عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

سنية عبد عون: نافذة وفنجان

في حضوره تبدأ سكينة المكان. كأن الصمت يمشي معه. شاب يسكن الريف كما تسكن النخيل ممتدة الجذور بهذه الأرض، هو ليس قاسيا كما يبدو، بل روحه متعبة، ودون ان يترك ملامحه تفصح عما في قلبه. ومن سكون المزرعة تعلم كيف يحافظ على اتزانه. في صعوبته سحر غامض يجعل من يقترب منه حذرا. لكنه يشعر ان خلف الجدار قلبه الناصع وربما يحب بصدق. ولا يكره.

لم يكن يشبه الاعلاميين الذين يملؤون شاشات التلفزة ضجيجا. كانت مواضيعه جادة وتحمل جرأة مميزة.

لم تشغل قلبه امرأة. لكن احداهن كانت تراقبه من بعيد كأنها تحفظ ملامحه عن ظهر قلب، وتخبئ حبها بين دقات قلبها. ولم تدرِ ان كان قلبه يهمس باسمها كما تفعل. أم انها وحدها من تعيش الحكاية.

كان يمر بقربها كما تمر نسمة الصباح. دون ان يشعر بلهفتها. التي أخذت تزداد يوما بعد آخر. لكنها امرأة تجيد لعبة الصبر والاصرار. وشيئا فشيئا جعلته ينتبه اليها من خلال حديث عابر. وابتسامة مرتبكة ونظرة معبرة، فأخذ ينتظرها ويبحث عنها بين الوجوه.

نعم احبها أخبرتها عيناه ولهفته وتكررت لقاءاتهما وسارا معا بين الاعشاب. عندها أغمض عينيه وقال لها: ستبقين ملاذي الى الأبد

اما هي فكانت تعيش دهشة الحب وكيف خفق قلبها لأول مرة. فولد في روحها حلم كبير كما تولد شجرة عملاقة من نواة صغيرة.

. أحبته لا لوسامته، بل لذلك الحزن الذي يسكن عينيه. ولذلك الانشغال بعمله والذي يشبه الهروب. تكررت اللقاءات وتشابكت حكاياتهم وصار ما بينهما وعدا غير منطوق. وعدا بأن هذا الحب لا ينكسر. لكنه انكسر.!! اختفى الصحفي فجأة من حياتها. بدون رسالة، بدون وداع، وكأن الارض انشقت وابتلعته فجأة.

غدا فنجانها مُرّ مذاقه. كمرارة ربيع صباها. ارتعشت يداها. كقلب أصابه الاضطراب، فنسي كيف يخفق. لا يحتوي فنجانها سوى أثر لقهوة تمّ ارتشافها بشفاه متيبسة وقلب حائر يبحث عن الطمأنينة وعن لحظات شوق لحبيب ضيعته الليالي. واستطاعت ان تحول فنجانها الى نافذة تطل من خلالها على أمانيها. فربما يعود الذي تردد اسمه على عتبة النسيان. تذكرته حين يقول: ـ ان الحياة مهمة صعبة ليس فيها مجالا للترف أو للعاطفة. لكنها أحبته.

تحدق بعيون منكسرة وهي تتأمل خطوطا متعرجة منسابة في قعر فنجانها. كأنها أصابع اتهام تشير اليها وتتهمها بأنها المسؤولة. فيصرخ قلبها : لست أنا من يلام.

قتلها انتظاره دون ان تدري ان كان حيا أو ميتا. واليوم وقد أكتمل عامه الثاني على الغياب. فلا تملك سوى فنجانها ووعود العرافات.

تجلس قرب نافذتها كامرأة عجوز تعرف النتائج لكنها تتظاهر بالنسيان ليستمر أملها المزعوم.

وتمر الليالي متباطئة. تتخيله أمامها يقف على عتبة الدار مترددا. كأنه يلفظ حروف اسمها ويناديها ان تحفظ ذكراه لحين عودته عاجلا أو آجلا.

ومن تلك الليلة لم تغسل فنجانها. تركته فوق مكتبها كأنها تخفيه عن الأنظار. وكأنها تخشى ان تمحو آخر أمل كاف ليوقظ روحها من سباتها

كانت آخر رسالة منه حين أخبرها بتطوعه للسفر الى مناطق ساخنة لتغطية الأحداث هناك ليصور للعالم كيف يموت الأطفال جوعا. وكيف ان الانسانية تسير نحو الهاوية. ذهب واختار ان يكون في قلب الخطر. حيث لا أسماء تعود كما ذهبت.

شعرت فجأة بنداء خفي. لا يسمع بل يفهم بدقة. ذلك النوع من اليقين الذي ولد توا مثل نبأ جاء متأخرا.

نظرت مجددا الى فنجانها لتدرك ان بعض الغائبين لا يعودون وربما اسماءهم قد حذفت من سجلات الأحياء. نعم ربما أصابته قذائفهم. لانهم ضد المشاعر وضد الرحمة.

ومع ذلك كانت تنتظره كل يوم

عادت الى نافذتها ووضعت أمامها فنجان قهوتها. لكنها تيقنت أخيرا لماذا لم يعد. بقي فنجانها في مكانه. احتراما لحب صامت انتهى في ظلام لا صباح له. ودون ان ترثيه. فمن قال ان كلمات الرثاء تطفئ جذوة الألم.

***

قصة قصيرة

سنية عبد عون رشو