نصوص أدبية
ياسين غالب: مَكْتَبَةُ العَالَمِ
كانت مكتبة «خورشيد» كشكًا صغيرًا في أحد أركان العالم، وكأنها قطعةٌ من الزمن عُزلت عن كل شيء. كانت رائحةُ الورق المعتّق تعبق في الهواء،مثل صندوقٍ من الخشب العتيق تملأ المكان برائحة الأجداد وسيرتهم المعلّقة بين طيّات الكتب والصور المصفَرّة. على الجدران التي عرفت خيباتِ آمالِ الأجيال الماضية، صورٌ لمشاهير من زمنٍ مضى تنبض بصدى ذاكرةٍ لا تنقطع.
بين صورةٍ لزعيم وأخرى لموسيقي أو كاتبٍ معروف، جلس خورشيد في ركنٍ منها، وقد تحوّل هو نفسه إلى ورقٍ وحبر، أو هكذا شعر آنذاك، محاطًا بجدرانٍ مرصوصةٍ بالكتب التي تحتوي في صفحاتها أرواحًا مجففة، وكأنها أطيافٌ خفية تتجوّل في باحة الوقت والمكان. منذ مدة، وذهنُ خورشيد جثةٌ في بحرٍ من الذكريات، تطفو كأطيافٍ شبحية تحت ضوءٍ خافت. تذكّر الأصدقاء الذين غابوا أو غُيِّبوا، ومن غيابهم الأصدقاء الذين ذابت آثارهم كأوراق شجرٍ ضائعة في عاصفة ريح، تاركين خلفهم ضحكاتٍ صارت صدى لماضٍ بعيد.
المدينة الهرِمة التي كان يراقبها من خلال نافذة المكتبة بدت وكأنها تلبس ثوب الخريف، حيث تتساقط أوراق الأشجار كرسائل من ورقٍ أصفر ملوّن، تحمل توقيعات العشاق في رواياتٍ رومانسية. انتشر اللون الذهبي في الأفق كغبار الشمس في لحظات الغسق، وأحاطت الغيوم بالسماء كأنها تعزف لحنًا خفيفًا من ذكرياتٍ قديمة وألمٍ غامض، وكان الهواء البارد يدفع بمشاعرَ منسية إلى الدوران في طاحونة الذاكرة.بلمساتٍ خفية مرّر بخاطره شريطًا من الفرص الضائعة والأحلام المتلاشية التي تراكمت على الرفوف. «ماذا لو؟» كان هذا السؤال يطارده في أزقّة ذاكرته كظلٍ يتراقص مع الريح. تذكّر اختياراته الخاطئة، تلك اللحظات التي انزلقت من بين يديه كعناصر حلمٍ يتلاشى عند الاستيقاظ. ومع كل ذلك، كانت هناك طمأنينةٌ دافئة تحتضن قلبه، كأنها موقدٌ مشتعل في غابةٍ يلفّها الظلام. تلك الطمأنينة التي تجعله يرى المستقبل كلوحةٍ بيضاء فارغة تنتظر ضربات فرشاته لتأخذ شكل الأحلام الجديدة، وتبعث فيه الأمل بأن الغد سيكشف عن أبوابٍ إلى عوالم غير مرئية، وأن الأمنيات التي في سبات الآن ستعود وتتدفّق بدمٍ حار مع بزوغ الفجر.
وقف خورشيد هذه المرة بهدوءٍ وبطء، وأغلق الكتاب برفق، كمن يودّع صديقًا قديمًا بأسرارٍ لا تُفصح. مُدركًا أن الحياة ليست سوى صفحاتٍ تتحوّل، وكل صفحة تحمل في طيّاتها ألوانًا جديدة ومشاعر تتجسّد كأشباحٍ في مرآة الوعي. رغم أن بعض الأحلام قد تفتّتت كجزيئات ضوءٍ في تدفّق الزمن، وأن الفرص قد تلاشت في أفقٍ يبتعد كل ثانية، وجد نفسه أحجيةً سحرية تتلألأ في أعماقه كنجومٍ تنتحر.
عندها خرج خورشيد من أعماق حيٍّ قديم بدا وكأنه معلّق بين الزمان والمكان، ووجد نفسه في أحشاء مدينةٍ غريبة، مدينة بلا مشيمة أو حبل سري بالماضي، لكنها تعده بغدٍ يمزج بين الواقع والحلم.
***
ياسين غالب






