كان يكفي أن أفتح باب غرفتها حتى تمدّ ذراعيها نحوي، كأننا لم نلتقِ منذ أعوام، مع أننا ربما افترقنا قبل أيام فقط.
«لولو! عندي أخبار».
كانت تلك الجملة إعلانًا عن بدء أمسيتنا وأتوقع ماذا سيأتي بعدها. أعود من العمل، وأجلس بجوارها ومعنا كوبان من النسكافيه، فتبدأ بعرض الوقائع والتحليلات، وأبدأ أنا بهدم الاستنتاجات.
لم تكن أخبارها تخضع لأي ترتيب منطقي؛ كانت تقفز من حكاية إلى أخرى، ومن شخص إلى آخر، تطلب مني تحليلاً لكل فعل وردة فعل وتمنح التفاصيل الصغيرة أهمية لا تحتملها. كانت ترى الناس بعينين ورديتين، وتجد لكل تصرف تفسيرًا أعمق وألطف مما يستحق.
كانت بسيطة في أمنياتها. لم تطلب جاهًا ولا مالًا، ولم تكن تريد من العالم أكثر من حب لا ينضب. ولعلها لهذا كانت تغدق على الآخرين من الحب ما تمنّت أن يعود إليها يومًا.
رومانسية تتمسك بأوهام ديزني، وتنتظر أميرًا يمتطي حصانه الأبيض لينتشلها من قسوة عالم مادي، ومن حدّة استنتاجاتي وأحكامي القاسية.
لم أكن أؤمن بالأمراء ولا بالخيول البيضاء. كنت أرى أن الحياة، في مجملها، أقسى من أن تحقق الأحلام البريئة بلا ثمن. لكنها لم تكن تكفّ عن الحلم، حتى حين أحاول أن أريها ما لا تريد رؤيته.
ومع ذلك كانت تحب طريقتي في إفساد الحكايات.
أصف لها ما حدث كما أراه، فتحتج، ثم تضحك، ثم تعود بعد دقائق لتدافع عن الشخص نفسه بحجة جديدة. وحين تنتهي أخبارها، أقول: «طيب، عندي أخبار أنا».
نتبادل الأدوار. تصبح هي المدافعة عن احتمالات لا أراها، وتصرّ على أن بعض المشاعر لا يمكن اختزالها في تصرف عابر أو كلمة باردة. أحاول أن أقنعها بأننا أحيانًا نمنح الآخرين عمقًا لا يملكونه، وأن بعض العلاقات لا يبقيها حيّة سوى رغبتنا في ألّا تنتهي. لكنها كانت تجد دائمًا احتمالًا آخر، أكثر رحمةً وأشدّ إغراءً.
لم تكن خلافاتنا تقتصر على أخبار الناس. كانت تفسّر أحلامي وتعوّل على تحليلاتها الباراسيكولوجية بثقة من اطّلع على الغيب، وتخبرني أن ما رأيته سيتحقق لا محالة. أقول لها إن الأحلام مجرد نفايات فكرية وإسقاطات ذهنية لأمور فكرنا بها وأمنيات عميقة نريد تحقيقها، وإن العقل لا يكفّ عن اختراع الحكايات حتى ونحن نائمون. فتهزّ رأسها غير مقتنعة، وتبدأ في تفسير الحلم من جديد، كأن اعتراضي لم يكن سوى تفصيل أغفلته في المرة الأولى.
كنا نختلف كثيرًا، ونضحك أكثر.
كانت تقول لي إن الحديث معي بلسم لجراحها، لم أفكر يومًا في أنني كنت أحتاج إلى تلك الجلسات بالقدر نفسه. كنت أظن أنني أعود إلى غرفتها محمّلة بالأخبار، ولم أدرك أنني كنت أعود إليها لأخفف عن نفسي ثقلها.
لا أذكر متى كانت آخر مرة قلتُ لها «عندي أخبار». أتذكر فقط أن أخبارًا كثيرة حدثت بعدها، ولم أجد أين أذهب بها.
رحلت، ولم تتوقف الأخبار.
حدثت أشياء كنت أنتظر أن أحكيها لها. تغيّرت نظرتي إلى أشخاص أمضينا ساعات في تحليل تصرفاتهم، وتبدّلت مشاعر ظننت أنها ستبقى على حالها. أكاد أسمعها تدافع عن رأيها القديم، وأسمع نفسي أقاطعها قائلةً: «لا يا شوشو، اسمعيني هذه المرة غير».
لكنني لا أستطيع أن أفاجئها بخبر، أو أن تفاجئني بردّ.
كانت تقول إن حديثنا دواؤها للوحدة. أما أنا، فلم أعرف أنني فقدت دوائي إلا بعد رحيلها.
شعرت كأن أحدهم أمسك بزجاجة ذلك العلاج وألقى بها أرضًا، فتحطمت وتناثر زجاجها وتسرّب الدواء منها. أجثو على ركبتيّ وأحاول أن ألمّ ما تبقى قبل أن تبتلعه الأرض. ألتقطه وقد تلوث واختلط بشظايا الزجاج، وكلما حاولت ابتلاع رشفة منه جرحت أحشائي بألم صامت لا يُرى.
صارت الذكريات التي ألجأ إليها طلبًا للعزاء: أجد فيها صوتها وضحكتها وحضنها، ثم أتذكر، في اللحظة نفسها، أنني لن أعود إلى غرفتها لأحكي لها ما حدث اليوم.
صرت أراها في أحلامي. تظهر بحماسها نفسه، وتقول لي، كأنها تصحّح سوء فهم بسيطًا:
«لولو، أنا موجودة».
كنت أفرح برؤيتها، ثم أقول لها: «لكنّك رحلتِ ».
فتردّ بإصرارها القديم: «هناك أمور في العالم لا يغيّرها المنطق».
أستيقظ وأنا أعرف ما كنت سأقوله لها لو استمر النقاش. أعرف كل الحجج التي كنت سأستعين بها لأثبت أن الأحلام لا تخبرنا بما سيحدث، ولا تعيد إلينا من فقدناهم.
لكنني هذه المرة فقط لا أريد أن أربح النقاش أريد للمنطق أن يخذلني ولو لمرة واحدة.
أريد أن أعود من العمل، وأفتح باب غرفتها، فتمدّ ذراعيها نحوي وتقول:
«لولو، عندي أخبار».
***
لمى ابوالنجا / أديبة وكاتبة من السعودية








