يا وجهَهُ،
يا رحلتي،
يا عَتْمة الطريقْ
يا نجمة فوق جبيني يا شراعَ
جفني الغريقْ
يا شفق الجرح، ويا ضبابةَ البريقْ
ملاكي الحارس؟ ام شيطاني؟
يا وجهه النائي عدوّ أنتَ ام صديقْ؟
"نازك الملائكة"
*
[ألا أيُّها الساقي، أَدِرْ كأسًا وناولْها
فإنّي هائمٌ وَجدًا، فلا تُمْسِكْ وعَجِّلْها]1
*
رَقشْتُ اسْمَكِ حَرْفًا
فوقَ جِلْدِ الزَّمنِ الأَخْضرِ،
وصَرخْتُ في وَجْهِ القاصِفِ:
هذي بقيَّةُ ذِكرايَ
*
حَملتُكِ هَمْسًا مُسَهَّمًا،
وقصيدةً من غَسقٍ لا يُمْتَشَقُ،
وغُرْبةً تَرْشحُ من مِلْحِ كفِّي
*
كنْتِ مِرْآةَ صحرائي،
أُلقي عليها ظِلِّي المُتْعبَ،
ونَغمةَ أَنْفاسي،
وبابَ بيتي الَّذي أَلِفَتهُ الرِّيحُ
*
وكنتُ في كفَّيكِ غُصْنَ زَيتونةٍ
تَرْجو السَّلْمَ،
*
وكنتِ ندى المساءِ
على تشقُّقِ شَفَتيَّ
*
[أَلا يا ساقِيَ اللَّيْلِ، أَدِرْ دَمْعَها وَناوِلْها
فإنِّي في تَشَقُّقِ شَفَتَيَّ أَضْمُدُ جُرْحَها]
*
مَلأْتُ لياليكُمْ حِكاياتٍ وتَضرُّعاتٍ،
ثُمَّ عُدْتُ أُلملِمُ من لَيْلِ المَحاقِ كلِماتي،
ودُعاءً تكسَّرَ قبلَ السَّماءِ
*
كيفَ تناثرنا؟
كأَنَّنا لم نكُنْ شُعْلةً قطُّ،
ولم تُرنِّمْ حَنجَرتي
إِلَّا لِفراغٍ يتَّسِعُ
*
يا موسِمَ البُكاءِ والنَّهْبِ
يا ليْلَ العَتْبَةِ الَّتي تأْكُلُ ضِفَّتيها
وتبتلِعُ الماءَ بِلا رجعةٍ
*
رحيلُكِ طائِرٌ من قَشٍّ
يَجُرُّ خُطايَ نحوَ أَرضِ الدُّموعِ
**
[أَلا يا ساقِيَ المَحاقِ، أَدِرْ كَأْسًا وَناوِلْها]
ومن تِلكَ الأَرضِ
انْسلَلْتُ ليلةَ الغَزوِ،
وكانَ عِطْرُ مِياهِها يهرُبُ من جِرارِهِ 2
*
فأَسْقُطُ مِلْحًا على العَتبَةِ،
وأَنهضُ جَمْرًا عتيقًا وماءً
أَزْرقَ الشَّفَتينِ،
*
يَطوفُ حولَ حَجَرِ الكُحْلِ،
وخُطوةً أَغْرقتها شُموسُ العَقابيلِ
في مياهِ الرَّجاءِ
*
يا رَمادَ المياهِ...
بَعْثرْتَ وَجْهِي في لياليكَ،
*
يا رَمادَ المياهِ...
فانْثُرِ الطِّينَ في يديَّ عَصافيرَ
هَربتْ من بُكائِها في المَنافِي
*
وها أَنا أَرجِعُ من غُبارِ المَنافِي إِلى العِراقِ،
حيثُ الفُراتُ يُربِّتُ الذِّكْرى على ضِفَّتَيْهِ
كحَجَرٍ لا يعرِفُ الغَرقَ،
وأَتجوَّلُ في حَديقةِ حافِظٍ الشِّيرازيِّ،
*
أَنْثُرُ رُوحي بينَ الوُرودِ المُوصدةِ
أَسْمعُ صوتَ وَلّادةَ يَتسرَّبُ من مَنارَةِ الحمراءِ:
لقدْ أَتْقَنَّا الحُبَّ
حتَّى نَسِيَتْنا أَصابِعُنا
*
[أَلا يا ساقِيَ الرَّمادِ، أَدِرْ كَأْسًا وَناوِلْها
فقَدْ كانَ الحُبُّ في بَدْئِهِ ماءً،
لكِنَّهُ جَفَّ عَلى حافَةِ الْجُرْحِ]
*
أَفْتَحُ ديوانَ الأَشْواقِ،
فأَجِدُ عينيْ زَرْقاءِ اليَمامةِ تَرْمُقانِني،
تُحذِّرانِني:
سَرابُ الْقَلْبِ يَأْكُلُ الظِّلَّ،
وغُرابُ الدَّرْبِ يَنْعَبُ
فَوْقَ النَّجْمَةِ
**
ويهتِفُ بي الشَّاعِرُ من بعيدٍ،
يُفسِّرُ جُرْحَ العُشَّاقِ
بصمتٍ طويلٍ،
*
ثُمَّ بقصيدةٍ:
[أَلا يا ساقِيَ الْفُراتِ، أَدِرْ
كَأْسًا وَناوِلْها
"که عشق آسان نمود اول
ولی افتاد مشکلها"3]
***
سعد محمد مهدي غلام
....................
الهوامش
1- قصيدة حافظ الشيرازي ترجمة د. إبراهيم أمين الشواربي.
2- توظيف من قصيدة "انطفاء" للشاعر علي جعفر العلاق.
3- حافظ شيرازي.







