إنه يوم ماطر، يشبه اليوم الذي غادرتُ فيه بلدي في الأول من شهر أبريل، ففي هذا اليوم يكون الربيع والطقس جميلًا، إلا أن في أي لحظة يمكن أن ينهمر المطر ويقول: أنا أيضًا مثل الحياة، مليء بالأكاذيب، أدعي أنني جميلة، وأن هناك آمالًا ستتحقق، فيتكاثر الناس وينجبون، ثم أفاجئهم بالحرب أو الصراعات الطائفية، أو مثلًا بحرمانهم من الحرية الفكرية، فأحولهم إلى أصنام خائفة... هه، أليست هذه الحياة في بلادك؟ هكذا قلت لنفسي.
لكني أحب شهر أبريل جدًا، فالأول من أبريل هو عيد أكيتو، هذا العيد البابلي الذي يعود أصله إلى عيد سومري اسمه زكموك، يُحتفل به بمناسبة عودة تموز من العالم السفلي، لكن في الحضارة البابلية الكلدانية احتُفل به بمناسبة انتصار الإله مردوخ على الإلهة تيامات، فأصبح عيدًا بابليًا، لكنه كان يمر بآشور، وكان الآشوريون يشاركون البابليين في الاحتفال، فصار عيدًا للجميع، عيدًا يجمع ولا يفرق.
استرجعتُ ذكرياتي في يومها، حينما كنت أرتب حقيبتي. قررت أن لا آخذ معي الكثير، فأخذتُ معي أمورًا تذكرني بالصفات التي يجب أن أتوارثها من بلدي، فأخذتُ معي قلادة الشمس التي تذكرني بالإله شمش، رمز العدالة والحق، وسوارًا عليه زهرة البابونج، هذا الرمز الرافديني الأصيل الذي أسموه هبة الأرض، فكان رمزًا لجمال عشتار، وعلاجًا للأمراض، ودلالة على الربيع، وزينة، ورمزًا يزين الجدران. أخذتُ معي أيضًا شالًا أزرق يذكرني ببوابة عشتار الجميلة، وكيف كان البابليون يهتمون بالعمران والجمال، أي أن يجعلوا بلادهم مثالًا على التطور والأناقة والزهو، فقد قال الإسكندر المقدوني عنها: من لم يرَ بابل لم يرَ الجمال. أخذتُ معي تمثالًا صغيرًا للثور المجنح لكي يلهمني القوة، وقلمًا منحوتًا عليه اسم نابو، إله الكتابة والحكمة، كي أتذكر أن أكتب وأبحث عن الحكمة، وعطرًا يذكرني بأن أول صانعة عطور كانت أنثى سومرية اسمها تابوتي.
وضعتُ بعض الثياب الضرورية أيضًا في الحقيبة وأغلقتها، كما قررت أن أغلق مواجعي من بلد حرمني من التعبير عن أفكاري وممارسة السلام والوحدة بعيدًا عن طائفية دخيلة علينا وحروب قسرية تمنعنا من رؤية الحمامات البيضاء تزين بلادنا. ولم تكن هذه الحكاية فقط، بل إن هذا البلد سلبنا حقوقنا البشرية، فأصبحنا نرضى بأقل الأشياء لأننا لم نعرف الحق كاملًا كيف يكون. قررتُ غلق هذه المواجع من خلال الهجرة إلى بلاد تحترم الإنسان وتحترم فكره، وتعلّمه أننا سواسية، وأن الحق لا بد أن ينتصر بشرط أن نتعاون معه.
الآن، أنا هنا في بلد هو بلدي وملجئي؛ إنها أستراليا التي احتضنتني بحنو كأنها الأم. أنا التي خسرت أمي وحنانها في عام 2014، أمي التي كانت حينها تبلغ الاربعينات من العمر، ماتت لأن المستشفيات في شمال العراق كانت سيئة، ولم تستطع إنقاذ امرأة في الأربعين وهي تعاني من جلطة، فنقلوها إلى مستشفى أخرى، وأثناء النقل ماتت، لأنهم يرون البشر مجرد عدد، وهي لم تكن ابنة مسؤول أو وزير حتى يهتموا بإنقاذها وتوفير الخدمة والمساحة.
في أستراليا حاولت، ولمدة سنوات، أن أتأقلم وأستقر فيها وأن أنشئ حياة جديدة هنا معي عائلتي التي عانت هي أيضًا في بلدنا. فوالدي، ذلك المثقف والكاتب، خاف علينا من داعش، قرر أن نهاجر فورًا قبل وصولهم إلى قريتنا. فضلاً عن التأخير في دفع الرواتب التي كانت تُعطى كل ثلاثة أشهر، والمصيبة أنهم كانوا يحسبون الراتب نصفه، فساء الوضع الاقتصادي في أقليم كوردستان حينها. آه، من تلك الذكريات وذلك الخوف من المجهول، لا بل حتى المعلوم كان مخيفًا، فالشرع دائما يذكرنا: لا حرية دينية ولا قومية ولا فكرية، وأن تكوني فتاة، يا ويلاه، يا ويلاه، فكل مصيبة تحدث ستكونين أنتِ الملامة، حتى لو كنتِ الضحية.
لكن بعد هذه السنوات من التأقلم في أستراليا أصبحت أنتمي بقوة إليها، وأحقق أهدافي، وأعرف إلى أين أذهب واسأل عن حقوقي. عملتُ ودرستُ وتخرجتُ، وكان إيجاد وظيفة في تخصصي صعبًا، فاشتغلت في أعمال أخرى، ومارست الكتابة ومارست الرياضة وكونت الصداقات وأصدرت كتابًا... كانت أبواب أستراليا مفتوحة أمامي.
أحب بلدي، لكني أحب صورًا منه لا البلد ككل، أحب تاريخه حيث اختراع الكتابة والاكتشافات، أحب الفئة المثقفة المفكرة التي لا تنتمي للأفكار الإرهابية والطائفية، وأحب أدباءه وكرم وطيبة شعبه، وأحب آثاره وتراثه والسنوات التي كان سالمًا منعمًا. أما الحروب والصراع ونظام الغابة، فلا أطيقها، وأود محوها من ذاكرتي، فأنا إنسان مسالم، ديانتي هي الإنسانية والمحبة فقط، وهذا ما لا يتم ممارسته هناك.
أنظر إلى ساعتي، إنها الثانية ظهرًا، وأنا بعد ساعة لدي لقاء ثقافي مع الشباب المتحدثين باللغة العربية. ابتسمت حينما تذكرت أني أسست هذه المجموعة، حيث بحثت وجمعت الشباب المهتمين بالنقاشات الثقافية، الفلسفية، الاجتماعية والقراءة للناطقين بالعربية والسريانية، فأسست منتدى ثقافيًا للنقاش والقراءة لكيلا نشعر أننا في غربة ومعزولون، لأننا في عالم قل فيه الاهتمام بالفكر والقراءة. نلتقي في المنتزه أو في المقهى ونتشارك أفكارنا بكل ثقة دون خوف من بلاغ أو تهديد حياة.
جهزت نفسي وذهبت. كان نقاشنا عن السعادة والمعنى، وبين الفلسفة العدمية والوجودية والعبثية، وكيف نجعل حياتنا أكثر قابلية للتحمل. سألني أحدهم: هل تظنين أن هناك سعادة مطلقة في أستراليا؟ فكان جوابي أن السعادة المطلقة وهم، لن تجده في مكان، وأن أستراليا ليست تلك الجنة المثالية التي يؤلفها الخيال الخصب هروبًا من عبث الحياة، لأن الفلسفة هي فلسفة نظرتك للحياة. سبب نشوئها أو غاية الوجود هي أفكار ومشاعر وتساؤلات وجودية، لكن أستراليا تقدم لك أسبابًا عديدة تجعلك تحتمل الحياة وتستمر؛ تعطيك القوة والدعم والعون. سؤالك ذكرني برد كلكامش حينما قالت سيدوري له:
إلى أين تسعى يا كلكامش؟
إن الحياة التي تبغي لن تجدها
فليكن كرشك مليئًا دائمًا
وكن فرحًا مبتهجًا نهارًا مساءً
وأقم الأفراح وارقص والعب
واجعل ثيابك نظيفة زاهية
دلّل صغيرك وأفرح زوجتك
فهذا هو نصيب البشرية
فالآلهة عندما خلقوا البشر
كتبوا عليهم الموت واحتفظوا بالخلود لهم
انتهت الجلسة. وصلتُ إلى البيت، أتصفح الفيسبوك، فظهر أمامي منشور لفتاة مسكينة ماتت بسبب العنف الأسري في العراق، فتذكرت قصة كتبتها بمناسبة اليوم العالمي للقضاء على العنف الأسري في أستراليا. شرعت أقرأ القصة التي كتبتها قبل بضع سنوات:
متأملة في مرآتي التي لم تُخفِ عليّ يومًا حقيقتي، لم تكذب ولم تضع لي جناحين وهميين، فوجدتُ ذاتي ضعيفة كخيط رقيق بين صخرتين، أو بين عالمين: بين خيالي وواقعي.
أغمضتُ عينَيَّ التي تفتقد إلى بصيرة الحياة والتجارب في العالم الخارجي، في عالم غير عالم البيت المحطم الذي حطم جناحي فتاة في السابعة عشرة من عمرها.
أغمضتُ عيني ورقصت رقصتي المرتجلة كطير يتراقص رقصة الهروب، كأنه الباليه، أو ربما رسم تعبيري بواسطة لغة الجسد. ألتف حول نفسي... أتمثل بجسد سليم لم يصفعه يومًا أمله الوحيد، ولم ترفضه يومًا مدفأته الوحيدة أيام الشتاء القارص. أتمثل بحب كبير يملأني، وكأنني وجدته في كل مرة سكنتني رغبة في احتوائه، أو ما يشعرني بأنني كائن لطيف يستحق اللطف. أكمل رقصتي التي تتناغم مع موسيقى بيتهوفنية هادئة كالحياة التي أرغب فيها. أبتسم وأتذكر شهر ديسمبر وبابا نويل الكريم بهداياه، فأطلب في سري فقدان الذاكرة والهروب من كتابي، الهروب من رواية لأخرى، لكني أنا من سأختارها. أستمر في التبسم، فعالمي الآن هو الأجمل، إلى أن طُرق باب غرفتي بوحشية ودون إذن، يخترق عالمي الوهمي ومساحتي الوحيدة للهرب من قسرية وحشية تحيطني كل يوم. فبدأت أبصر جسدي الذي بدأت أنسى حقيقة لونه، حيث الاحمرار والازرقاق لم يتركا بقعةً تذكرني بلون جسدي حينما ولدت. لم أعد أستطيع سماع نغمات بيتهوفن، فذاكرتي أعادتني لنغمات الصياح والبكاء والجلد بالصفعات في كل يوم عشته على هذه الأرض.
رقصة الهروب التعبيرية توقفت، فحبال السجن قسرًا أحاطتني ومنعتني من الهرب لأتقمص رواية أخرى تنافي روايتي، لتحذفها من الواقع ومن ذاكرتي.
باب الموت فتح، وبدأ يقترب ليعيدني إلى تراجيدية هذا البيت المحطم الذي لا يكف عن التحطم. اقترب، وشرارة نار حارقة تخرج من عينيه قبل كلمات الشفاه الجارحة... لكن، ولأول مرة، حينما نظرت إلى المرآة التي خلفه، رأيت ذاتي، لكن ليست تلك الذات التي كنت أراها سابقًا. رأيت قوة أكبر من قوة فتاة يافعة، ورأيت جناحين قويين أكبر من أحلامي ومن وحشية هذا الرجل الذي أمامي... وبكل قوة وجرأة قلت: كفى... لا بل صرخت وقلت: كفى... وبقوة الـ"كفى" هددت بالشكوى، وبقوة استهزائه فعلتها واتصلت... اتصلت وانتصرت على هذا الوحش، لأنني الآن في بلد لا يقبل الوحوش، بل يصطادها لينقذ الملائكة اليافعة الخائفة مثلي ... لكن اليوم! هذه اليافعة غلبت الخوف، وتوشحت برداء شخصية تحميها من وحوش الأرض.
عندما أنهيت قراءة هذه القصة، حزنت كثيرا وأنا اعيد قراءة خبر وفاة تلك الفتاة المسكينة، ففي بلادنا الشكوى ليست حلا مضمونا، لأن البقاء والانتصار للأقوى.
ما أعجب الحياة، بعضنا يلد في عائلة تحبه وتحميه، وبعضنا يلد في عائلة تقتله وهو حي وتقتلع كل امل يحاول أن ينمو فيه.
***
مريم نزار الديراني








