عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

محمد تقي جون: أغنية الزنوج البيض

فلتعرفوني.. إنني (زنجي)

حتى ولوني أبيضٌ ثلجي

هيهات أنكرني.. وأعلنها

حقا بلا خلط ولا مزج

ولينكر الباقون زنجيةً

ما كان منها مُفلتٌ مُنجي

أنا ذاتَ دهر كنتُ أوّلها

الأرض مجدي والسما أوجي

واليوم أفخر انني تَبَعٌ

أعطي ولاءاتي وأسترجي

تجتاحني الأمواج تغرقني

أطفو وتضربني يدُ الموج

أنت الحبيبُ فديته بدمي

وأنا المضامُ ودمعتي تَشجي

**

أمّي تلملمُ إرثها

مفجوعةً لتهاجرا

وأنا ألملمني وقد

أمسى وجودي ساخرا

كنتُ المسافر دائماً

والقيدُ فيَّ مسافرا

ماذا الجديد سوى هموم

يزدحمن تواترا

والليل مسودّ الاهاب

يعود ليلا دائرا

ولسوف أمضي سوف

أعطي من وجودي آخرا

حتى أؤول تلاشيا

قبرا يفيض مقابرا

دوامة.. أنسى وترجعني

مرارا ذاكرا

وأنا حملتك خاطرا

فكسرتَ مني الخاطرا

وأعود دوماً من جديد

أستميحك غافرا

أسفاً وأنت تبيعني

بيعاً غبينا خاسرا

وأنا أحبك لم أزل

عزماً تهالك خائرا

فتَّشتُ عنك فلم أجدك

فكنتَ نفسي حاضرا

أني وجدتك خاذلا

وعهدتَ مني ناصرا

وإليك حبّي كله

وأراك حبيَ ناكرا

وبنيتُ هيكلكَ العظيم

فقلت: اخرجْ صاغرا

وأراك أما أو أبا

ما طيَّبا لي خاطرا

ولقد بررتك فاديا

فرجعتُ ابناً بائرا

ستظل بي زنجيّتي

دوّامةً ودوائرا

**

يأس على يأسٍ ولا أملُ

فتسلَّ والأحزان تكتملُ

لابدَّ من المٍ يطهِّر من

أرجاس نفسٍ جرّها أملُ

يا أيها الزنجيّ إن غداً

وهمٌ غبيّ ليس يحتملُ

يمشي به التاريخ منزلَقاً

ويسيرُ تيهاً فوقه الدَّجلُ

ورؤى (سبارتاكوس) تفزعني

هام الزنوج بدربه شعلُ

واذا الزنوج البيض اغنيةٌ

تبكي على إيقاعها المقلُ

إني ورثتُ القيد منتقلا

وأظنه سيظل ينتقلُ

**

وجئتُ وليس بي أنسُ

وتبكي داخلي النفسُ

أرى قيدي واسمعه

ويدركه بي الحسُّ

فاحقرني واحقرها

حياة مذلةٍ تقسو

حياةٌ للردى سُحبت

حداها اليأسُ والنحسُ

سيكبر حزنُنا ابداً

ويصغر كلُّ ما يأسو

أيا ويلاه يطرشني

الصدى وحديثيَ الهمسُ

وتحويني فتعصرني

أصابعُ للردى خمسُ

أودّ القيد اكسره

وما إن فكَّني حبسُ

**

وقفت على ثراك أبي وكلّ

الزنوجِ البيضِ مجروحَ الشعور

وإنــَّا دون كل الناس نحيا

ويحيا الارثُ منا في الضمير

فان عشنا يعيش الارث فينا

وان متنا نُسجّى في حفير

فجودي يا عيونُ فليس شيءٌ

أمامكِ غير تذراف الكثيرِ

فانا إن نعشْ موتى حياة

وإنا إن نمتْ موتى قبورِ

**

أبي ولو انني مُلِّكتُ أمري

اذاً لمنعتُ عن نفسي حُضوري

وكيفَ أطيقُ أن ألفيكَ قبراً

وأنسى ماضياً ملءَ الشعورِ

وأينَ الجصُّ والطابوقُ مِنْ

خافقٍ حانٍ ومِنْ وجهٍ منيرِ

وهذا الصمتُ حول القبر مِنْ

ذلك الصوتِ الالهيِّ الطهورِ

أخافُ أرى الأبوَّة فيك تنعى

أبوَّتها، وتشكو من قصوري

وأشفقُ أن أراك وأنتَ في

الأرض أهونُ ساكنٍ بأذلِّ دورِ

***

الدكتور محمد تقي جون