمس. أ لن تخرج من البيت مرة أخرى؟ هل خيبت أملها بسذاجتي، لحد أني لم أعد أستحق حتى مجرد نظرة منها؟ هذا ما استقر عليه رأيي، وخاصة بعد استعادتي لجميع تفاصيل تلك المغامرة وتحليلها تحليلاً دقيقاً ومحكماً.

مرت أيام طويلة وأنا أنتظر رسالة.. عودة دجاجاتي.. ولكن دون نتيجة. كنت أفور وأغلي شوقاً لتلك الرائحة المدوخة، رائحة أنوثتها.. للمسة يدها لي.. لمذاق رضابها.. بل كنت أحن لذلك الألم الذي أحدثته ضمة ذراعيها لي.. ألم عميق يمس منابت لذة دفينة لم أعرفها من قبل.. ترى كيف عرفتها هي وهي كانت بمثل عمري أو أكبر قليلاً فقط؟ هل هذه بعض أسرار الأنوثة الدفينة؟ كم تمنيت أن أسألها عن هذا وتشرحه لي بحكمتها السرية التي لا يعرفها أمثالي.

انقضت كامل شهور عطلة المدارس الصيفية، من دون أن تظهر أو تعيد إليّ دجاجاتي، وحتى اليوم الثاني من السنة الدراسية الجديدة. ففي ذلك اليوم لمحتها وهي تعبر الشارع الذي يؤدي إلى سوق الخضار، وأنا في طريقي إلى المدرسة. ما هذا؟ ألا تذهب تلك الساحرة إلى المدرسة؟ كيف ولماذا؟ غيرت وجهتي ولحقت بها، وفي مدخل السوق حاذيتها وسألتها وأنا أرتجف (ما هذا؟ ألا تذهبين إلى المدرسة)؟ لم تتفاجأ برؤيتي، بل رمقتني بنظرة شفقة وقالت وهي تبتسم (يا لسذاجتك يا ولد.. لم يبق سوى أن تسألني عن سبب عدم إعادتي لدجاجاتك اللعينة، رغم قرف برازها الذي تلوث به عشب الحديقة)؟

هل أبدو لها ساذجاً لهذا الحد؟ لماذا؟ ما الذي اقترفته في ذلك اليوم البعيد يا ترى، ودفعها لمثل هذا الموقف معي؟ إنها تنظر إليّ بشفقة مقرفة.. لماذا؟ ما الذي ينقصني يا ترى، أو ثبت لها نقصانه بي، بعد اندفاعها تجاهي؟ لقد خيبت أملها.. ولكن بم؟ ما الذي كانت تبحث عنه، كامتياز للرجل، ووجدته ينقصني، بعد جولتيّ عناق فقط؟ هل أسألها عن الأمر؟ أ لن تهزأ مني فيما لو سألتها؟

عندما أفقت من أفكاري وتحليلاتي، تنبهت إلى أنها كانت قد تركتني ومضت لتقليب خضار السوق بانهماك وجدية، وكأني لم أكن معها قبل بضع لحظات فقط. ماذا يعني هذا يا ترى؟ يعني أني سقطت من قائمة اهتمامها بل وكامل حساباتها. لماذا؟ كان ينقصني شيء ما، وربما هو الشيء الأكثر إثارة لاهتمام المرأة. ما هو هذا الشيء؟

عدت إلى حياة بطل سنلجر، الحارس في حقل الشوفان، ما الذي كان ينقص ذلك الصبي يا ترى، لتعافه نفس المرأة؟ كان بمثل عمري، كما تقول الرواية، وكان قد سبقني في معرفة عالم المرأة، ولحد أنه يقول (أفضل أن تتواجد النساء في المكان الذي أرتاده، ولو من أجل أن تحك كل منهن ذراعها فقط). ولكن هو كان مستبعداً من عالم النساء.. لماذا؟ أكان ينقصه ذات ما ينقصني؟ ماذا يكون ذلك الشيء اللامرئي يا ترى؟ هل أسأل فتاتي عنه؟ يا لبلاهتي، لم أسألها عن اسمها حتى.

كانت منهمكة في انتقاء حبات الطماطم، عندما اقتربت منها وسألتها، بشيء من الخجل (لماذا)؟ ودون أن ترفع رأسها وتنظر إليّ سألت (ماذا تعني بلماذا هذه)؟ نفثت أنة غضب وقلت (فقط أود معرفة سبب نكوصك؟ ما الذي ينقصني أو لم تجديه بي)؟ دحرجت حبة الطماطم التي كانت بيدها واستدارت لتواجهني، وبعد أن رازتني بنظرة متفحصة، وكأنها تتأكد من صحة نظرتها الأولى أو وجود السبب في مكانه قالت (ليس من سبب حقيقي، كل ما في الأمر هو إنك لا تجيد اللعبة.. لا تجيد كسر البيضة). ولأني لم أفهم مقصدها اكتفيت في التحديق في وجهها كالأبله متسائلاً بنظرة استغراب فصرخت بي (أترى؟ ها أنت وقفت كالأبله في الوقت الذي كان فيه عليك أن تصفعني وتجرني من شعري.. إلى الموت)! فسألت كمن تلقى سقطة حجر على رأسه (الموت؟ ماذا تعنين بالموت هذه..)؟ صرخت بيأس وقالت (هيا اذهب من هنا.. اذهب إلى مدرستك يا ابني فأنت لست سوى تلميذ مجتهد..) ولأنها رأت نظرة انكسار في عيني أضافت وهي تزفر (آسفة جداً، ولكن بالفعل أنت مجرد ولد مهذب.. وذاك الأمر يحتاج.. لوقاحة وصلف.. يحتاج لعنف... أعني ذلك العنف الذي ينزل المرأة من بغلة غرورها ويعيدها إلى الأرض).. وبعد أن نفثت زفرة تأفف أضافت (يا ابني أنت لن تفهم هذا، المرأة كائن مجنون في هذا الجانب، أعني جانب حاجاتها الملعونة.. هل تفهمني؟ لن تفهم لأنك ولد مهذب أكثر مما يجب!... وأمر المرأة في هذا الجانب، يحتاج لأمر آخر.. قل عنه وقاحة.. عنف.. في المعالجة.. صدقاً لا أعرف كيف أشرح لك هذا الأمر، لكني وأغلب النساء نعرف أن بعض الرجال يفهمون هذا ويقودون الأمر وفق متطلباته.. والمرأة تسعى، بل تقتل نفسها من أجل الفوز بواحد من هذا البعض.. هل فهمت الآن)؟ هززت رأسي فدفعتني بعيداً عنها وعادت لالتقاط حبة طماطم، ولكنها بدل أن تضعها في كيس تسوقها رشقتني بها في وجهي وتركت كل شيء ومضت.              

***

سامي البدري

في نصوص اليوم