عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

نضال البدري: قبل أن ينكشف السر

بعد انتظارٍ طويلٍ أثقلته الهواجس، رنَّ الهاتف.

حضرتكِ السيدة أمل؟.

ارتجف صوتها وهي تهمس: نعم أنا هي.

عليكِ الحضور إلى المستشفى لتلقي الجلسة الأولى للاشعاع، لقد حان دوركِ.

أغلقت الهاتف، شعرت وكأنها أغلقت بابًا وفتحت آخر. انطلقت بسيارتها تسابق الريح، تسابقها نبضات قلبها. كانت تُحدّث نفسها: أخيرًا.. هناك فرصة. سأحضر زفاف ابنتي، سأعود لزهوري، سأتنفس الحياة من جديد، وسأزور الأماكن التي خبّأتها داخل قلبي طويلًا.

لكن بعد الوصول، وعند مدخل قاعة الانتظار، خفتت سرعتها.. كما خفتت وتلاشت أحلامها للحظة.

القاعة كانت ممتلئة.. وجوه شاحبة، وأجساد أنهكها المرض. عيون فقدت بريقها، وأهداب سقطت بصمت، ونساء يخفين ما تبقى من ملامحهن تحت أوشحة ثقيلة. رجال يضعون الكمامات، لا خوفًا من العدوى فقط، بل خوفًا من انكشاف ضعفهم.

هنا، في هذا المكان، تلاشت الفروق بينهم. الشباب مع كبار السن، الأغنياء والبسطاء.. جميعهم نسخة واحدة من الألم.

ارتجفت، وامتدت يدها إلى وجهها تتحسسه، شعرت وكأنها تودّعه: محدثه نفسها هل سيتغير شكلي؟ هل سيأفل بريق عيناي؟ هل سيبقى زوجي يراني كما كنت؟ أم سأتحول إلى ذكرى حيّة أمامه؟

تسارعت أنفاسها، وكادت تنهار. شعرت بالغثيان، وكأن الأرض من تحتها تميد. للحظة فكرت بالهرب والعودة والاختباء داخل غرفتها، حيث لا مرض ولا وجوه تُشبه هذه النهاية.

لكنها لم تتحرك. كان هناك شيءٌ ما يُبقيها واقفة.. ربما الخوف، وربما الأمل.

مرّت الساعات ثقيلة، قبل أن تبدأ بالتلاشي.. حين تسللت إلى أذنها حكايات الآخرين.

امرأة بجوارها قالت بابتسامة دافئة: أنا أم لثلاث بنات.. ظننتُ أنني انتهيت، لكنني ما زلت هنا. وأزاحت طرف وشاحها قليلًا، وقالت بأستيحاء: أنظري.. عاد شعري يطول من جديد، طال سنتيمترًا واحدًا.. كان كابوسا وانتهى سيعود كل شيء مثل الأول وأفضل.

ضحكت بخفة، فضحك المكان معها.

شيئًا فشيئًا.. تغيّر شيء داخلها. لم يعد المكان مرعبًا كما بدا أول مرة، ولم تعد الوجوه غريبة، بل صار الألم مشتركًا خفيفًا.

وحين نادى صوت الممرضة اسمها، لم ترتجف كما توقعت. نهضت.. ببطء، لكن بثبات. نظرت إلى الوجوه من حولها، لم ترَ نهايات هذه المرة.. بل بدايات.

اعتدلت في مشيتها، وكأنها تعلن شيئًا لنفسها قبل الجميع محدثة نفسها: لن أكون ضحية.

دخلت غرفة العلاج.. لم تكن كما تخيلتها. هي ليست بابًا للنهاية، بل كانت أول خطوة في طريقٍ صعب، لكنه يقودها إلى الحياة مرة أخرى.

تمدّدت على السرير، وأغمضت عينيها مبتسمة، طاردةً جميع الهواجس. بدأت الأجهزة تدور من حولها بصمتٍ مهيب، وضوءٌ خافت ينساب فوق جسدها. حاولت أن تتشبّث بتلك الأفكار الجميلة: زفاف ابنتها.. زهورها.. الحياة التي تنتظرها.

لكن.. صوتًا آخر تسلّل إلى أذنها:

"كم عمرها؟"

"في الأربعين.. الحالة متقدمة."

"هل أخبرتموها؟"

"لا.. هي ما زالت تظن أن العلاج لغرض الشفاء.

***

القاصة نضال البدري.. العراق