آراء
عصمت نصّار: دروب الكذب وأشكاله وغرابيل الفلاسفة الناقدة (3)

إذا كانت المحاكاة والتشابه في الأفكار والتناغم في الرؤى والاتفاق في المقاصد يثبت وجود تواصل بين أذهان حكماء الشرق ومتفلسفي الغرب الأوائل وتأثر اللاحق على السابق منهم؛ فإنه يبرهن أيضًا على أن العقل الجمعي الذي استقوا منه جميعًا حكمتهم وآرائهم ونقودهم لكل ما يتعارض مع نسقية بنية أخلاقهم، هو نبع واحد وهو جوهر الحكمة ويقين الكمال والجمال الذي لا يدانيه شيء في السمو أو الرفعة في المقام لذا سوف نجد أثر ذلك في تماثل غرابيل حكماء مصر ونظائرها في الصين وفارس ومدارس الفلسفة في اليونان؛ فنجد فيلسوف الصين العظيم لا وتزو (604:531 ق م) يقول (إذا كان الطاو هو طريق الاستقامة والحق فإن الصدق بابه ومن اجتهد للوصول إليه ليسفر بالسعادة فعليه أن يتجنب الكذابين والمخادعين والمرتابين في طبيعة الطاو المستقيمة الخيرة فالفعل الصادق هو الدليل والبرهان على إخلاص النوايا وليس في الأقوال ولا تبني الشعارات ولا في التظاهر بالاستقامة فالطاو لا يخدع ولا يقنع إلا بالعمل). وعلى هذا الدرب يقول الحكيم الصيني الأشهر كونفوشيوس (479:551 ق م) (إن النفس الإنسانية تولد صفحة بيضاء أميل إلى الخير في طبيعتها وإلى الصدق في أخبارها وإلى العفة في سلوكها غير أن العادات والتقاليد السائدة تؤثر على هذه الفطرة وعليه فالكذب والرياء والنفاق والخيانة وما يلحق بها من رذائل تكتسبها النفس من بيئاتها) ويقول أيضًا (لما كان الصدق لا يمكن فصله عن استقامة الطبيعة البشرية وسعادتها في المستقبل فإن الكذب يفسد أصلها وتطورها ومن العسير أن تجد أثرًا للفضائل ولاسيما بين الكذابين والأدعياء والمنافقين).
وإذا ما انتقلنا إلى حديث نبي التوحيد في الحضارة الفارسية: زرادشت (551:628 ق م) نجده يستفيض في عرض عين المعنى مبينًا (إنّ الباحث عن الحق والنور والخير الأسمى سوف يجدهم في معيّة الصادقين بينما نجد الكذب لا يبرح مجالس شرار الناس فدستورهم هو الباطل والخديعة والخيانة. واعلم أن الصادق هو القوي الحريص على طهارته والغني بفضائله بينما الكذوب هو الذليل، وإن تجبر، وهو التعيس وإن تظاهر بالسعادة؛ فالشجاع يستمد قوته من صدقه مع ذاته أمّا المخادع فلن يجد في سريرته سوى الضعف والخوف والقلق).
وإذا ما انتقلنا إلى سقراط وأفلاطون سوف نجد كلاهما قد ربط بين استحسان العقل للصدق في رحلة البحث عن الحقيقة من جهة والشجاعة والحرية والكمال والجمال من جهة أخرى فجعلاه منهاجًا عمليًا تطبيقيًا لمعالجة الأزمات السياسية وتهذيبًا وتثقيفًا للمعارف التي يجب على المعلمين اتباعها في برامجهم التربوية لتخليص الأذهان من خرافات الأساطير بعد نقدها وأكاذيب الشعراء الخياليّة وادعاءات المروجين للأقوال السفسطائية وعلى الرغم من اتفاقهما على أن الكذب لا يحوي سوى الشر والإفك والزيف والتجديف وإضلال وعي الفرد وتقيد حريته وكمال ذهنه وإفساد المجتمع وتماسكه واستقامة حكامه وعدالة قوانينه بل والتجديف على عالم الألوهية أيضًا.
فاذا ما طالعنا آراء سقراط التي رددها تلاميذه من بعده فسوف نجدها تنطق بلسان محاوراته (فالكذب عنده يعبر عن مفسدة النفس والعلاقات بين أفراد المجتمع، وذلك بادعاءاته ودسه وخلطه وتزويره وتزيفه للحقائق وتشكيكه في قيمة الحكمة التي ينتجها العقل المستنير ورسوخ الفضائل في المدن الراغبة عن الرذائل، وأنه مفسد للعقول بإفراطه في القدح والمدح والنفاق والتهوين والتهويل. أمّا الكذبة النبيلة التي رددها تلاميذه من بعده فهي عنده لا تخلو من الشر المتواري وراء الحقائق المزيفة فمن ثم لا تبرأ من الشر والخديعة أيضًا حتى إذا كانت من أجل صالح الجمهور والحفاظ على الهويّة والإخلاص في حب الوطن).
كما بين أفلاطون أن هناك مواضع ومواقف يجب على قادة الرأي في المدن الفاضلة اتباعها منها مسايرة الجمهور فيما يعتقدون من أمور مقدّسة حتى إن كانت مخالفة للعقل أو لم يثبت صحتها أو صدقها كما يبيح صاحب الجمهورية اصطناع بعض الأكاذيب محدودة الشر لتهدئة النفوس الثائرة أو العقول الجامدة لأن تلك الأذهان غير مهيئة لقبول الحقيقة المقطوع بصحتها دفعة واحدة أو الاستماع إلى ما يخالف ما ورثوه من معارف، ورسخ في مخيلاتهم من معتقدات فها هو أفلاطون يقول (إن الكذب يكون جائزاً في الحرب لخداع الأعداء أو خلال الثورات أو هياج السوقة والحمقى غير المنضبط فالكذب يهدأ من روعة الغاضبين وكذا في تصور الوقائع التي يصعب على العوام إدراكها إما لقدمها أو لصورها التي لا تدركها العقول البسيطة أو الجاهلة ويضيف أن الصور التي نقلها هوميروس عن عالم الآلهة هي محض كذب؛ لأنها تسيء للدين وتحرض الشباب على الألحاد وعليه يجب إقصاء كل المزورين ومزيفي الأحداث التي تجري في عالم المثل وخارج أسوار المدينة الفاضلة).
ولم يخالف أرسطو (348:322 ق.م) أستاذه صاحب الأكاديمية فيما ذهب إليه تجاه حكمه على قيمة الصدق والكذب فقد ذهب المعلم الأول إلى أن الصدق وسط عادل وفاضل بين رذيلتين كلاهما كاذب (فالمبالغة والتعمية طرفين لحقيقة تبرأ منهما. وإن كان أرسطو ينحاز إلى المبالغة في مدح الأخيار غير أنه يقبل كل صور قدح الأكاذيب لعظم شرورها غير أنه يعود ليؤكد أن الرجل الصادق هو الذي ينتصر دومًا للحقيقة بمنأى عن أي شكل من أشكال المصلحة أو المنفعة حتى إذا كان المنتفع هو نفسه أو ذويه؛ فالرجل الصادق عنده هو الذي يُصرح بالحق ولا يكتمه بقطع النظر عن أن يكون هذا التصريح مخالف لوجهته أو ضارًا لمنفعته.
ويقول أيضًا أن الشخص الشريف يقول الصدق دومًا وعليه يستحق المزيد من الإعزاز والاحترام).
***
تلك كانت أشهر أقوال حكماء الشرق وأكبر فلاسفة الغرب الأخلاقية الكلاسيكية التي أثرت بطبيعة الحال في جل خطابات التربويين اللاحقين عليهم في سائر الثقافات على تباينها واختلاف أزمانها والوعاظ والأدباء والمعلمين وأحكامهم على تلك الثنائية التي لعبت ومازالت تتحكم وتقود وتوجه أقوالنا وسلوكياتنا بل وجداننا ومشاعرنا أيضًا فعلى الرغم من تباين منابت الأفكار الرئيسة التي شكلت بنية خطاباتهم جمعيًا تجاه فضيلة الصدق ورذيلة الكذب؛ فإنها تحتاج إلى رياضة (قراءة القراءة) التي ينتهجها المتفلسفة المعاصرين في تحليلاتهم النقديّة وابداعاتهم التأويلية ومراجعاتهم النسقية.
فلا غرو فإن تلك الأقوال قد نجحت في جعل هاتين القيمتين التطبيقيتين (الصدق والكذب) بمثابة حصر الزاوية أو السياج الحاوي للمباحث الفلسفية الرئيسة (الوجود، المعرفة، القيم) فجعلوا الصدق هو جوهر الوجود والهويّة، وقرين الحقيقة والمرادف للمرايا العاكسة للواقع وهو أيضاً معيار صحة وسلامة التأملات والاستنتاجات والتجارب والتحليلات والتوقعات المخططة للمستقبل، ذلك فضلًا عن كون الصدق شقيق الخير، ورفيقاً للحب والوفاء، وتاجاً رفيعاً يتميز به الحكماء العاشقين للكمال والجمال والجلال؛ وهو أعلى درجات سلم الرقي إلى عالم المثل والنقاء حيث مقام الأرواح الخالدة والسعادة الدائمة بمنأى عن عذابات المادة وشهوات الجسد.
أمّا الكذب فقد جعلوه في آخر دركات الرذائل وأعمق أخاديد الخبث والدهاء، ليكون منبع الشرور التي يصطنع منها الشيطان وندمائه من البشر آلياتهم لتضليل العقول وإغواء الأنفس وإفساد الأذواق وثمل الأعين وإعماء البصائر عن سبيل الرشاد، ونشر الفتن والكراهية والتجديف والتحريف والتزييف، وغير ذلك من المهلكات التي حرص أولئك الحكماء على التحذير منها والسير في ركابها.
وعلى الرغم من ذلك التوافق النسقي في السرد، وذلك المضمون العقلي في الترغيب والترهيب، ووحدة المقصد في غاية كل الخطابات رغم تعدد منابت مصادرها؛ فإن الرؤية النقديّة تقودنا إلى الإشادة بعبقرية الحكماء التي قامت بتطويع خطاباتهم الوعظية لخدمة النهوج التربوية من جهة -التي يقوم بها الأبوين في البيت والمعلمين والمثقفين في المجتمع أيضاً - والطابع العام للفلسفات -الخاص لكل منهم على حدى - التي أنتجت ذلك الخطاب النقدي الرائع من جهة أخرى.
فاذا ما قمنا بتحليل الفكر المصري القديم حيث أقوال تحوت وقصص أيزوريس ونصائح أمحوتب سوف نجدها قد انطلقت من البنية الغنوصية الأسطورية ونجحت في بلورة خطابها الوعظي على نحو مفاده أن ما جاءت به تجاه الحكم على قيمتي الصدق والكذب ما هو إلا ترديد لصوت عالم الكمالات حيث الحق في ذاته والخير المحض الذي لا يرشد إلا للمصلحة والمنفعة في الدنيا ويمهد الطريق لمن يتبعهم إلى السعادة والهناء في العالم الآخر؛ الأمر الذي يتفق تمامًا مع الطابع الرئيسي لعقيدتهم التوحيدية وإيمانهم بالقدر وخيرية العمل والثواب والعقاب.
وقد سار على نفس النهج زرادشت ويرجع ذلك إلى قوة فكره العقدي المؤمن (بالتوحيد الإلهي) وعبقريته في تطويع النسيج الأسطوري الموروث الذي تحدث عن صراع الشيطان والخير (أهرمان وأهرمزه)؛ فجعل الكذب هو صوت أهرمان الشرير. أما الخير والصلاح والفلاح فيمثله أهرمزه. وعلى الرغم من براعة زرادشت وعقلانية خطابه إلا أن أثره لم يقدر على تبديل الفكر السائد المفعم بالصراع الدموي والمستغرق في الرذائل واللذائذ المادية.
وللحديث بقية لاستكمال قراءتنا لبنية خطابات حكماء الشرق وفلاسفة الإغريق الأخلاقيّة.
***
بقلم: د. عصمت نصّار