نصوص أدبية

عبد الله الجميل: مُعلَّقة من هذا الزمان

لقد كانت العِشرونَ عندي شفيعةً

لِأدخلَ في خِدْرِ العذارى بلا صَدِّ

*

فكيفَ وقد مرَّتْ سِراعاً سنينُها

كأنْ لم أعِشْها قطُّ من لوعةِ الفقدِ

*

على أنَّ لي عندَ الثلاثينَ حكمةً

تُريني منَ الأشياءِ ما لم يكنْ عندي

*

وما كلُّ مَنْ قد عاشَ بالغُ حكمةٍ

ولا كلُّ سارٍ في الظلامِ سيستهدي

*

أرى هذهِ الدنيا كمثلِ مَفازةٍ

وأعمارُنا إِبْلٌ تَقِلُّ معَ الوَخْدِ

*

سنقطعُها حِيناً وحينا تقطَّعَتْ

بنا عندَها الأسبابُ عن غايةِ القصْدِ

*

وبعضٌ كَدودٌ لا يُجازى برشفةٍ

وبعضٌ ينالُ الماءَ من غيرِ ما جُهْدِ

*

وفي وجهِ من تلقى أَماراتُ قلبِهِ

ستظهرُ مهما غلَّفَ الحِقْدَ بِالوُدِّ

*

وأمَّا خَرَاجُ الأرضِ فهْوَ كأهلِها

إذا أكرموها أنبتَتْهم منَ الصَّلْدِ

*

وما كلُّ ما استعصى عليكَ تنالُهُ

بِشَدٍّ ولكنْ رُبَّما تركُ ذا الشَّدِّ

*

وأحلى طِباعِ النفسِ حِلْمٌ يَزينُها

ورُبَّ سكوتٍ كانَ أقسى منَ الردِّ

*

يُصافحُنا قومٌ وقد تركوا بنا

كصَبَّارةِ الصحراءِ شوكاً على الجلدِ

*

أرى الناسَ مثلَ البئرِ عندَ احتياجِها

فألقِ بدلوٍ منكَ تعرِفْ يدَ الرِّفْدِ

*

فإنْ كانَ ذا لُؤمٍ كبئرٍ تعطلَّتْ

فدلوُكَ مملوءٌ ولكنْ حصى الوَهْدِ

*

وإنْ كانَ ذا خيرٍ كبئرٍ كريمةٍ

أنالَكَ فوقَ الماءِ نجماً منَ السَّعْدِ

*

ورُبَّ سرابٍ كاذبٍ كانَ صادقاً

ولكنْ مردُّ الرأيِ للأعينِ الرُّمْدِ

*

يُثابُ كثيبُ الرملِ إنْ طابَ خطْوُهُ

ويُقدَحُ إنْ زلَّتْ بهِ قدمُ الفردِ

*

وغيري يناجي نجمةً في مكانِها

فتبقى على بُعْدٍ ويبقى بلا وجْدِ

*

فإنْ أنا ناجيتُ النجومَ بمُرهَفٍ

أتتْ راكضاتٍ خلفَ دمعي معَ الرعدِ

*

ولم أُلقِ أشعاري على الناسِ مُطلَقاً

فجُمهوريَ الأطيارُ في شجرِ الرَّنْدِ

*

وقفتُ على الجسرِ العتيقِ مُرَوَّعاً

فكلُّ شهيدٍ نورسٌ أبيضُ البُرْدِ

*

إذا سقطَتْ تفاحةٌ فوقَ دجلةٍ

فزارعُها غيرَ التبسُّمِ لا يُبدي

*

يقولُ: غداً تأتي إليَّ لأنّها

حلالٌ بها رِزقي وحُلْوٌ بها كَدِّي

*

فرقَّتْ عليهِ دجلةٌ ثُمَّ عاكسَتْ

مساراً ومدَّ الغصنُ كفّاً منَ الشَّهْدِ

*

أولئكَ هم أهلي الكرامُ بطبعِهم

وقد بذلوا حتّى النفوسَ منَ الزُّهْدِ

***

عبد الله سرمد الجميل

في نصوص اليوم