"يا ليل، لكم طال الدّربُ.
تعب الركبُ،
وعراقي شطَّ، وسمَّاري
ناموا."
بدر شاكر السياب
سفر أيوب (٧)
ديوان منزل الأقنان
***
لا تَحْزَني...
ضُوعي غدًا...
سنلتقي
على رصيفٍ من ضياءٍ لا ينامْ
هناكَ حيثُ يخلعْ الموجُ الزَّبدْ
كي يستعيدَ من رُكامِ الماءِ وجهًا
قد فَقَدْ
*
لا تَجْزَعي يا لارُ،
إنْ طالتْ ليالي العائدينْ
فالليلُ بابٌ من مُسوحٍ، والنهارْ
يرتدُّ جذرًا في فتوقٍ لا تُرى،
حتّى يصيرَ البابُ غُصنًا في يديكْ.
*
في مُقلتيكِ الفجرُ يجري في دمي،
من أورَ، من طينِ العُبَيدْ،
وكلُّ جرحٍ فيَّ شُبّاكٌ على بحرٍ
يُدجِّنُ في حُطامي نورسًا.
*
لا تَسْأَمي...
تلك المسافاتُ التي
مدَّتْ على أجسادِنا أسلاكَها
لم تَدْرِ أنَّ الماءَ دَبَّ في الحديدْ.
في كلِّ قفلٍ قطرةٌ تمحو الحدودْ،
شُبْعادُ تُصغي من وراءِ صمتِنا
للعَذْبِ في أوتارِنا.
*
لكنّنا نستمطِرُ الوعدَ الشحيحْ،
والريحُ تعبثُ بالخُطى،
والعمرُ مصلوبٌ على صِيْرِ الرجاءْ.
*
خَطوي وَهَى،
والليلُ يسْحنُ صبرَنا،
لكنّني سأضلُّ في عَتَمِ المدى
عينًا تُحدِّقُ في الأثرْ
وأُعيدُ للطينِ القديمِ ملامحي.
*
إنّي هُنا...
رهنُ الترقُّبِ لم أزلْ.
*
كودا
ضُوعي غدًا...
سنلتقي
في كفِّنا يصحو رصيفْ،
والبحرُ طفلٌ،
كلَّما مدَّ اليدينِ،
تنسَّلتْ منهُ الضِّفافْ.
***
د. سعد محمد مهدي غلام
....................
هامش
"لار": رمز يستخدمه الشاعر منذ عقد السبعينيات من القرن المنفرط ، تتداخل فيه المعشوقة الغائبة، والحلم المفقود، والغاية المصادَرة، والمدينة المنسيّة، والوطن المنتهَب.
"أور": مدينة أثرية في جنوب العراق من مدن مهد الحضارة .
"العُبَيد "تل العبيد يقع على بعد ستة كيلومترات من غرب أور الواقعة على مقربة من مدينة الناصرية،و هي إحدى أقدم الحضارات في بلاد ما بين النهرين فقد ظهرت حوالي 5300 ق. م و4000 ق .م وتنتمي لحقبة العصر الحجري النحاسي.تميزت بتطور الزراعة، وبناء أوائل المجتمعات المدنية والمعابد، وصناعة الفخار المميز المصبوغ باللون الأسود.
"شُبْعاد": اسم متداول قديمًا لـ "بوابي"،- المرتبطة بالمقبرة الملكية في أور - يستدعيها النص استدعاءً تخييليًّا يتّصل بذاكرة الموسيقى والمكان، لا بوصفها واقعةً تاريخية.
"المُسوح": جمع "مِسْح"، وهو كساء من الشَّعر يُلبس للتقشّف، ويرتبط أيضًا بالحداد. ويستدعي "بابٌ من مُسوح" حاجزًا نسيجيًّا خشنًا تتّصل به "الفتوق"، وتكتسب عبره صورة الليل إيحاءً بالحزن والتقشّف. أمّا "يرتدُّ جذرًا" فتصوّر عودة النهار إلى أصلٍ خفيّ يستأنف منه النمو، تمهيدًا لتحوّل الباب إلى غصن.








