كانت تلك الصناديق الخشبية التي عادت ذات يوم، تحمل على أكتافها أسماءً كانت يومًا حيّة، أسماءً لم يمحها الزمن؛ فقد دُفنت قلوبنا معهم، ولم يفارقونا يومًا، إنهم فقط بدّلوا مكان إقامتهم.
لكن الحكاية الأكثر قسوة لم تكن حكاية الراحلين، بل حكاية أولئك الذين حالفهم القدر بالنجاة من رصاصات الأعداء وشظاياهم.
خرجوا من أرض المعركة أحياءً، لكنهم عادوا بلا أسماء، بلا ذاكرة، وبملامح ممحوة لا تدل على شيء من بداية الحياة؛ كانوا أولئك الذين احتُجزوا هناك، في زنازين العدو المظلمة.
خلف تلك الجدران الرطبة، وفي الحُجَر الضيقة المعزولة عن ضوء الشمس، دُفنت هوياتهم .. انتُزعت أظافرهم.. واقتُلعت أسنانهم.. وعادوا بأصابع خشنة مشوهة.. حتى إن بعضهم فقد عقله تحت وطأة التنكيل، وصار الجنون مأواه الأخير للهروب من واقع لا يُحتمل.
في مطلع التسعينيات، فُتحت البوابات وعاد الأسرى، لكن العودة لم تكن شفاءً؛ كانت مواجهة صادمة مع زمن تحرّك سريعًا في الخارج، بينما تجمّدوا هم في العتمة.
في ساحة المدينة الأم، كان الجميع في الانتظار.. كلٌّ منهم يحمل في صدره ذاكرةً غضّةً حيّة لم يغيّرها الغياب، ويترقب ملامح قديمة تشبّث بها لسنوات.
وقفت الأم تبحث بين الوجوه عن الفتى الذي غاب عنها في مقتبل العمر، وحين التقيا، صدمها شيبٌ أبيض كثيف يغطي لحيته، وعينان ذابلتان انطفأ فيهما بريق الحياة ومن هول الصدمة أمام هذا الكهل الذي صار إليه ابنها، ذهل عقلها، ونسيت تمامًا أن تخبره بالخبر الذي ظلّ حبيس صدرها سنوات طويلة: أن والده قد توفي.
وبالقرب منها كانت تقف الابنة الكبرى؛ تلك التي غادرها والدها وهي طفلة واعدة كانت تنتظر هذه اللحظة لتخبره أنها أوفت بوعدها القديم، وأصبحت طبيبة، وأنها تزوجت، وأن له الآن أحفادًا.. لكن الكلمات تجمدت على شفتيها أمام نظراته الفارغة التي لم تدرك من تكون.
أما الزوجة.. تلك التي كانت في كل مساء تعطّر خصلات شعرها بعطر الياسمين الذي يحبه، تيمّنًا بليلة اللقاء، فقد وقفت كغريبة تفوح منها رائحة الذكريات، دون أن يوقظ العطر في روحه الساكنة أي أثر.
وفي خطوة متثاقلة تقدم الأب الذي فقد بصره من طول البكاء.. لم يكن بحاجة إلى عينيه ليعرف ابنه؛ امتدت يداه المرتعشتان لتتحسسا وجهه، وتحركت أصابعه فوق وجنتيه، لتصطدم بتجاعيد خشنة وعميقة حُفرت تحت العينين؛ تجاعيد غريبة على عمره، لكنها تختزل كل العذاب الذي مرّ به.
ولم تكن بعيدة عنهم ابنة الجيران، التي أضناها انتظار السنين على عهد الطفولة. غطّى الشيب رأسها، وحاصر السواد عينيها من طول السهر والترقب، لتجد أن من انتظرته لم يعد يذكر حتى اسمها.
كان الجميع ينتظر بلهفة؛ لأنهم يتذكرون، لأنهم يحملون تفاصيل الماضي، ويظنون أن العائدين يشاطرونهم تلك الذاكرة.. لكن في لحظة اللقاء الحاسمة، خاب الأمل، وتلاشى الحلم.
لقد اكتشف الجميع أنهم لم يستعيدوا أحباءهم الذين يعرفونهم، بل استعادوا أمواتًا أُجّل موتهم ليس إلا؛ عادوا بذاكرة خاوية، لا تحمل سوى ندوب كثيرة في الجسد تأبى أن تُمحى، وخدوش غائرة في الروح لا يستطيع أي علاج أن يخفف من وقعها.
حينها.. كان صاحب العيون السومرية قد غادر الحياة، وتوقفت الحكايات، ولم يعد لذلك الدار أملٌ في عودته.
تجمدت الأبواب، ولم يعد يطرقها سوى الريح، تلامس أنفاس الفراتية البيضاء، وهي تراقب مشهد المدينة من نافذتها المطلة على تلك الساحة الأم؛ الساحة الكبيرة التي شهدت دموع الجميع منذ بداية الحرب، واستقبلت الصناديق والأسرى.
لكن الساحة مثل قلوبنا، لا تحتفظ بكل ما مرّ بها.. تمرّ عليها الذكريات كما تمرّ الريح على وجه الماء؛ تترك أثرًا للحظة، ثم تمضي.
ففي المكان ذاته الذي انكسرت فيه أصوات الأمهات، وانتظرت فيه العيون وجوه العائدين، كان أولاد المدينة يركضون كل يوم، يتقاذفون كرة القدم، وتتردد ضحكاتهم وخلافاتهم الصاخبة، ويقف الحكم المنحاز لابن المختار ليقسم بأن فريقه هو من سجل الهدف، رغم أن عيون الجميع رأت التسلل الواضح.
وهكذا بقيت الساحة شاهدةً على كل شيء؛ على من رحلوا، وعلى من عادوا ولم يعودوا كما كانوا، وعلى قلوبٍ تعلّمت أن تواصل الحياة فوق طبقاتٍ من الذاكرة المنسية.
***
د. نسرين ابراهيم الشمري








