عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

جودت هوشيار: خالد وتاتيانا

لم يكن في كلية الطب بموسكو طالب لا يعرف تاتيانا. كانت هادئة، رزينة، متفوقة في دراستها، وناشطة في الكومسومول. لم تكن من النوع الذي يلفت الأنظار بحضوره، ومع ذلك كانت الأنظار تتجه إليها. ربما لأن هدوءها لم يكن خجلاً، ولأنها كانت تعرف كيف تكون قريبة من الجميع من دون أن تسمح لأحد بأن يقترب منها أكثر مما تريد.

أما خالد، الطالب العراقي، فقد كان يراقبها بصمت. يفتش عنها بعينيه كلما دخل قاعة المحاضرات، ويشعر أن وجودها وحده يربك أفكاره. لم يكن ينقصه الإعجاب، بل الشجاعة الكافية ليحوّله إلى كلام

كانت أولى محاولاته بسيطة.

ذات صباح اشترى لها باقة ورد، دفع ثمنها من راتبه المتواضع، وانتظرها بعد انتهاء المحاضرات. وما إن قدمها إليها حتى سألته باستغراب:

- ما المناسبة؟

ارتبك، وخانه الجواب. اكتفى بابتسامة مرتبكة. أما هي فابتسمت ابتسامة قصيرة، ثم نزلت إلى الطابق الأرضي حيث المشجب، وقدمت الباقة إلى العاملة المسنة.

- تفضلي... هذه لك

تجمدت المرأة لحظة، ثم قالت وقد اغرورقت عيناها بالدموع:

- هذه أول مرة، منذ بدأت العمل هنا قبل خمس سنوات، يهديني فيها أحد باقة ورد

ثم احتضنت تانيا وقبلتها بحرارة وهي تردد كلمات الشكر.

وقف خالد يراقب المشهد بصمت. كان يتوقع أن يشعر بالخيبة، لكنه شعر بشيء مختلف؛ كأن الهدية لم تضع، بل وجدت طريقها إلى قلب آخر كان أحوج إليها. يومها فقط بدأ يدرك أن الأشياء لا تصل دائماً إلى حيث نقصد.

ومضى أكثر من أسبوع قبل أن يحاول مرة أخرى.

لحق بها في الممر بعد إحدى المحاضرات.

- تانيا... هل تقبلين أن أدعوك إلى مطعم شرقي لتناول الغداء ذات يوم؟

نظرت إليه مبتسمة.

- وما المناسبة؟

تردد قليلاً، ثم قال:

- لا أعرف... أردت فقط أن أجلس معك

ابتسمت وقالت بهدوء:

- ولماذا تبدد راتبك الشحيح في المطاعم الغالية؟ إذا كان لديك ما تريد قوله، فقله هنا... أنا مصغية.

ألقى نظرة على الممر المكتظ بالطلبة، ثم هز رأسه

- ليس هنا

ابتسمت ابتسامة خفيفة، ومضت

وانقضت أيام أخرى.

وفي ظهيرة يوم بارد، كان خالد يقف في بهو الكلية قرب المشجب حين رآها تتسلم معطفها وقبعتها استعداداً للمغادرة. أراد مساعدتها على ارتداء المعطف . قالت:

-  لا داعي أنا بنفسي. انتظر حتى ارتدت معطفها، ثم تقدم إليها.

– هل تسمحين أن أمشي معك قليلاً؟

تأملته لحظة، ثم أومأت موافقة.

خرجا معاً إلى الشارع. كانت الثلوج تتساقط في هدوء، والريح الباردة تلسع الوجوه، فشدت تانيا قبعتها الصوفية على أذنيها، ولم يبق من وجهها سوى عينيها العسليتين.

قالت وهي تسرع الخطى:

– أنا على عجلة من أمري. أمي تنتظرني على الغداء

ابتسم خالد ابتسامة متوترة.

- لن أؤخرك

سارا صامتين بضع خطوات، ثم قال:

- منذ أسابيع وأنا أبحث عن فرصة لأتكلم معك

والتفتت إليها، ثم أشار إلى مقهى صغير عند الزاوية.

- فلنجلس دقائق

جلسا في مقهى شبه خالٍ. طلبت تانيا كوباً من الشاي، وطلب خالد القهوة، وما إن ابتعدت النادلة حتى خيم بينهما صمت قصير.

قالت وهي تنظر إليه مباشرة:

- تفضل... أنا أسمعك.

تنفس خالد بعمق.

- أنا أحبك يا تانيا

لم تبدُ عليها الدهشة، بل سألته بهدوء:

- وماذا تعرف عني حتى تقول هذا؟

- أعرف أنك متفوقة... وناشطة في الكومسومول

ابتسمت ابتسامة خفيفة.

- وهل يكفي هذا للحب؟

ساد الصمت.

أدرك خالد فجأة أنه لا يعرف عنها شيئاً تقريباً. لم يكن يعرف ماذا تقرأ، ولا ماذا تحب، ولا كيف تفكر، ولا حتى ما الذي يضحكها أو يحزنها. شعر للمرة الأولى أنه لم يقع في حب إنسانة، بل في حب صورة رسمها لها في خياله.

قال محاولاً إنقاذ الموقف:

- في ملامحك شيء من الشرق

قالت:

- أمي أرمينية، وأبي روسي

ثم أضافت، بعد لحظة صمت:

- ومع ذلك... أنت لا تعرف عني شيئاً

ارتدت قفازيها ونهضت

- نحن نلتقي في الكلية كل يوم، ويمكننا أن نتحدث هناك

تنهد خالد.

– لكنك دائماً محاطة بالأصدقاء والصديقات

ابتسمت ابتسامة ودودة.

- وأنت أيضاً صديق

وبقي خالد لحظات أمام كوب القهوة الذي لم يشرب منه إلا القليل.

لم يكن الرفض هو ما أوجعه. كان السؤال..

بعد ذلك بدأت تتجنب اللقاءات الطويلة معه، واكتفت إذا التقيا في أحد الممرات بتحية عابرة وابتسامة مهذبة. فهم خالد الرسالة، فلم يحاول أن يفرض حضوره عليها.

مر الشتاء، وحل الربيع ببطء. لم يعد يقف في الممرات مترقباً مرورها كما كان يفعل في الأسابيع الأولى، بل صار يقضي ساعات أطول في المكتبة، ويشارك زملاءه في حلقات النقاش، واكتشف أن الحياة الجامعية أوسع بكثير من انتظار فتاة عند باب قاعة المحاضرات. ومع ذلك، كانت صورتها تعود إليه بين حين وآخر، لا بوصفها حلماً بعيداً، بل سؤالاً لم يجد له جواباً.

وكلما تذكر حديثهما في المقهى، استعاد سؤالها: "وماذا تعرف عني؟" كان السؤال يلاحقه أكثر مما يلاحقه رفضها. أخذ يراجع نفسه، فاكتشف أنه لم يحاول يوماً أن يعرفها حقاً؛ لم يسألها عن كتبها المفضلة، ولا عن الموسيقى التي تحبها، ولا عن أسرتها أو أحلامها. كان قد أحب الصورة التي صنعها خياله، لا الإنسانة التي كانت تمشي كل صباح في ممرات الكلية. وعندما أدرك ذلك، خفتت مرارة الخيبة، وحل محلها فضول صادق لفهم الناس قبل إطلاق الأحكام عليهم أو التعلق بهم.

ذات يوم، كان خالد يجلس مع زميله الروسي إيفان في مقصف الكلية.

قال إيفان وهو يقلب صفحات مجلة

- إذا أردت أن تكسب إعجاب فتاة روسية جادة، فتحدث معها عن الأدب الروسي

ابتسم خالد هذه المرة، ولم يأخذ النصيحة بالحماسة نفسها التي كان سيأخذها بها قبل أشهر، لكنه قرر أن يبدأ أخيراً بقراءة الأدب الروسي، لا ليبهر تانيا، بل لأنه شعر أنه يعرف روسيا من شوارعها وجامعتها أكثر مما يعرفها من كتبها.

وفي أحد أيام الربيع، لمح تانيا جالسة على مصطبة في حديقة الكلية، تقرأ كتاباً.

اقترب منها.

– مرحباً يا تانيا... كيف حالك؟

- بخير

جلس إلى جانبها وقال:

"  - بدأت مؤخراً قراءة رواية "آنا كارينينا

أغلقت الكتاب على إصبعها ونظرت إليه باهتمام

- حقاً؟ وما رأيك فيها؟

ثم قالت عن ظهر قلب:

"كل الأسر السعيدة تتشابه، أما كل أسرة شقية فلها شقاؤها الخاص"

- ابتسم خالد في شيء من الحرج، وقال بصراحة:

– لم أصل بعد إلى هذه الصفحة... ما زلت في الفصول الأولى

نظرت إليه لحظة، ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة لم يستطع أن يفسر معناها.

قالت:

- إذن واصل القراءة... ليس من أجلي، بل لأن الرواية تستحق

ثم حملت كتابها، وألقت عليه تحية قصيرة، ومضت.

ظل خالد يتابعها بنظره حتى غابت عن الأنظار. ولم يشعر هذه المرة بالخيبة، ولا بالحاجة إلى اللحاق بها. فتح الرواية من جديد، وبدأ يقرأ. وبعد صفحات قليلة، أدرك للمرة الأولى أن تانيا، مثل الكتاب الذي يستحق أن يُقرأ، لا تكشف نفسها دفعة واحدة. لم يكن يعرفها من اللقاء الأول، ولا من الكلمات التي قالتها عن نفسها، بل من التفاصيل الصغيرة التي كانت تكشفها مع مرور الوقت؛ من مواقفها، ومن صمتها، ومن الأشياء التي كانت تخفيها أكثر مما تُظهرها. وكلما ظن أنه عرف تانيا، ظهرت له فيها صفحة جديدة لم يكن قد قرأها من قبل.

***

جودت هوشيار

........................

ملاحظة: تانيا هي الصيغة المختصرة الشائعة من تاتيانا، وتُستعمل في الحديث اليومي بين الزملاء والأصدقاء والأقارب.

في نصوص اليوم