حين نامت المدن
في قميص الغيب
***
اشتهائي
كان يرتّبُ فوضى الأشياءِ
في غرفةٍ لا بابَ فيها،
ويعلّقُ قلبَهُ
فوقَ مسمارِ الغيابْ.
*
وكان المطرْ
يمشي حافياً على جسدي،
ويبحثُ عن رجلٍ
يشبهُ الفصولَ،
مبلّلاً بسرِّ الربيع،
كأنّهُ خرجَ لتوّهِ
من حلمِ امرأةٍ
نسيتْ اسمَها على شرفةِ الانتظارْ.
*
قلتُ للظلِّ:
خذني إلى حيفا،
فقال:
حيفا بعيدةٌ هذا المساء،
والبحرُ مشغولٌ
بتنظيفِ ذاكرتهِ
من ملحِ الغزاة.
*
فذهبتُ إلى عكّا،
وكان سورُها
يضعُ أذنهُ على صدرِ الماء،
ليسألَ عن سفينةٍ
تأخرتْ منذُ ألفِ عام.
*
وفي يافا
كانت البرتقالةُ
تفتحُ نافذةً في جلدِ الليل،
وتقولُ للريح:
لا تدخلي...
ففي البيتِ رجلٌ
ما زالَ يفتّشُ عن وطنه
بين رائحةِ القشور.
*
ثم رأيتُ الناصرةَ
تغسلُ ثوبَها في نبعٍ قديم،
ومريمُ تمشطُ شعرَ الصمتِ
بأصابعَ من نور،
وكان المسيحُ
يمرُّ من بينِ الأشجار
حاملاً ظلَّهُ
كمن يحملُ صليباً
لا من خشبٍ،
بل من أسئلةِ البشر.
*
ناديتُه:
يا ابنَ مريم،
أينَ الطريقُ إلى النجاة؟
*
فأشارَ إلى بيتِ لحم،
ثم اختفى
في عينِ طفلٍ
كان يرسمُ نجمةً
فوقَ جدارٍ مثقوب.
*
هناك،
كانت القدسُ
تنامُ على كتفِ زيتونة،
والحجرُ
يستيقظُ كلما مرّتْ بهِ صلاة،
وكانت أريحا
تخبّئُ في نخيلِها
مفتاحاً صغيراً
لبابٍ لم يُخلقْ بعد.
*
ومن بعيدٍ
جاء صوتُ جنين،
كأنّ الأرضَ
تجرّبُ للمرة الأولى
كيف يكونُ لها قلبٌ
من طين.
*
قلتُ للغيب:
خذ نصفَ شمسي،
واتركْ لي نصفَ الظلّ.
*
فضحكَ الغيبُ،
وقال:
لا أحدَ يملكُ الشمسَ،
لكنّ الجميعَ
يستطيعونَ أن يحترقوا.
*
وعندَ المساء
كانت غزةُ
تخيطُ جرحَ البحرِ
بإبرةٍ من نجمة،
وكانت الخليلُ
تخبّئُ في عناقيدِها
ضحكةَ شيخٍ
لم يتعلّمْ كيفَ يموتُ الوطن.
*
أما أنا،
فكنتُ أسبحُ في بحرٍ لَجّيّ،
لا أعرفُ
أأصعدُ إلى الهواء
أم أهبطُ إلى قاعِ نفسي.
*
كان جسدي
خريطةً بلا حدود،
وكان قلبي
قريةً فلسطينيةً
تفتحُ أبوابَها للغرباء،
ثم تنسى
أن تغلقَها على أحزانها.
*
وفي آخرِ الليل
جلسَ الجميعُ
على حافةِ الأمل؛
*
رجلٌ يحملُ مزوّدَهُ،
وامرأةٌ تحملُ قنديلًا،
وطفلٌ يعصرُ ليمونةً
على تفاحةِ العالم،
فتسيلُ منها شمسٌ صغيرة.
*
أما أنا
فكنتُ أنتظرُ شيئاً
لا أعرفُ اسمه.
*
وحين جاء،
لم يكنْ رجلًا،
ولا ملاكاً،
ولا وطناً.
*
كان باباً فقط...
فتحتهُ،
*
فوجدتُ فلسطينَ
واقفةً خلفه،
عاريةً من الخرائط،
*
وتقول:
لا تبحثْ عنّي في الأرض...
أنا المكانُ
الذي ظلَّ فيك
حين ضاعَ المكان.
***
عماد خالد رحمة - برلين







