الفصل الثالث
1 - جرعة ماء بين كركوك وبغداد*
قضى نوري تسعة أشهر على هذا الحال القاسي، استنطاقٌ يقود إلى تعذيب، وتعذيبٌ يُسلم إلى انفراد، فقد فيه القدرة على تتبع الأيام، وصار يحسب الوقت بالوجبات وساعات التعذيب. وبعدد المرات التي حاول فيها الهروب وقاوم فيها رغبته في الانتحار او الاستسلام. وكان يتساءل أحيانًا عما إذا كان الرحيل من هذا العالم أفضل من البقاء في هذا العذاب المستمر.
استنفدت غرف التحقيق كل ما تملكه من وسائل التعذيب والإذلال والضغط النفسي. وجد المحققون أن أقوال نوري باقيةٌ على حالها، كل جلسة تعذيب كانت تزيده اصرارا لا تراجعًا.
عندئذٍ صدر القرار بنقله، رفقة عددٍ من المعتقلين، إلى مديرية الأمن العامة في بغداد، حيث تنتظرهم مرحلةٌ جديدةٌ من التحقيق والتعذيب والإجراءات الاخرى، تمهيدًا لإحالتهم إلى محكمة الثورة.
في صباحٍ قائظٍ من أيام آب، أُخرجوا من زنازينهم معصوبي الأعين، مكبلين ببعضهم. أربع سيارات خاصة لنقل المعتقلين كانت بانتظارهم. في كل واحدةٍ سجينان وأربعةٌ من رجال الأمن المدججون بالسلاح. جلس السائق وإلى جانبه حارسان في المقصورة الأمامية، بينما جلس الآخران خلفًا، يحيطان بالسجينين من الجانبين. قُيدت اليد اليمنى لأحد المعتقلين باليسرى للآخر، وبقيت اليد الاخرى لكل منهما حرة، عاجزةٌ عن فعلٍ أي شيء، إلا تذكيره بأنه مقيد...
انطلقت السيارات تشقّ الطريق جنوبًا نحو بغداد. الشمس حارقة وهي ترسل شواظها على صفائح السيارة الحديدية، حتى الهواء داخلها بدا مشتعلًا. داخل الصندوق المعدني أخذ العرق يتصبب من الأجساد المنهكة، والتصقت الثياب بجلودٍ لم تبرأ بعد من آثار السياط. أحسّ نوري بالعطش يتسلل من جوفه إلى حلقه ببطء، ثم يتمدد في جسده كله، حتى غدت فكرة الماء وحدها تطغى على كل ما سواها. كل ما أراده جرعة ماء باردة لا غير.
بعد نحو ساعة ونصف، توقفت القافلة في مدينة كركوك للاستراحة. ترجّل بعض الحراس ودخلوا أحد المطاعم الشعبية القريبة، فيما تُرك السجناء داخل السيارات تحت الحراسة. كان نوري يسمع ضحكاتهم تتعالى، وأصوات قناني البيبسي وهي تُفتح، ثم ارتشاف الماء البارد بنهم. وبعد قليل زحفت رائحة الكباب المشوي مع الهواء الحار، فأيقظت في المعدة الجائعة ألمًا آخر غير ألم القيود والحر والعطش.
كان يعي أن الطعام هنا يبقى امتيازًا لحراسهم، محرما عليهم.
بينما كان الحراس منشغلين بطعامهم، لمح صاحب المطعم السجناء الجالسين داخل السيارات، فاقترب منهم بدافعٍ إنساني، وفي يده جرّةُ ماءٍ باردٍ يتصبّب منها الندى. اعترضه أحد رجال الأمن، ولوّح بكفّه في وجهه كمن يطرد كلبًا عن عتبة بيته:
- ابتعد، ممنوع الاقتراب. ارجع من حيث أتيت. لن أسمح لأحدٍ أن يشمّ رائحة شفقتك العفنة هنا اتفهم.
تطلّع الرجل إلى الوجوه المعصوبة والأيدي المقيّدة، ثم قال بهدوء:
- الجوّ شديد الحرارة يا أخي... وهؤلاء بشرٌ مثلك ومثلي.
ضحك الحارس ضحكةً مقزّزة، وبصق على الأرض قرب قدميه:
- احذرك، هؤلاء حثالةٌ لا يستحقون تعاطفك ولا حتى ظلّك. أتظنّ نفسك الوصيَّ عليهم او أن مصيرك لن يكون مثلهم لأنك صاحب مطعم؟
- لا أدّعي وصايةً على أحد. أنا أرى عطشانَ من حقه ان يشرب فأسقيه.
اقترب الحارس خطوةً، وانتفخت أوداجه:
- نحن نأكل وهم ينتظرون، وهذا عدلٌ لا يطاله عقلك المنخور بالسذاجة.
من جعلك أمًّا حنونًا عليهم؟
صرّ الحارس على أسنانه ومدّ إصبعه كالخنجر ليلامس صدره:
- اسمع، إن أعدتَ الكلام عن "الحقوق" فسأجعل جسدك هذا يتمرغ بالتراب قبل أن يبرد الشاي!
- كلنا إلى التراب يا سيدي، والباقي هو ما نتركه خلفنا.
التفتَ حارسٌ آخر من فوق لقمته، وقال ساخرًا:
- هؤلاء خونة، ونحن نحرسهم ليلًا ونهارًا، فمن أنت لتعلّمنا الإنسانية؟ لو كان الأمر بيدي لجعلتك تشاركهم الحرّ والجوع والعطش. لتتعلّم!
- لا أعرف ما فعلوه، ولا شأن لي بقضاياهم. أعرف شيئًا واحدًا: أنهم عطشى.
اشتدّ غيظ الحارس الأول، حتى كاد صدره يلامس صدر الرجل:
- ابتعد عن السيارة، فواللهِ لو اقتربتَ خطوةً لاعتقلتك واجلستك بينهم!
- الماء لا يُعتقل يا سيدي.
أطرق الحارس لحظةً غاضبةً، ثم نفث الكلمات من بين أسنانه:
- لا تنظر إليّ بهاتين العينين. هنا لا مكان للعواطف، هنا مسؤوليةٌ وتنفيذُ أوامر اتفهم؟
- لكن العطش قاتل يا سيدي.
ساد صمتٌ ثقيل، وتبادل الحرّاس نظراتٍ مرتبكة، ثم قال أحدهم بحدّةٍ تُخفي ارتباكه:
- انت تتعاطف مع هؤلاء؟ هؤلاء ليسوا بشرًا، هؤلاء خونةٌ ومجرمون يستحقون الموت!
ظلّ الرجل واقفًا، يحمل الجرّة بكلتا يديه كأنها أمانة، مكررًا قوله بصوتٍ خفيضٍ ثابت:
- لا أعرف ما فعلوه يا سيدي... أعرف فقط أنهم عطشى.
فردّ أحدهم متهكّمًا:
- اسقهم إذن.. على حسابك! لن ندفع فلسًا لهؤلاء. اذهب، أو ابتلع لسانك وامضِ، قبل أن أُنسيك اسمك واسم مطعمك هذا!
ابتسم الرجل بهدوء، كأنه توقّع هذا الردّ، ثم استدار، وعاد بعد دقائق يحمل لفافات الكباب والماء، يوزّعها على السجناء واحدًا بعد آخر، والحرّاس يتبعونه بعيونٍ يغلب عليها الغضب والتوعد.
هزّ أحد رجال الأمن كتفيه بازدراء:
- دعهم يأكلون ويشربون... لعلّ السمّ يسري في أجسادهم.
وصلت لفافة الكباب إلى يد نوري الحرة. أحسّ بحرارتها تتسلل إلى كفّه قبل أن يتذوقها. كان طعامًا عاديًا، لكن طعمه لم يكن عاديًا بالنسبة له. كانت تفوح منه نكهة الكرامة وليست المنة.
أكل ببطء رغم جوعه، وسؤالٌ يدور في ذهنه لا يفارقه:
"رجل لا يعرفهم، ولا يعرف خلفياتهم، خاطر من أجلهم بكأس ماء ولقمة. كم يحتاج هذا من الشجاعة؟"
لم يعرف نوري مصير ذلك الرجل بعد أن غادرت القافلة المكان.
راوده خاطرٌ مؤلم بأن تلك اللفتة الكريمة قد تكلفه مساءلةً أو تهمةً بالتعاطف مع المجرمين، وربما إغلاق مطعمه أو ما هو أقسى من ذلك.
ظل موقف ذلك الرجل عالقًا في ذاكرته سنوات بعدها.
***
2 - الحقيقة التي لا تتبدل
وصلوا أخيرًا إلى مديرية الأمن العامة في بغداد، مكان يعرفه كل معتقل.
كان اسمه وحده يدعو للرعب.
جرت العادة عند العرب الأقحاح ألّا يُسأل الضيف قبل مضيّ ثلاثة أيامٍ على حلوله، لكن جهاز الأمن استخدم هذه العادة بطريقته الخاصة:
وسيلة أخرى للتعذيب النفسي. فتلك الأيام، طالت أم قصرت بحسب تقديراتهم ومراقبتهم لحالة المعتقل، تعد أثقل من أي جلسة تعذيب، لأنها تبقى انتظارًا بلا نهاية معروفة.
تلك الفترة الصامتة كانت وقتًا مناسبًا لأساليبهم النفسية، إذ كانوا وبالأخص أوقات النوم ليلا، يوهمون المعتقل بأصوات صراخٍ واستغاثة تتردد من خلف الجدران، أصواتٍ تستنجد باسمه وتناديه بلهفةٍ مفتعلة، موحين إليه بأنهم يحتجزون أباه أو احد احبائه، أو يغتصبون ابنته او شقيقته او زوجته وهي تصرخ باسمه طالبةً نجدةً تؤلمه، لا يملك تقديمها.
كانت تلك الأصوات، حقيقية أو مفتعلة، تتسلل إلى عقله وحده، فتزرع فيه شكًا لا يقل قسوة عن أي تعذيب، كان الجلادون يعرفون أن الإيحاء للمعتقل، إذا ترافق مع الرعب، يعذّب أكثر من السوط.
ثم تبدأ جولةٌ أخرى من التعذيب والاستجواب. إعادة الأسئلة نفسها بصياغة أخرى، يراهنون على عدم النوم والإرهاق لأيام سيوقعه في تناقض اكيد.
جلس نوري قبالة المحقق، يسند أثقال جسده المنهك وأعوام عذابات روحه المجهدة بصلابةٍ هادئة لم تفارقه رغم قسوة الأشهر التي انقضت خلف القضبان. رغم العصّابة المحكمة على عينيه، اعتلى وجهه ثباتٌ رصين وهو يعيد سرد وقائع حكايته، مستحضرًا تفاصيل الخديعة الأولى.
جال المحقق بنظراته الفاحصة في وجهٍ نصف مستور بالعصابة، ثم ألقى بقلمه على الطاولة، فتدحرج حتى سقط على الأرض. لم يلتفت إليه. ثم قال بصوتٍ غليظٍ يقطر ازدراءً:
- أتظنني طفلًا في ملعبك يا كلب، فتعيد عليّ هذه الحكاية المهترئة لتقنعني؟
كم من أمثالك مرّوا من هذا الكرسي، فتكسّرت أكاذيبهم قبل أن تجفّ ألسنتهم!
اعتدل نوري في جلسته، ورد بنبرةٍ خافضةٍ تتوشح بالصدق:
- اعيد كلماتي لأن وقائعي لم تتغير، أأكد بان شرارة الخلاف مع شغب اندلعت في اللحظة التي استل فيها ذلك المسدس وألقاه بين يدي. رفضتُ تسلمه في البداية وشعرتُ بالريبة، غير أنه أصرّ باستماتة، مدعيًا أنه وسيلة لتحمي خطانا مما قد يداهمنا في العتمة.
ضرب المحقق الطاولة بكفّه حتى ارتجّ ما عليها واحتدت نبرة صوته مستجوبة:
- اخرس يا ابن الأزقة! أتجعل من أكاذيبك فلسفةً، ومن حثالتك حكيمًا؟
السلاح الذي وُجد معك والمنشورات التي تنطق بتورطك، فأيّ عابرٍ هذا الذي تحمل جيوبه هذه الممنوعات؟ أم أن هنالك خفايا أخرى تنكرها؟
أطرق نوري برأسه قليلًا، ثم رفع وجهه بثباتٍ ينضحُ بمرارة الواقع:
- العابر قد يحمل جيبُه ما لا يعلم به، يا سيدي. ذلك المسدس ألقاه شغب بين يديّ إلقاء كمن يتخلص من جمرة. رفضتُ أول الأمر وأدركني الريب، لكنه ألحّ عليّ. فأيّ إثمٍ في قلبٍ ضعيفٍ صدّق صاحبه، وأيّ جريمةٍ في ثقةٍ خانها مَن وُضعت فيه؟
مال المحقق نحوه حتى لفحته أنفاسه الثقيلة، ثم باغته بصفعةٍ مدوية هوت بكرسيه وأردته إلى الأرض متهاويًا. أشار المحقق بإيماءةٍ للحارس كي يعيدوه.
ثم استطرد بنبرةٍ يقطر منها الحقد والاستهزاء:
- ثقة! تقول ثقة يا بن... ذيل الكلب هذا يحدثني عن الثقة! وماذا عن المناشير يا خسيس؟ أكنتَ تحملها حبًّا في شغب، أم أن وراءها ما تدفنه تحت لسانك؟
- كنتُ أنقلها لقاء أجرٍ معلوم. أنا طالبٌ في المعهد الصناعي، وقد أعجزتني ضائقةٌ مالية خانقة حتى صار الرغيف عندي فوق كل اعتبار. والجائع يا سيدي لا يسأل عمّا في الصرّة التي يحملها، بل يسأل عمّا يسدّ به رمقه.
أطلق المحقق ضحكةً ساخرة:
- جوع! أتبيعني الجوع يا بن... كشهادة براءة؟
كل الخونة يدعون الجوع والبراءة، وكل الجائعين يتّخذون من بطونهم ستارًا لبراءتهم وخياناتهم. أتحسبني من السذاجة بحيث يخدعني دمعٌ يُذرف على رغيف؟
- أنا أروي فقط ما حدث.
سكت المحقق لحظةً يقلّب في يده ورقةً، ثم رفع رأسه وقد اشتدّ صوته وانتفخت أوداجه:
- وماذا عن رؤوس لينين التي وجدناها مرسومةً على دفاترك وكتبك أيها الشيوعي القذر؟ أتنكر أن يدك الوسخة رسمتها؟
- لا أعرف لينين هذا، ولا تربطني به صلة. تلك الدفاترُ والكتبٌ متداولةٌ بين الطلبة، اشتريتها مستعملةً من الأرصفة، وربما مرّت بأيدي كثيرين قبلي، فتركوا عليها خطوطهم وأهواءهم. ولست أدري مَن رسم تلك الرؤوس ولا متى، كما لا أذكر ممن اشتريتُ كل دفترٍ وكل كتاب.
نهض المحقق وطاف حول الكرسي كذئبٍ يدور حول فريسته، ثم انحنى عند أذنه وهمس بصوتٍ كالفحيح:
- أتظنّ أن من تحميه بأكاذيبك هذه يستطيع ان يخلص راسك من حبل المشنقة؟
هنا يا ابن العاهرة تتحول الأكاذيب إلى حبال، وكل حرفٍ تنطقه يُنسج منه خيطُ مشنقتك. فاختر: أتعترف الآن فتنجو بجلدك، أم تتشبث بروايتك حتى تتمنى لو أنك لم تخرج من ... أمك؟
كان يعرف أن كل كلمةٍ يقولها ستصبح سطرًا في ملفٍّ قد يحدد مصيره. صار يزن كل كلمة قبل أن ينطقها. لم يحاول أن يكون بارعًا في المراوغة او الكذب، بل ثابتًا في قوله فقط.
- ان اعترف بما لم أفعل هو انتحارٌ بيدٍ أخرى، وأنت حر فيما تكتب على الأوراق يا سيدي
رفع المحقق يده ليهمّ بصفعة اخرى، ثم أنزلها وقد علا وجهه حنقٌ مكتوم:
- أتحسب أن هذا الكلام المنمّق سيشفع لك أمام محكمة الثورة؟ هناك لا يُصغى إلى البلاغة، بل إلى الحبل.
- أعلم يا سيدي... وليحاسبني القضاء على ما فعلتُ.
صمت المحقق، ثم عاد إلى مقعده، والتقط ورقة المحضر وأخذ يخطّ فيها بعصبية، وقال دون أن يرفع عينيه:
- سنرى يا سافل. فلتطول ألسنتكم ما شاءت، فنحن نملك الوقت كله، وأنت لا تملك منه إلا ما نمنحه لك. هيّا، هيا، اجب... مَن مسؤولك والا مزقناك وألقينا ببقاياك الى الكلاب...؟
وفي ذلك الجلوس الطويل، بين العصابة المحكمة والتهديد الصارم في صوت المحقق، أدرك نوري أن المعركة لا تقتصر على الكلمات وحدها، بل في ألّا يتبدّل حرفٌ منها.
مضى شهرٌ آخر داخل مديرية الأمن العامة، بين محاولاتٍ عديدة للإيقاع بنوري عبر زرع العملاء والوكلاء، والذين كانوا في أكثر الاحيان من السجناء المنهارين الذين يُحوَّلون إلى جواسيس مقابل امتيازاتٍ شخصيةٍ تافهة، وغالبًا ما ينكشف أمرهم، وبين غرف التحقيق ومراجعة المحاضر واستكمال الإفادات وتوقيع الأوراق،
أُغلق ملف التحقيق أخيرًا. اعدت الأوراق وجُهزت الدعوى لتُحال إلى محكمة الثورة، ذلك الاسم الذي كان يكفي ذكره وحده لأثارت الرعب.
***
سعاد الراعي
فصول من رواية رأس لينين








