آراء
علاء اللامي: فرضيات المستشرق فيرين.. هل حدث فتح عربي إسلامي للأندلس فعلا؟
حول فرضيات المستشرق الأندلسي إيميليو غونزاليس فيرين ونفيه لحدوث الفتح العسكري العربي الإسلامي للأندلس: عطفا على مقالتي ليوم أمس حول سلسلة مقابلات الإعلامي المغربي ياسين عدنان حول الاستشراق، وتحديدا، أود التعقيب على ما ورد في حديث أحد ضيوفه وهو الباحث إيمليو فيرين - من فرضيات قد تبدو مفاجئة إنْ لم أقل صادمة لبعض القراء الذين استفسروا مني حولها وحول مدى صحتها تأريخيا. من تلك الفرضيات واحدة تفيد نفيه لحدوث فتح عربي إسلامي حربي للأندلس، وترجيحه حدوث ما يسميه "ثورة ثقافية سلمية" امتدت من بلاد المغرب إلى شبه الجزيرة الإيبيرية. أود التذكير هنا بأن هذا الموضوع ليس جديدا، وسبق لي أن ناقشت هذه الفرضيات في مقالة نشرت قبل خمس سنوات بعنوان "هوية الأندلس اليوم كما يراها مثقّفوها". وقد طوَّرتُ لاحقا هذه المقالة إلى دراسة نشرتها رفقة دراستين أخريين في كتابي "الأندلس قوة المثال وانبعاث الهوية ودراسات أخرى في التاريخ والتراث" الصدر عن دار فضاءات الأردنية سنة 2024.
أدرج هنا بعض ما كتبته من ملاحظات نقدية حول فرضيات الأستاذ فيرين في مقالتي ومن كتابي المذكورَين:
* "إنّ أحد المؤرّخين في هذه المجموعة، وهو إيميلو فيرين، يبالغ في إنكار حدوث غزو أو فتح عربي إسلامي لجنوب شبه الجزيرة الإيبيرية، ويعتقد بدلاً من ذلك بحدوث ما يسمّيها «ثورة ثقافية» جاءت أو تمدّدت من الشرق، وأثمرت عن قيام الحضارة الأندلسية ذات التعدّدية الدينية واللغوية والثقافية بعامة، ولكن الخطّ العام لكلامه وكلام زملائه مهمّ وجديد وجدير بالتأمل والدراسة بهدف وضعه في سياقه التاريخي واستجلاء معالمه ومضامينه واستشراف آفاقه.
* تأريخياً، لا تُعتبر فكرة "عدم حدوث غزو عربي إسلامي لشبه الجزيرة الإيبيرية" جديدة تماماً. وهناك روايات وردت حتى في المصادر العربية تحدثت عن حالة تخلخل في الحكم واضطراب في بلاد الأندلس قبل قدوم العرب. فهناك مَن تحدث عن اضطرابات سياسية كبيرة وقعت آنذاك، حين حاول بعض المُلوك القوط الخروج على طبيعة التنظيم القبلي لمجتمع المملكة القوطيَّة بجعل نظام الحُكم وراثيًاً، ما أدَى إلى إثارة التنافُس بين الطامعين في العرش. حتَى أضحى تاريخ الملكيَة القوطيَة، في أواخر عهد المملكة، سلسلة من المُؤامرات والاغتيالات والحروب الداخليّة.
* ولم يلبث هذا الصراع الداخلي أن دخل مرحلته الأخيرة في عهد الملك إخيلا الثاني، وكان إخيلا الأول قد قُتل في واحدة من ثورات شعبه سنة 554م، واستمرّ الصراع والاضطرابات في عهد خُلفائه، وأدّى إلى ضعف المملكة وسُقوطها بيُسر في أيدي المُسلمين. وهناك من تحدث عن تواطؤ حدث بين حاكم طنجة وسبتة القوطي يليان والعرب المسلمين وسهّل دخولهم الأندلس بسبب خلافاته مع الملك القوطي لذريق "رودريك". وهذه الرواية توردها كُل المصادر العربيّة والإسلاميّة القديمة من دون استثناء. وتفيد رواياتٌ أُخرى بـ"أنَّ يُليان لم يكن يتوقّع، حين طلب المُساعدة من المُسلمين، أن يستقر هؤلاء في الأندلُس، ويبدو أنّه خطّط فقط للاستعانة بهم لخلع لذريق وإعادة أولاد غيطشة (بالإسبانية: Witiza) إلى الحُكم". والخلاصة، حتى هذه الروايات لا تنفي حقيقة وقوع الغزو العربي لشبه الجزيرة والسيطرة عليها بالسلاح، خلافاً لما يقوله المؤرّخ الأندلسي المعاصر إيميلو فيرين".
* ومن كتابي سالف الذكر، ومن دراسة بعنوان "حضارة الأندلس والثقافات الثلاث" أقتبس لكم الفقرات التالية وعذرا لطول المقتبس:
* "يذهب الباحث إيميلو فيرين في الوثائقي التلفزيوني "ثلاثية الأندلس: حكاية الشاطئين"، إلى أن: "الحديث عن الاحتلال العربي لشبه الجزيرة الإيبيرية أمر مصطنع، ومجرد بروباغندا (دعاية كاذبة موجهة) وحكاية عُدَّتْ كتاريخ حقيقي لتبرير سقوط الحكم القوطي، ويصبح هذا الحديث ضرورة ملحة عندما يرتبط بالفترة اللاحقة فترة الاستعادة "حروب الاسترداد".
لا يمكن أن نتفق بسهولة مع فيرين في ما ذهب إليه، فحقائق التاريخ أكثر صلابة وثقلاً مما نتصور، ولا يمكن نفي الفتح العسكري العربي لشبه الجزيرة الإيبيرية أو ما يسميه "الاحتلال العربي".
يقول فيرين في معرض تفنيده للحدث العربي إنَّ "تاريخ فتح العرب لشبه الجزيرة الإيبيرية كتب بعد مائة وخمسين سنة بعد سنة 711م، وهناك رواية عربية وأخرى لاتينية للأمر، وهي مجرد حكايات تاريخية عربية ولاتينية وليست مصدراً موثوقاً للتاريخ. هناك عملات وأختام ونقوش، لكن لا توجد وثيقة يعتد بها تقول كان هناك غزو عربي، بل كان هناك تعريب، ثورة ثقافية ودينية وسياسية جاءت من الشرق إلى الغرب. وإذا درس تاريخ الأندلس بترتيب وروية فلن يمكن القول حينها أن العرب غزوا الأندلس".
* تفنيد آراء فيرين: ويمكننا القول إنَّ اعتراضات فيرين هنا على واقعة الغزو العربي لا يعتد بها علميا، فحتى مقولة "التعريب القادم من الشرق" يمكن وضعها في السياق التاريخي لما بعد حدث الفتح الحربي دون أن تتغير الصورة كثيرا، إذ إنَّ الفرادة لم تكن في حدث الفتح الحربي بحدِّ ذاته، بل في ما تمخض عنه لاحقاً من اكتمال تجربة فريدة في البناء والتكون الحضاري الإنساني المثقفي الجديد والذي لا عهد للقارة الأوروبية الكالحة والجرداء حضارياً به عصر ذاك. هذا أولاً، وثانياً فالرقم الذي يؤرخ به فيرين لأول الكتابات التأريخية العربية واللاتينية لفتح الأندلس وهو مائة وخمسون عاما - بعد الفتح -غير دقيق تماما، ولدينا "تأرخات" ووثائق مكتوبة أبكر من هذا التاريخ بكثير؛ منها مثلا، كتاب أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الحكم. وهو مؤرخ مصري ولد في القرن الثاني للهجرة وبالتحديد سنة 187 هـ أي بعد ثمانين عاما من سنة 107 هـ التي اكتمل بها الفتح العربي الإسلامي للأندلس. وقد أفرد ابن عبد الحكم فصلاً خاصاً هو الخامس ذكر فيه كيفية وتفاصيل الفتح العربي لشمال إفريقية والأندلس والنوبة.
والأهم من هذا الدليل التأريخي - وفي المناسبة فالعملات والأختام والنقوش هي بحد ذاتها وثائق تأريخية ولا نرى موجباً لأن يفصل الباحث فيرين في كلامه بينها وبين الوثائق - هو أن لدينا وثائق مهمة عن مجريات الفتح ومنها وثيقة الصلح المؤرخة في سنة 94 هـ، والتي استسلم بموجبها حاكم إحدى المقاطعات القوطية لجيوش المسلمين بقيادة عبد العزيز بن مُوسى بن نُصير. والحاكم المقصود هو نبيلٌ قوطيّ عرفهُ المُسلمون باسم "تُدمير" ويُلفظ في لُغته الأُم "ثيوديمير". وكان ثيوديمير يعيشُ شبهَ مستقلٍ في تلك المنطقة مُنذ أيَّام لُذريق "رودريك"، الذي قيل بأنَّهُ استخلفهُ على الأندلُس قُبيل اندلاع معركة وادي لكة الشهيرة. ونقرأ في هذه الوثيقة: "كتابٌ من عبدُ العزيز بن مُوسى بن نُصير لِتُدمير بن عبدوس أنَّهُ نزل على الصُلح، وأنَّ لهُ عهد الله وذمَّة نبيِّه "ص" ألَّا يُقدَّم لهُ ولا لِأحدٍ من أصحابه ولا يُؤخَّر، ولا يُنزع من مُلكه، وأنَّهُم لا يُقتلون ولا يُسبون ولا يُفرَّق بينهم وبين أولادهم ولا نسائهم، ولا يُكرهوا على دينهم ولا تُحرق كنائسهم ولا يُنزع من كنائسهم ما يُعبد. وأنَّهُ صالح على سبع مدائن: أوريولة وبلتنة ولقنت ومولُه وبلَّانة ولورقة وألُه، لا يُؤوي لنا آبقاً ولا يُؤوي لنا عدُوّاً ولا يُخيفُ لنا آمناً ولا يكتُمُ خبرَ عدوٍّ علمه/ الإمامة والسياسة لابن قتيبة الدينوري ص 136 –ج1".
وقد تم الاتفاق على هذه الوثيقة بعد معارك عنيفة كبرى من أهمها معركة "لكة" الدامية سنة 92 هـ، وكانت هذه الاتفاقية التي عقدت بعدها بأقل من عامين نتيجة لها بشكل من الأشكال. والتزم العرب بهذه المعاهدة على الرغم من أنها انطوت يومها على خدعة حربية من قبل ثيوديمير، ولكن العرب المسلمين التزموا بما عاهدوا القوطي عليه. أما مصير ملك الأندلس القوطي لذريق الذي هزمه العرب المسلمون فقد بقي مجهولا لفترة طويلة، حتى كشفت إحدى المخطوطات القوطيَّة العائدة إلى القرن التاسع الميلاديّ عنه وورد فيها "أنَّهُ عُثر في قرية "إقطانية"، الكائنة في الپُرتُغال اليوم، على شاهد قبرٍ نُقش عليه عبارة "هُنا يرقُد لُذريق، ملك القوط".
***
علاء اللامي
...................
* رابط يحيل إلى مقالة "الأندلس قوة المثال هوية الأندلس اليوم كما يراها مثقّفوها"
https://www.al-akhbar.com/Opinion/295762
* رابط آخر يحيل إلى مقالة "الأندلس قوة المثال هوية الأندلس اليوم كما يراها مثقّفوها" لمن لا يظهر لديهم الرابط الأول
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=697174
* رابط يحيل إلى خبر صدور كتاب "الأندلس قوة المثال وانبعاث الهوية" وتعريف بالكتاب:
https://www.facebook.com/share/p/17kVRhiwyp/






