(من أناشيد الخراب)
سلامٌ على بغداد.. شاختْ من الأسى شناشيلُها.. أبلامُها.. وقِفافُها. وشاختْ شواطيها، وشاختْ قبابُها وشاختْ لفرطِ الهمِّ حتى سُلافُها. سلامٌ على بغداد.. لستُ بعاتبٍ عليها، وأنّى لي وروحي غلافُها.
"عبد الرزاق عبد الواحد"
***
النشيد الأول: (غفلةُ الرغبةِ)
مُتَلَهِّفًا.. لسعتني نارُ سيجارةٍ تُوهِنُ روحي، والحزنُ يسقيني كأسًا سِرًّا.. مُرًّا.. في الدُّجى.
2
حلمتُها شهوةً زرقاءَ تُوقدُ شبقي، وينامُ حُبّي في ظلالٍ رامساتٍ..
مُعتِمة
ثمَّ تُمطِرُني سحاباتُ اللَّظى حُرَقًا، وتذوبُ أطيافُ الهوى في صدرِها..
المُحتدمة.
*
فتعالَ نردُّ للصوتِ وضوءَهُ الأول..
ونمضي
في دروبٍ لا ينامُ بها الرَّجا.
**
النشيد الثاني: (أطلالُ مدينةٍ مائيّة)
3
مائيَّةٌ همساتُها، إسفنجةُ الأمكنةِ تجري، تجلدُني عتباتُ دورٍ في خرابٍ.. مُتعِب.
4
لم يعد يُبصرُ نعالَهُم في الدروب، أو خطوةً.. ماتَ الضياءُ، وضاعَ صوتُ الناسِ في الوطن.
5
وجعٌ يُطيحُ بخصرِ أرضٍ في خرائطَ مُقفِرة، وتسيلُ من جُرُفِ الشتاءِ جراحُها.. النازفة.
*
فتعالَ نردُّ للصوتِ وضوءَهُ الأول..
ونمضي
في دروبٍ لا ينامُ بها الرَّجا، نقتاتُ من طينِ الحنينِ حكاياتٍ.
**
النشيد الثالث: (سخريةُ النهاية)
6
أفترشُ الحصيرَ والليلُ يتلو صلاتَه، وفي هذا القرارِ يُقيلُ من
لا.. يُقيم.
7
تتسرّبُ من شقوقِ الليلِ أصواتٌ، تلمسُ ما خلَّفَهُ من كان، ولا تجدُ..
غيرَ أثرِ غيابِه.
فأُديرُ في فنجانيَ المنسيِّ ذكرى، تستفزُّ الصمتَ.. كي نبكي، بلا صوتٍ.. ولا دمعٍ.
*
فيُعاتبُ الشوقُ الذي غُلِبَتْ يداهُ، كيف خانتْنا الأماني، ثم ولَّتْ في المدى.
*
فتعالَ نردُّ للصوتِ وضوءَهُ الأول..
ونمضي
في دروبٍ لا ينامُ بها الرَّجا، نقتاتُ من طينِ الحنينِ حكاياتٍ، وننسجُ من بقايا الأمسِ خيمةً.
**
النشيد الختامي: (أنينٌ في ليلٍ أبكم)
8
لا شيء في جذورِ بغدادَ المُنقَّبةِ يهجسُ، إلا تثاؤبٌ باهتٌ يصفرُّ في حلقِ.. الرَّباب.
9
..ويُدثِّرُهُ سُعالُ الأزقّةِ، وقد وهنتْ
ندامتُها.
*
فتعالَ نردُّ للصوتِ وضوءَهُ الأول..
ونمضي.
في دروبٍ لا ينامُ بها الرَّجا، نقتاتُ من طينِ الحنينِ حكاياتٍ، وننسجُ من بقايا الأمسِ خيمةً، لعلَّ العابرينَ إذا استراحوا، يجدوا لدينا في المدى فُسحةً.
**
الكودا
تثاءبتْ بغدادُ.. وأغلقَ نهارُها فمَهُ
فتناثرَ الليلُ رمادًا
ولم يبقَ غيرُ الأزقّةِ تجرُّ ظلَّها
إلى فجرٍ ناءٍ
هناك..
كان صوتٌ يحاولُ أن يتذكّرَ
اسمَ الضوء
ثم مضى.. يحملُ آخرَ صدى.
***
د. سعد غلام








