عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

جودت هوشيار: الترام الذي لن يأتي

خرجتُ من دار الطلبة التابعة لمعهد الفنون بعد سهرة قضيتها مع صديقٍ من طلاب المعهد كان عليّ أن أغادر قبل أن يغلق الحارس الأبواب، فبعد الساعة الحادية عشرة مساءً لا يُسمح للزوار بالدخول حتى الصباح. لذلك أسرعت الخطى على أمل أن ألحق بآخر ترام يمر في الشارع القريب.

كنت قد استعددت جيداً لبرد موسكو الذي لا يرحم؛ ارتديت معطفي الشتوي، وقبعتي الروسية، وقفازيَّ المبطنين، وجزمتي، ولففتُ عنقي بشالٍ صوفي، ثم انطلقت بخطى سريعة، أتحدى ثقل الملابس وقسوة البرد.

كان الثلج قد غطّى المدينة كلها. الشوارع والأرصفة والأشجار والمصاطب الخشبية أمام العمارات بدت وكأنها قطعة واحدة من البياض الصامت، فيما كانت ندف الثلج تواصل هبوطها في هدوء، فتجعل أضواء المصابيح أكثر صفاءً ولمعاناً.

وصلت إلى موقف الترام ووقفت تحت السقيفة أنتظر. مرّت الدقائق بطيئة، ولم يظهر أي ترام. لم يكن يُسمع سوى صرير الثلج تحت أقدام المارة القليلين.

اقترب مني رجل يترنح من أثر السكر، وتأمل السكة المطمورة بالثلج، ثم تمتم وهو يهز رأسه:

- لن يأتي الترام الليلة يا شاب

تمايل قليلاً، ثم ابتسم ابتسامة واهنة وقال:

- ليلة كهذه لا يحتملها إلا من معه زجاجة فودكا

ولوّح بيده، ثم غاب متعثراً في الظلام.

بقيت أحدّق في السكة التي غطاها الثلج. خطر لي أن السكير قد يكون مخطئاً، لكنني كنت أتعلم، منذ جئت إلى موسكو، ألا أستخف بخبرة أهلها في الشتاء. ومع ذلك انتظرت دقائق أخرى، كأنني أراهن على معجزة صغيرة.

لم يحدث شيء.

أخذ البرد يتسلل شيئاً فشيئاً عبر طبقات الملابس التي ظننتها كافية، حتى شعرت أن الوقوف في العراء لم يعد ممكناً.

ولأن مداخل العمارات في موسكو كانت تُدفَّأ بالتدفئة المركزية، لجأت إلى أقرب مدخل، وأسندت ظهري إلى الجدار الدافئ. أغمضت عيني لحظة، وبدأت أفكر: ماذا أفعل الآن؟ العودة إلى دار الطلبة لم تعد ممكنة بعد أن أُغلقت أبوابها، وأقرب محطة مترو تبعد مسافة ليست قصيرة، والسير إليها في هذا الطقس مغامرة قد تنتهي بالتجمد قبل الوصول. وحتى إن وصلت، فقد أجد أبواب المترو قد أُغلقت هي الأخرى.

وبينما كنت أستسلم شيئاً فشيئاً لدفء الجدار، دوّى صوت باب العمارة بقربي، فانفتحت مصراعاه بقوة، واندفعت لفحة من الهواء البارد إلى الداخل تحمل معها حفنة من الثلج.

سمعت صوتاً نسائياً يقول بفزع:

- يا إلهي... لقد أخفتني! ماذا تفعل هنا؟

فتحت عيني، فرأيت امرأة شابة تنظر إليّ بدهشة حقيقية. كان وجهها مستديراً متورداً من أثر البرد، وتشي ملامحها بعفوية يصعب تصنعها.

ابتسمتُ قائلاً:

- وهل الوقوف هنا ممنوع؟ كدت أتجمد في موقف الترام، فاحتميت بهذا المدخل

بدت علامات الارتياح على وجهها، كأنها اكتشفت أن خوفها كان بلا مبرر. ظننت أنها ستعتذر وتصعد إلى شقتها، لكنها بقيت واقفة عند الباب، وكأنها جاءت لتختبئ هي الأخرى.

وقفنا متقابلين، يستند كل منا إلى جدار. لم أتبين من ملامحها في ضوء المصباح الأصفر الخافت، إلا ما يكفي لأدرك أنها كانت جميلة على نحو هادئ.

ولفت انتباهي شيء واحد على وجه الخصوص؛ فبينما كنت أغرق تحت طبقات من الملابس الصوفية، كانت ترتدي جورباً شفافاً لا يكاد يقي ساقيها شيئاً من هذا الصقيع. يومها أدركت أن أهل موسكو يتصالحون مع الشتاء بطريقة لم أستطع فهمها، مهما طالت إقامتي بينهم.

سألتها:

- وأنتِ؟ ما الذي جاء بك إلى هنا؟

تنهدت وقالت:

- كنت عائدة إلى البيت، فأخذ سكير يلاحقني. دخلت هذا المدخل حتى يظن أنني أسكن هنا. بيتي قريب، لكنني لا أجرؤ على الخروج ما دام قد يكون في الخارج.

قلت:

- أما أنا فمشكلتي مختلفة. أسكن بعيداً، وأقرب محطة مترو تبعد عدة كيلومترات. ولو قررت السير إليها فقد أتجمد في الطريق، وحتى إن وصلت، فمن المحتمل أن أجد المترو قد أغلق أبوابه.

سكتت لحظة، ثم سألت:

– لست روسياً، أليس كذلك؟

ابتسمت.

- لا. أنا طالب عراقي

هزّت رأسها.

- عرفت أنك أجنبي، لكنني لم أتوقع أنك عراقي

- لماذا؟

- لا أعرف... ظننتك أوروبياً.

ابتسمتُ.

- ربما خدعتك ملامحي، لكنني لم أعتد هذا البرد بعد

ضحكت.

- اصبر... ربما تصبحان صديقين

كانت تلك أول جملة مرحة تقولها، وقد خففت شيئاً من التوتر الصامت الذي جمعنا في ذلك المدخل.

ولم أفهم ما قصدته إلا بعد حين. فقد اكتشفت أن الروس لا يستقبلون الثلج بوصفه برداً فحسب، بل بوصفه بداية فصل له طقوسه الخاصة؛ موسم التزلج، والحدائق البيضاء، والشوارع التي تستعيد، بعد كنس الثلج، نظافةً لا تراها في أي فصل آخر.

ثم عادت إلى الجدية.

- أما أنا فعليّ أن أستيقظ باكراً للذهاب إلى عملي، لكنني ما زلت أخشى أن يكون ذلك السكير بانتظاري.

قلت من غير تردد:

- إذا أردتِ، أرافقك حتى باب بيتك

نظرت إليّ لحظة، وكأنها تزن القرار في داخلها. ثم قالت بصوت خفيض:

- لا أعرف لماذا... لكنني أشعر أنك شخص يمكن الوثوق به

وأومأت برأسها موافقة.

خرجنا معاً إلى الشارع. كانت الريح قد اشتدت، والثلج يتساقط بكثافة أكبر، حتى بدا الطريق القصير الذي يفصلنا عن بيتها أطول مما هو عليه.

في البداية سرنا متباعدين قليلاً، كأن كلاً منا لا يزال يحتفظ بالمسافة الطبيعية التي تفصل بين شخصين التقيا قبل دقائق فقط. لكن بعد خطوات قليلة، دفعت الريح الباردة نحونا موجة من الثلج، فاقتربت مني وأمسكت بذراعي.

قالت بصوت خافت:

- البرد هذه الليلة لا يُطاق... ثم إنني ما زلت أخشى أن يكون ذلك الرجل في مكان ما

قلت:

- لا تقلقي. لن يحدث شيء. سأبقى معك حتى تصلي إلى الباب

لم تجب، لكنها شدّت يدها قليلاً على ذراعي. لم أعرف هل كان ذلك بسبب البرد أم الخوف، وربما كان بسبب الاثنين معاً.

سرنا بضع دقائق في صمت. كانت موسكو في تلك الساعة تبدو كمدينة نائمة تحت غطاء أبيض هائل. النوافذ المضيئة في بعض العمارات بدت بعيدة، كأنها عوالم أخرى لا علاقة لنا بها. شعرت للحظة أننا لا نسير في شارع حقيقي، بل في مكان معلق بين الليل والثلج.

قالت فجأة:

– منذ متى وأنت في موسكو؟

- منذ سنوات

- وهل اعتدت عليها؟

فكرت قليلاً قبل أن أجيب:

- نعم... اعتدت عليها، لكن هناك أشياء لا يعتادها المرء مهما طال الزمن

نظرت أمامها وقالت:

- أظن أن الغربة تجعل الإنسان ينتبه إلى أشياء لم يكن يراها من قبل.

سألتها:

- وأنتِ؟ هل تعيشين هنا منذ زمن طويل ؟

ابتسمت.

- طوال حياتي. ولدت هنا، وكبرت هنا. أحياناً أحلم بالسفر، ثم أعود فأشتاق إلى هذه الشوارع نفسها.

ضحكتُ وقلتُ:

- يبدو أننا جميعًا نشتاق إلى المكان الذي لا نكون فيه

هزّت رأسها موافقة، ثم سكتت.

لم يكن بيننا حديث طويل، لكنني شعرت أن الصمت بيننا لم يعد صمت غريبين كما كان في المدخل. كان صمت شخصين يعرف كل منهما شيئاً صغيراً عن الآخر، وهذا الشيء الصغير كان كافياً في تلك الليلة.

لم يكن بيتها بعيداً كما قالت. بعد دقائق قليلة وصلنا إلى بناية حجرية قديمة تشبه معظم عمارات الحي.

وقفنا أمام باب العمارة. دفعت هي أحد مصراعيه، ففتح بسهولة، ودخلنا.

وما إن أغلق الباب خلفنا حتى شعرت بالدفء يعود إلى جسدي بعد تلك الريح القارسة.

قلت مبتسماً:

- لقد أنقذتني من البرد في الطريق. سأجلس هنا على أول درجة حتى الصباح

نظرت إليّ مستغربة.

- هنا؟

- نعم. مدخل العمارة مُدفأ، وهذا يكفيني. كنت أفكر أن أستند إلى الجدار، لكنني قد أغفو وأسقط، أما إذا جلست على الدرج فلن يكون في الأمر خطر.

بقيت تنظر إليّ لحظات. ثم هزّت رأسها وكأنها لم تصدق ما تسمعه.

- هل تعني حقًا أنك ستقضي الليل في مدخل العمارة؟

ابتسمتُ.

- ليس لدي خيار آخر

سكتت قليلاً. بدا أنها تخوض نقاشاً صامتاً مع نفسها. ثم قالت:

- أحياناً أفكر أن الغرباء يكونون أكثر تهذيباً من الذين نعرفهم

نظرتُ إليها مستغرباً.

تابعتْ:

- لا أعرف لماذا قلت ذلك... ربما لأنك لم تسألني من أنا، ولم تحاول استغلال خوفي، بل عرضت أن ترافقني فقط.

ثم تنهدتْ وأضافتْ:

- لا... لا أستطيع أن أتركك هنا

ترددتْ قليلاً قبل أن تقول:

- تعال. يمكنك أن تنام في شقتنا، لكن بشرط واحد

- وما هو؟

- أمي نائمة في مثل هذا الوقت، ولا أريدها أن تستيقظ وتراك. وعليك أن تغادر قبل السابعة صباحاً.

شكرتها. في داخلي كان هناك تردد طبيعي؛ فالموقف كله بدا غير مألوف. امرأة لا أعرفها عرضت عليّ أن أدخل بيتها في منتصف الليل، وأنا وافقت لأن الثلج أغلق أمامي كل الخيارات الأخرى.

لكنني شعرت أيضاً أن رفضي قد يجرح ثقتها بي.

صعدنا بهدوء إلى الطابق الذي تسكنه. كانت تمشي أمامي بحذر، تضع قدميها بخفة على الدرج حتى لا يصدر أي صوت.

عندما وصلت إلى الباب، أخرجت المفتاح ببطء وفتحته. كان السكون يلف الشقة كلها.

دخلنا.

في المدخل نزعتُ معطفي وجزمتي، وحاولت أن أصدر أقل قدر ممكن من الضجيج. كان ينتابني شعور غريب بأنني دخلت عالماً لا يخصني، وأن عليّ أن أحترم سكون هذا البيت كما أحترم خصوصية أهله.

همستُ:

– أين أنام؟

أشارت إلى غرفة صغيرة قرب المدخل.

– ستنام في غرفتي، وأنا سأبيت في غرفة الجلوس. لا أريد أن يثير وجودك أي أسئلة إذا استيقظت أمي.

قلت:

- لا، هذا لا يصح. إذا استيقظت أمك ورأتك تنامين في غرفة الجلوس، فسيكون عليكِ أن تشرحي لها حكايةً لن تبدو معقولة.

قالت بهدوء:

-لا تقلق عليّ. لو تركتك في الخارج لما استطعت أن أنام

كانت جملة بسيطة، لكنها كشفت لي شيئاً لم ألحظه فيها من قبل. لم يكن في صوتها أثر للمغامرة أو التحدي، بل ذلك النوع الهادئ من التعاطف الذي يجعل إنساناً يقلق على غريب أكثر مما يقلق على نفسه.

دخلتُ غرفتها.

كانت صغيرة، لكنها مرتبة بعناية؛ سرير مفرد بمحاذاة الجدار، وخزانة ملابس قديمة، ورف مكتظ بالكتب، ومنضدة صغيرة يعلوها مصباح طاولة ينشر ضوءاً خافتاً.

لم تكن الغرفة تشبه غرف الذين يسعون إلى إخفاء فراغهم وراء المظاهر. كل شيء فيها كان بسيطاً، لكنه يحمل أثراً من صاحبه: الكتب المصطفة بعناية، الملابس الموضوعة في أماكنها، والأشياء الصغيرة التي لا يلتفت إليها أحد عادة، لكنها تكشف عن الإنسان أكثر مما تفعل الكلمات.

وقعت عيناي على رف الكتب. لم أستطع قراءة العناوين بوضوح، لكنني شعرت أنني أقف أمام جزء من حياتها لم يُفتح لي بعد. تراجعت عن الفضول؛ فبعض الأشياء لا تُسأل عنها، بل تُحترم..

قالت وهي تقف عند الباب:

- هل تحتاج إلى شيء؟

هززت رأسي.

- لقد فعلتِ الكثير من أجلي.

ابتسمت ابتسامة خفيفة.

- أنت أيضاً فعلت شيئاً لم يكن عليك فعله

نظرتُ إليها باستغراب.

قالت:

- كان بإمكانك أن تتركني وأمضي وحدي. ربما كنت خائفة أكثر مما أظهرت

لم أعرف ماذا أقول. اكتفيت بابتسامة

خرجت، ثم بعد لحظات سمعت طرقاً خفيفاً على الباب. كانت قد عادت وبيدها ساعة منبهة

وضعتها على المنضدة، وأدارت عقربها إلى السادسة والنصف.

قالت:

- حتى لا نتأخر في الاستيقاظ

ثم ترددت قليلاً قبل أن تضيف:

- وأرجوك... لا تشغل بالك بي.. كل شيء سيكون على ما يرام

أغلقت الباب برفق.

جلست على حافة السرير لحظة، وأنا لا أكاد أصدق أنني انتقلت خلال ساعات قليلة من موقف ترام شبه مظلم في شارع تغطيه الثلوج إلى غرفة دافئة هادئة في بيت امرأة لا أعرف حتى اسمها.

كانت الملاءات نظيفة تفوح منها رائحة صابون خفيفة امتزجت بعطر نسائي رقيق. لكن أكثر ما بقي في ذهني لم يكن رائحة الغرفة ولا دفؤها، بل ذلك الشعور الغامض بأن بعض الأبواب تُفتح في اللحظة التي تظن فيها أن كل شيء قد أُغلق..

تمددت وأنا أنوي أن أريح ظهري دقائق قليلة قبل أن أنظر إلى الساعة. لكن التعب الذي تراكم منذ وقوفي الطويل في الثلج سبقني، ولم أشعر بشيء بعد ذلك.

رن جرس المنبه.

فتحت عيني ببطء. كان الضوء الرمادي للصباح يتسلل من خلف الستارة. للحظة لم أتذكر أين أنا، ثم عادت تفاصيل الليلة كلها دفعة واحدة.

رأيتها واقفة عند الباب تنظر إليّ.

كانت آثار السهر واضحة على وجهها، وعيناها متورمتين قليلاً.

ابتسمت ابتسامة متعبة وقالت:

- يبدو أنني عدت مراهقة... لم أستطع النوم طوال الليل

نهضتُ متثاقلاً.

ابتسمت مرة أخرى، ثم أشاحت بنظرها إلى النافذة. كانت ابتسامتها تقول ما لم تشأ الكلمات أن تقوله.

غسلت وجهي في الحمام. لم تطاوعني نفسي أن أستخدم مناشف البيت، رغم أنها كانت في متناول يدي، فمسحت وجهي بطرف شالي.

عندما عدت إلى الغرفة، كانت قد أعدت لي معطفي عند الباب.

ارتديت معطفي وجزمتي، واستعددت للمغادرة. كان كل شيء في الشقة ساكناً؛ ذلك السكون الذي يسبق استيقاظ البيوت في الصباح.

وقفت عند الباب، وأنا أشعر بشيء من الحرج. لم أكن أعرف كيف أشكرها على ما فعلته. الكلمات، مهما كثرت، بدت أقل من الموقف.

قلت:

- لا أعرف كيف أشكرك

ابتسمت وقالت:

- لا تشكرني. ربما لو كنت مكاني، لفعلت الشيء نفسه

لم أجب. كنت أعرف أن الأمر ليس بهذه البساطة. ليس كل الناس يفتحون أبواب بيوتهم لغريب في ليلة ثلجية، وليس كل الناس يجدون في ذلك أمراً طبيعياً.

تناولتْ قصاصة صغيرة من فوق المنضدة، وكتبت عليها رقم هاتفها، ثم ناولتني إياها.

قد تحتاج إليه يومًا.

طويت الورقة ووضعتها في جيبي.

- عليك أن تذهب الآن... قبل أن تستيقظ أمي.

أومأت برأسي، وغادرت.

خلفي أُغلق الباب برفق، وأمامي كان الصباح يفتح أبوابه.

***

قصة قصيرة

جودت هوشيار

في نصوص اليوم