منذ أن رأيتكِ، وأنتِ تقيمين معي في سريرٍ واحد، تتدلّلين بقربي، وتزاحمين وحدتي بغنجكِ وشغب أنوثتكِ، كأنكِ تعرفين الطريق إلى جسدي قبل أن تعرفي الطريق إلى قلبي. ومنذ تلك اللحظة، وأنتِ تقودينني إلى سريركِ لأراه، فإذا به يتحوّل في غيابكِ إلى ملاذٍ ألوذ به من وحشة العالم، وإلى مساحةٍ أستعيد فيها دفء حضوركِ كلما أوصد الليل أبوابه في وجهي.
**
منذ أن رأيتُ خزانة ملابسكِ، صرتُ أختار لكِ ثياب نومكِ، وأنتقي ملابسكِ الداخلية كما لو أنني أهيّئ لكِ طقوس ليلةٍ من الحب، وأتخيّل العطر الذي سيستقرّ على جسدكِ الأسطوري، والفراش الذي سيحتضن تعبكِ حين تستسلمين لنعاسكِ. كنتُ أرتّب هذه التفاصيل الصغيرة في مخيّلتي، وأمنحها من قلبي ما يجعلها أقرب إلى حياةٍ عشتُها معكِ، لا إلى حلمٍ مرَّ عابراً في نومي.
**
أيعقل أن يكون كلُّ هذا وهماً؟ أن تكون تلك التفاصيل التي سكنت أيامي، وذلك السرير الذي صار ملجأي، وتلك الثياب التي اخترتُها لكِ بعينَي عاشقٍ ينتظر، مجرّد أوهامٍ كما تدّعين؟
**
ثم تغادرين...
**
وتتركينني وحيداً أمام هذا الفراغ الذي لا يعرف كيف يصدّق غيابكِ، فأظلّ أطارد ملامحكِ البعيدة في عتمة الليل، وأمدّ يدي إلى الجهات التي مررتِ بها، كأنّ شيئاً منكِ ما زال هناك، يتنفّس في الوسائد، ويختبئ بين طيّات الفراش، ويترك للعطر مهمّة إقناعي بأنكِ لم ترحلي تماماً.
**
وأنا، كلّما حاولتُ إقناع قلبي بأنكِ لم تكوني سوى وهم، أعادني إليكِ تفصيلٌ صغير، ذكرى عابرة، أو صورةٌ تستيقظ في داخلي بلا موعد...
**
فكيف يكون وهماً كلُّ هذا الذي عشته بكِ، إن كنتِ أنتِ مَن علّمني أن أصدّق حضوره؟
**
وتغادرين...
وأبقى أنا، مع سريرٍ يتّسع لغيابكِ أكثر مما يتّسع لجسدي، ومع ليلٍ طويلٍ، طويلٍ... لا ينتهي إلا ليبدأ من جديد.
***
بقلم: كريم عبدالله
بغداد - العراق








