عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

رمزي ميركاني: رغيف الخبز الأخير

في أحد الأحياء الفقيرة على أطراف المدينة، كان هناك بيت صغير بابه من الخشب المتآكل، وسقفه لا يمنع المطر من التسلل إلى الداخل.  في ذلك البيت عاش سالم، رجل في الخامسة والأربعين من عمره، مع ابنته مريم، ذات الاثني عشر عامًا، ووالدته العجوز التي أنهكها المرض.

لم يكن سالم رجلًا كسولًا، ولا كان يمد يده لأحد طلبًا للمساعدة. كان يعمل حمّالًا في السوق منذ الفجر حتى المساء، يحمل الصناديق الثقيلة على ظهره، ويعود إلى منزله بمال بالكاد يكفي لشراء الخبز والدواء.

منذ أن توفيت زوجته قبل خمس سنوات، صار الأب والأم معًا لابنته.  كان يغسل لها ثيابها بيديه، ويجدل شعرها كل صباح، ويجلس بجوارها ليلًا يساعدها في واجباتها المدرسية، رغم أنه لم يكمل تعليمه الابتدائي.

وكان يقول لها دائمًا:

- يا مريم، قد أكون فقيرًا في المال، لكنني لا أريدك أن تكبري فقيرة في الأحلام.

فتبتسم مريم وتجيبه:

- عندما أكبر وأصبح طبيبة، سأشتري لك بيتًا كبيرًا، وسأجعلك ترتاح من العمل.

فيضحك سالم، ثم يخفي وجهه قليلًا حتى لا ترى ابنته الدموع التي تلمع في عينيه.

لكنه لم يكن يخبرها أن ظهره بدأ ينحني، وأن الألم في صدره يزداد يومًا بعد يوم، وأن صاحب السوق هدده بالطرد إذا غاب عن العمل مرة أخرى.

في مساء شتوي قاسٍ، عاد سالم إلى البيت وكانت صوت سعال أمه عالية.  كانت حرارتها مرتفعة، ووجهها شاحبًا كقطعة قماش قديمة.

أسرع إلى الصيدلية، لكن الصيدلي أخبره أن الدواء يحتاج إلى مبلغ لم يكن يملكه.

وقف سالم أمام الرفوف الزجاجية، يقلب النقود القليلة في جيبه. كان يستطيع شراء الدواء أو شراء الطعام لذلك اليوم، لكنه لم يكن يستطيع فعل الأمرين معًا.

عاد إلى البيت يحمل كيسًا صغيرًا من الخبز، وقد قرر أن يؤجل الدواء إلى الغد.

جلست مريم أمام جدتها، تمسح جبينها بقطعة قماش مبللة. وعندما دخل والدها، نظرت إلى الخبز ثم إلى وجهه.

سألته بصوت خافت:

- أبي، هل تناولت طعامك في السوق؟

ابتسم وقال:

-  نعم، أكلت مع أصدقائي.

كانت تعرف أنه يكذب. فقد رأته في الأيام الماضية يشرب الماء بدلًا من الغداء، لكنها لم تحرجه بالسؤال.

قسمت الرغيف إلى ثلاثة أجزاء، وأعطت جدتها الجزء الأكبر، ثم وضعت جزءًا أمام أبيها.

قال سالم:

- أنا شبعان يا ابنتي.

أجابت وهي تدفع قطعة الخبز نحوه:

- وأنا أيضًا.

ثم أدارت وجهها نحو النافذة، كي لا يرى دموعها.

في تلك الليلة، نام الثلاثة دون عشاء.

في اليوم التالي، ذهبت مريم إلى المدرسة وهي ترتدي حذاءً ممزقًا، وتحمل حقيبة خيطت جدتها أطرافها قبل أشهر.

كانت المدرسة تستعد لحفل تكريم الطلاب المتفوقين، وقد اختارت المعلمة مريم لإلقاء كلمة أمام أولياء الأمور.

لكن مريم لم تكن سعيدة. فقد طلبت المدرسة من الطلاب ارتداء ملابس مناسبة للحفل، ولم تكن تملك ثوبًا لائقًا.

لاحظت معلمتها، السيدة نادية، أنها تجلس وحدها في ساحة المدرسة.

اقتربت منها وسألتها:

- لماذا تبدين حزينة يا مريم؟ ألست سعيدة بتكريمك؟

هزت مريم رأسها.

- أنا سعيدة يا معلمتي، لكنني لن أحضر الحفل.

- ولماذا؟

صمتت الطفلة طويلًا، ثم قالت:

- لأنني لا أريد أن يضحك أحد على حذائي.

شعرت المعلمة بوخزة في قلبها. كانت تعرف أن مريم متفوقة ومجتهدة، لكنها لم تكن تعرف أن الفقر الذي يحيط بها وصل إلى هذا الحد.

في المساء، ذهبت نادية إلى منزل مريم. لم تحمل معها نقودًا، ولم ترغب في أن تشعر الأسرة بالشفقة. أحضرت ثوبًا أزرق كانت ابنتها قد كبرت عليه، وحذاءً نظيفًا، وبعض الكتب.

استقبلها سالم بحرج واضح.

- لم يكن عليك أن تتعبي نفسك يا أستاذة.

قالت نادية بهدوء:

- أنا لم آتِ لأساعدكم، بل جئت لأن ابنتك تستحق أن تقف أمام الجميع بفخر. وغدًا، عندما تصبح طبيبة، ستساعد هي الآخرين.

خفض سالم رأسه، ولم يجد ما يقوله.

أما مريم، فقد احتضنت معلمتها وبكت طويلًا.

جاء يوم الحفل.

وقفت مريم على المنصة بثوبها الأزرق، ويديها ترتجفان وهي تنظر إلى الوجوه الكثيرة أمامها. كان سالم يجلس في آخر القاعة، مرتديًا قميصه الوحيد النظيف. بدا عليه التعب، لكنه ابتسم لها بفخر.

بدأت مريم تقرأ كلمتها، ثم توقفت فجأة، وأغلقت الورقة.

قالت بصوت مرتعش:

- كتبت كلمة عن النجاح، لكنني أريد أن أتحدث عن شيء آخر.

ساد الصمت في القاعة.

- أريد أن أتحدث عن أبي. أبي رجل يحمل الصناديق طوال النهار، وعندما يعود إلى البيت، يحمل همومي أيضًا. لم يشترِ لنفسه حذاءً جديدًا منذ سنوات، لكنه كان يشتري لي الكتب. وعندما أجوع، يقول إنه شبعان. وعندما يبكي في الليل، يظن أنني لا أسمعه.

بدأت الدموع تنهمر على وجهها.

- كنت أعتقد أن الفقر يعني ألا نملك المال، لكنني تعلمت أن الإنسان قد يملك المال ولا يعرف كيف يحب، وقد لا يملك سوى رغيف خبز، لكنه يقسمه مع من يحب.

نظرت إلى والدها.

- يا أبي، لا أعدك بأنني سأصبح طبيبة فقط. أعدك أنني لن أنسى يومًا أنك كنت تعالج خوفي بابتسامتك، حتى عندما لم تكن تملك دواءً لألمك.

لم يستطع سالم أن يتمالك نفسه. غطى وجهه بيديه وبكى أمام الجميع.

وللمرة الأولى، لم يشعر بالخجل من دموعه.

بعد الحفل بأسبوعين، انهار سالم أثناء عمله في السوق. نقلَه أحد العمال إلى المستشفى، حيث أخبر الطبيب مريم أن والدها يحتاج إلى علاج وفترة طويلة من الراحة.

وقفت الطفلة في الممر، عاجزة عن الكلام. كانت تعرف أن توقف أبيها عن العمل يعني أن يتوقف كل شيء في البيت.

لكن هذه المرة، لم تكن الأسرة وحدها.

بدأت المعلمة نادية حملة لمساعدة سالم على العلاج، وتبرع بعض أصحاب المحال في السوق بجزء من أرباحهم. أما الطلاب، فقد نظموا حملة لجمع الكتب والملابس وبيع بعض الأعمال اليدوية لصالح الأسرة.

وكان أكثر ما أثر في سالم أن الرجل الذي كان يعمل لديه، والذي هدده بالطرد من العمل، جاء إلى المستشفى ووضع مبلغًا من المال على الطاولة.

قال بخجل:

- كنت أظن أنك عامل عندي فقط، ولم أفهم أنك إنسان يحمل فوق ظهره حياة أسرة كاملة. سامحني.

أمسك سالم بيده وقال:

-لا أريد منك اعتذارًا. أريد فقط ألا تعامل رجلًا آخر كما عاملتني.

هز الرجل رأسه، ولم يستطع الرد.

تعافى سالم ببطء، لكنه لم يعد قادرًا على حمل الأوزان الثقيلة. ساعدته المعلمة في العثور على عمل بسيط في مكتبة مدرسية، حيث كان يرتب الكتب ويساعد الأطفال في العثور على قصصهم المفضلة.

وكان يقول لمريم كل مساء:

- يبدو أن ظهري تعب من حمل الصناديق، لكنه ما زال قادرًا على حملك إلى أحلامك.

فتضحك وتضع رأسها على كتفه.

مرت السنوات.

كبرت مريم، وتخرجت في كلية الطب بتفوق. وفي يوم تخرجها، جلس سالم في الصف الأول، وقد غطى الشيب رأسه، وارتسمت التجاعيد حول عينيه.

عندما نادت الجامعة اسمها، صعدت إلى المنصة، تسلمت شهادتها، ثم نزلت وركضت نحو والدها.

احتضنته وقالت:

- لقد وعدتك ببيت كبير يا أبي، وسأشتريه لك قريبًا.

ابتسم سالم ومسح دمعة عن خده.

- لا أريد بيتًا كبيرًا يا ابنتي. أريد فقط أن يبقى هذا القلب قادرًا على رؤيتك سعيدة.

بعد أشهر، افتتحت مريم عيادة صغيرة في الحي الذي نشأت فيه. جعلت الكشف مجانيًا للفقراء الذين لا يستطيعون دفع تكاليف العلاج، ووضعت عند المدخل لافتة كتب عليها:

«لا يُردّ مريض بسبب فقره.»

وفي صباح يوم شتوي، دخل إلى العيادة طفل صغير يمسك بيد أمه. كان يرتدي حذاءً ممزقًا، ويخفي بطنه الفارغ تحت معطف واسع.

فحصته مريم، ثم سألت أمه إن كان قد تناول طعامه.

أطرقت المرأة رأسها وقالت:

- لم نأكل منذ الأمس.

نظرت مريم إلى الممرضة وطلبت منها إحضار الطعام، ثم جلست أمام الطفل وابتسمت.

وحين أحضرت الممرضة رغيفًا ساخنًا، أخذ الطفل يقسمه إلى نصفين، ومدّ أحدهما نحو أمه.

في تلك اللحظة، شعرت مريم أن الزمن عاد بها إلى ذلك البيت الصغير، وإلى أبيها الذي كان يخفي جوعه خلف ابتسامة.

دخل سالم العيادة بعد قليل، فوجد ابنته واقفة قرب النافذة، والدموع في عينيها.

سألها:

- ما بك يا طبيبتي؟

أشارت إلى الطفل وقالت:

- تذكرت رغيف الخبز الأخير يا أبي.

نظر سالم إلى الطفل، ثم إلى ابنته، وابتسم.

- إذن لم يضع ذلك الرغيف هباءً.

فبعض الأرغفة لا تُشبع الجوع وحده؛ بل تزرع في قلب إنسان بذرة رحمة قد تُطعم مدينة كاملة يومًا ما.

***

قصة قصيرة..

رمزي ميركاني

في نصوص اليوم