فِي ذَلِكَ اللَّيْلِ كَانَتْ سُنْبُلَةٌ
تُقَاوِمُ الْجَفَافَ،
وَكَانَ طِفْلٌ يَرْسُمُ عَلَى جِدَارٍ مُهَدَّمٍ
نَافِذَةً كَيْ لَا يَنْسَى لَوْنَ السَّمَاءِ.
*
قَالَ شَيْخٌ حَنَّكَتْهُ التَّجَارِبُ:
قَدْ يَعُودُ النَّهْرُ إِلَى مَجْرَاهُ،
وَقَدْ يَتَعَلَّمُ الرَّمَادُ الْوُقُوفَ،
لَكِنْ وَطَنًا صَارَ لِكُلِّ حَجَرٍ فِيهِ
ذَاكِرَةٌ لِلدَّمِ لَنْ يَلْتَئِمَ.
*
قَدْ نُرَمِّمُ الْجُدْرَانَ،
وَنَرْفَعُ الرَّايَاتِ،
وَنُطْفِئُ النَّارَ...
لَكِنَّنَا لَنْ نَسْتَطِيعَ أَنْ نَمْحُوَ الْخَرَابَ
الَّذِي بَنَى لَهُ بَيْتًا فِي الرُّوحِ.
*
قَالَ طِفْلٌ كَانَ يَرْسُمُ
عَلَى لَهَبِ الْحَرِيقِ
شَمْسًا فَوْقَ الرَّمَادِ:
لَا، يَسْتَطِيعُ الرَّمَادُ
أَنْ يَتَعَلَّمَ الْوُقُوفَ،
وَتَسْتَطِيعُ الْأَرْضُ أَنْ تُسَامِحَ.
*
مَنْ قَالَ إِنَّ لِلْخَرَابِ ذَاكِرَةً لَا تَنْسَى،
وَمَنْ قَالَ إِنَّ الْوَطَنَ الْمَكْسُورَ سَيَظَلُّ يَتَذَكَّرُ الشَّرْخَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ؟
*
سَيَعُودُ الْوَطَنُ يَوماً ما مَرْفُوعَ الرَّايَةِ،
وَتُلْقِي الْأَيْدِي السَّكَاكِينَ،
وَيَنَامُ النَّاسُ دُونَ أَنْ يَخَافُوا الصَّبَاحَ.
*
فَالْجُرْحُ حِينَ يَبْرَأُ يُصْبِحُ نَافِذَةً،
تَدْخُلُ مِنْهَا الهَواءُ وَالضَّوْءُ،
لِيُولَدَ الْوَطَنُ مِنْ جَدِيدٍ.
*
يَكْفِي أَنْ نُطْفِئَ النَّارَ،
وَنُعَلِّمَ الْأَرْضَ أَنْ تُنْبِتَ الْحُبَّ
عَلَى مَا تَبَقَّى مِنَ الْبِلَادِ.
*
فَالطَّرِيقُ لَمْ يَكُنْ يَوْمًا دَلِيلًا عَلَى الْغِيَابِ،
فَكُلُّ حَجَرٍ يَحْمِلُ اسْمًا،
وَكُلُّ نَافِذَةٍ تُطِلُّ عَلَى مَاضٍ مُغْلَقِ الْأَبْوَابِ،
وَفِي كُلِّ حَفْنَةِ تُرَابٍ بَذْرَةٌ
تُخَبِّئُ تَحْتَ صَمْتِهَا وَعْدًا جَمِيلًا،
بِزَمَنٍ لَا يَحْمِلُ بُنْدُقِيَّةً،
وَيَدٍ لَا تَعْرِفُ إِلَّا الْمُصَافَحَةَ.
وَعْدًا بِعَوْدَةِ الْقَلْبِ إِلَى جِهَتِهِ الْأُولَى،
وَوَجْهٍ يَسْتَعِيدُ مَلَامِحَهُ الْقَدِيمَةَ،
وَوَجْهَ الْوَطَنِ الْمُوشى بالآمال.
*
إِنَّنِي أَعْرِفُ جَيِّدًا
أَنَّ الْأَرْضَ كُلَّمَا أُحْرِقَتْ
أَخْفَتْ فِي أَعْمَاقِهَا
رَبِيعًا لَا يَعْرِفُ الْهَزِيمَةَ.
***
الشاعر د. أحمد الحلاق - سوريا








