نصوص أدبية
سعد غلام: مَقاماتٌ بين الظِّلِّ والضَّوءِ (1)
مقام النهاوند
(ظلٌّ يسبقني إلى الرصيف)
*
رصيفٌ... وأنتَ مع الظلِّ واقفْ
وظلُّكَ يسبقُ خطوكَ... ثمّ يعودْ
كأنَّ الطريقَ اعترافٌ شفيفْ
يُرتَّلُ... ثمّ يخفتْ
*
فلا، لستَ وحدكَ...
نصفُ خطاكَ هنا
ونصفٌ تذروهُ ريحٌ خفيفةْ
كأنَّكَ لم تكتملْ
بأطرافِ صمتٍ كثيفْ
*
تُنصتُ... لعبورٍ خفيّْ
كأنَّ العبورَ صلاةٌ قصيرةْ
ولا صوتَ فيكَ يُقيمْ
*
وتنظرُ نحو النوافذِ: صفوًا
فتنشقُّ صورتُكَ الآنَ فيها
على مهلٍ... ثم تميلْ
كأنَّ الزجاجَ تعبْ
من انكسار الملامحِ فيكْ
*
فكم أنتَ حرٌّ... بلا شاهدٍ
كأنَّ الحريةَ الآنَ
أن لا يراكَ أحدْ
ولا أحدٌ
يتفحّصُ صدعَ العيونِ
ولا أحدٌ
يستدلُّ عليكَ إذا ما انصرفتْ
*
تبدّلُ قلبَكَ بين الجيوبِ
كأنَّكَ تُخفيهُ... كي لا يدلّْ
وتهمسُ: أين اختفى؟
*
وتخلعُ وجهَكَ عند المساءِ
كما تُخلعُ النبرةُ المتعبةْ
وتتركُهُ باردًا
فوقَ صمتٍ مقيمْ
بقربِ أسلاكِ ضوءٍ خفيفْ
يُوشكُ أن ينطفئْ
*
حيثُ العصافيرُ مرّتْ وغنّتْ
وكانَ الغناءُ خفيفًا
وحينَ مررتَ
انكسرَ الصوتُ في الحلقِ... صمتْ
كأنَّ الحفيفَ تأخّرَ فيكْ
*
فامضِ كما أنتَ... لا تنثنِ
رفيفًا... كثقلِ المؤجَّلْ
كأنَّ الخفوتَ جناحٌ ثقيلْ
وثقيلًا... كذكرى
تميلُ... ولا تستقيمْ
*
اكتبْ على الريحِ سرَّكَ
كما تُكتبُ النغمةُ المرتجفةْ
وامحُهُ
قبل اكتمالِ الكلامْ
كأنَّ الكلامَ إذا اكتملَ... انكسرْ
*
فلا قاضٍ الآنَ
غيرُ السكونِ
ولا شاهدٌ
غيرُ هذا الرصيفْ
الذي يعرفُ الخطوَ أكثرَ منكْ
*
التمسْ عذرًا لمن مرَّ
ولم يلتفتْ
فقد كنتَ تمضي ببطءٍ... إليكْ
كأنَّ الوصولَ انسحابٌ خفيٌّ
*
ولأنَّكَ حينَ مرّتْ حياةٌ
انشغلتَ بترتيبِ هذا الغيابْ
كأنَّ الغيابَ نظامٌ دقيقْ
*
وحين اصطدمتَ بسحابةٍ
لم تنكسرْ
بل كتبتَ الحفيفَ
أوّلَ نصٍّ
بملحِ الدموعْ
كأنَّ الدموعَ مقامٌ قديمْ
*
رصيفٌ... وأنتَ مع الظلِّ واقفْ
بزاويةٍ منسيّةْ
كأنَّ الزوايا تُخفي صداها
*
لا أحدٌ
يُربكُ صفوَ روحِكَ
لا أحدٌ
يسألُ: كيفْ؟
*
فكم أنتَ منسيٌّ هذا المساءْ
كأنَّ النسيانَ نعمةُ هذا المقامْ
وكم أنتَ حرٌّ
في هذا الوقوفْ
كأنَّ الوقوفَ انتهاءُ النشيدْ
***
د. سعد محمد مهدي غلام







