عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

سعد غلام: مُوتيفاتٌ

مُوتيفاتٌ من أسفار النَّدى وعَتْمَة المدى

  ***

بعد أن سمّروني وألقيت عينيّ نحو المدينة

كدت لا أعرف السهل والسور والمقبرة

"بدر شاكر السياب"

1

في مرافينا نوارسْ

تستريحُ من المسافةْ

تشربُ الأحزانَ صمتًا،

وتعيدُ الماءَ خُطوَهْ

*

كلُّ شيءٍ كان يسألْ:

هل تعودينَ إلينا؟

هل يعودُ الصوتُ حيًّا،

ويعودُ القلبُ رَهْفًا؟

*

ها أنا أمشي وحيدًا

فوق ألحانِ العتابْ

لوّحتْ كفّي لظلٍّ

غاب في أقصى الضبابْ

*

غسلَ الموجُ جبيني،

وغفا الحزنُ على نافذةْ

*

(أهو هذا الذي يريدون؟

أشلاء وأنقاض منزل

مهدود)1

2

يا صباحًا يتفتّحْ

فوق جفنِ الكلماتْ

يا نداءً خفيًّا يسري

من عميقِ الوجعِ

جئتِ، والضوءُ الشفيفُ

شقَّ سترَ الظلماتْ

يبحثُ عن بقاياكِ

في الليلِ الداجي

*

حرّرتِ الجرحَ من صمتهِ،

فأبى أن يرحلَ

*

فتعالي، قد تعبتُ

من خرابٍ يتردّدْ

ومن الصحوِ الذي يبني

سرابًا ثم يهوي

فتعالي نوقدِ الوردَ

الذي خبّأهُ سامْ*

إنَّ صبحًا دون عينيكِ

يطولُ ولا يجيءْ

*

(مُدنٌ بلا فجرٍ تنامْ

ناديتُ باسمكَ في شوارعِها،

فجاوبني الظلامْ)

3

صرخَ البابُ: أهذا

وقعُ خطوتِها البعيدةْ؟

أين وجهٌ كان يأتي،

فتلينُ لهُ العتبةْ؟

كان خشبُ البابِ يصحو،

ويعيدُ الظلَّ طفلًا

مرّتْ عليهِ نفحةٌ منها

من شبابيكِ التمنّي

*

عاد عطرٌ ثم غابْ،

وأنا أبحثُ في الصمتِ

عنِ الصوتِ القديمْ؛

كان يهديني نداءً

ويمدُّ الليلَ نوءًا؛

مرَّ في بغدادَ جديدٌ

فاستفاقَ الحجرُ مذعورًا،

بدّلتْ أبوابُها أقفالَها

واختبأ المفتاحُ فيها،

وحدّقتْ شُرَفُ البيوتِ

في رمادٍ لا ينامْ،

وانحنتْ في الظلِّ مئذنةٌ

*

كأنَّ الضوء ذنبْ؛

يا بقايا بابِ عمري

هل كفانا أن نكونَ شظايا؟

*

(أو يفض الظلام ألا لكي تندّك جيكور

بالسلاح الجديد)2

4

في مرافينا تواريخٌ

تموتُ ولا تُشيَّعْ

ومدينةٌ مدّتْ خناقًا

نافذةٌ نادتْ ظلالًا،

فاستجابَ لها الغبارْ

*

حين ألقى الليلُ شهقتَهُ،

أتتْ ريحُ الفراقْ

يا بعيدةْ،

كيف أبصرتِ انكساري؟

حين دارَ البحرُ في صدري،

وفاضَ على الكلامْ

*

يا بقايا الوجدِ عودي،

وامنحي قلبي هداهْ

تشكّلي غيمًا خفيفًا،

واستردّي الوقتَ منّي

ثم غيبي عن عيوني،

كي أعودَ إلى الندى

*

(أسريت أطوي دربي النائي

بين الندى والزهر والماء

أبحث في الآفاق عن كوكب)3

5

كنتِ نارًا،

كنتِ سيفًا،

كنتِ بابًا للوجودْ

كنتِ صوتَ العائدينَ

حين ضاقَ نشيجُ الطريقْ

*

فتّشتُ فيكِ عن دروبٍ

ضاعَ أولُها

وعن الوردِ الذي أبقتْهُ

في مرآتها الرؤى

وعن البيتِ الذي نامتْ

على أعتابهِ خطواتُنا

*

نام ملحُ البيتِ وحدهْ،

واستحالَ الخبزُ طيفًا

جاء من بيتِ الجوارِ

دون كفٍّ أو سلامْ

أنكرتْ جرّتُنا الماءَ،

وضاع مفتاحُ الذاكرةْ

والوجوهُ رأتْ سواها،

فرأتْ في المرآةِ قناعًا

*

كلّما ناديتُ: لارا،

انتبه في الليلِ جسرْ

وأضاءَ النهرُ قنديلًا،

وأخفاهُ عنِ العابرينْ

*

لستُ أدري:

أنتِ مَن غابتْ؟

أمِ اختبأتْ مدينةٌ

في سوادِ العينِ منكِ؟

*

(ولست أسأل عابريها عن بعيد عن قريب

من منتهاها واكتئابي

والحنين مع الغروب)4

6

يومُ نورٍ قد تكسّرْ

في دمي، فابتلَّ صوتي

كتبتْكِ الروحُ ماءً

فوق ألواحِ الحروفْ

كنَفَسٍ

يسري خفيًّا في المسافةْ

*

دخلتِ في ضوءِ الندى،

فاهتزَّ غصنٌ كان صابرْ

واستفاقَ الظلُّ فيهِ

بعد أعوامِ الخريفْ

*

وكتبتُ الليلَ سرًّا

ينثرُ النوءَ الخفيَّ

فوق جفنِ المساءِ،

فتستفيقُ بهِ النجومْ

وتسلّلَ الفجرُ نحوكِ،

فاستحالَ الليلُ بدرًا

وجهُكِ الموشومُ بالغسقِ،

استفاقَ بهِ الشجنْ

فتفتّحتِ الملامحُ

عن سكونٍ من سحرْ

*

(صيحاتك صوت نبيٍّ يبكي تحت

الأسوار)6

7

كانتِ السهولُ تخطُّ

للمسافرِ دربَهُ

وكان نهرُ الضوءِ يهدي

للطيورِ مسارَها

والنخيلُ العتيقُ ينسجُ

من ظلالِهِ الحكايا

*

كلّما ألقى دجلةُ

للغروبِ مراياهُ،

رأى لارا

ثم راحَ يشقُّ في الطينِ

دروبًا لضفّتيهِ

باحثًا عن ثوبِها

في نخلةٍ عبثتْ بها الريحُ

*

يا نسيمًا مرَّ هادئًا

على طرفِ الندى

يا ورودًا في شراييني

تدلُّ القلبَ دربَهْ

لو تعودينَ لأورقْ

في خُطانا كلُّ دربْ

وردَّ النهرُ المعنى

*

(غابتْ وعدتُ خاسرًا مهزوم

أُسائلُ الأطلالَ والرسوم)7

8

يا شباكي، دمعةٌ تمشي

على كتفِ السحابْ

*

خطوةٌ عادتْ بلا ظلٍّ،

تجرُّ تعبَ السنينْ

تنثرُ الريحُ حزنَها

فوق الترابِ الجافي

*

أُصغي، وما حولي

سوى صمتٍ وغبارْ

والكتابةُ تستفيقُ

إذا مشتْ فوق الشجنْ

فتعيدُ الصوتَ حيًّا

بعد أن نامَ صداهْ

ليس ليلٌ مثلَ ليلٍ

ضلَّ فيهِ عاشقاهْ

ليس بحرٌ مثلَ قلبٍ

ضاعَ في الموجِ مرساهْ

*

عادَ مَن غابوا،

فما عرفتْ خُطاهمُ العتبةْ

وقفوا عندَ البابِ،

والجدرانُ عادتْ للصمتِ

*

مرَّ خبزُ الأمسِ بينهم،

فاستنشقوهُ ولم يدروا

*

(ما أوحشَ الليل إذا ما انطفأ

المصباح)8

9

يا مسافرةَ الندى،

ما ظلَّ في الكفّينِ منكِ؟

ماذا تبقّى في يديكِ؟

ضوءٌ خبّأهُ الغيابْ

*

خدعتْ ريحٌ خُطايَ،

ومحتْ وجهيَ القديمْ

*

يا نجومَ المدنِ القصوى،

أضيئي للعائدينْ

ربَّ نجمٍ ضلَّ فيها،

وهدى مَن أضاعَ دربَهُ

*

فتعالي كي أرى وجهًا

يلمُّ البوحَ من جمرِ العناقْ

فالليالي تستريحُ

حين يرقُّ بها النسيمْ

حين ينسلُّ اقترابُكِ

فوق صدرٍ مستهامْ

يكتبُ الليلُ من النجوى

ضوءَكِ فوق الكلامْ

علّني أدركُ معنًى

يمشي خلفي كالسؤالْ

مرَّ بي حينًا وغابَ،

ثم عادَ بلا ملامحْ

والشوارعُ خبّأتْ

تحت الغبارِ أسماءَنا

والنخيلُ يسائلُ الماءَ:

مَن استبدلَ الوجوهَ؟

*

مَن أضاعَ الاسمَ فيها،

وسوّى الوجهَ بالقناعِ؟

مَن تركَ ميزانَ بيتٍ

في مهبِّ الريحِ ينكسرْ؟

*

يا لارا، أين تركتِ

للمدينةِ ظلَّ عينيكِ؟

وفي أيِّ المرايا خبّأتْكِ

يدُ الغيابِ عن عينيَّ؟

كلّما ناداكِ دجلةُ

عاد مكسورَ النداءْ

باحثًا في الماءِ

عن وجهٍ توارى

وعن اسمٍ لا يُقالْ

*

(الصيفُ جاء وذهبْ

وأنتِ تضحكين

لاهيةً، بالرمل تلعبينْ

حطّ على شُرفتك الغرابْ

وارتحل الأحباب)9

***

الكودا

سأجمعُ منكِ الظّلالَ

كي لا يبدّدَها الرحيلُ

وأوقدُ من جفوني

قبسًا يمحو المسافةْ

بين نبضي

والنّدى

*

أنا آخرُ ماءِ دجلةَ

حين ينسى النهرُ مجراهْ

يحملُ النخلَ المكسّرْ

في مراياهُ ويمضي

ويمدُّ للضفافِ كفَّهُ

كي يستردَّ من الغيابِ

صوتَ لارا،

ويعيدَ إلى البيوتِ

ملحَها،

ودفءَ خبزِ الجيرةْ

*

أنا آخرُ الماءِ

إن ضاعتْ ضفافُ الأرضِ

أحملُها بقلبي،

ثم أمضي في ظلالِكِ

نحو أوّلِ قطرةٍ

في الندى.

***

د. سعد محمد مهدي غلام

...................

هوامش

1,2,3,4 بدر شاكر السياب

5,6,7,8,9 عبد الوهاب البياتي

* سام هو العم سام كناية عن الولايات المتحدة الأمريكية

في نصوص اليوم