آراء

محمد عمر: الليبيون الذين لا تعرفون!

يبدو من سمات الليبيين الفريدة، إنهم – في الكثير من القضايا - ملكيين أكثر من الملكيين أنفسهم، فنحن حينما نشجع نكون أكثر صدقاً وجهداً وتطرفاً ومغالاة من اللاعبين الأساسيين، ففي هذا نشبه المشجع الذي يشجع مشارك ما في سباق المارثون، فيجري ورائه وبجانبه بل ويسبقه بمسافة كبيرة لخط النهاية ويصل قبله، دون أن ينال أي تكريم أو جائزة أو يهتم لذلك، هذا ينطبق علينا حتى في الطرب الشعبي، فالجمهور الشعبي في ليبيا يغني أفضل وأكثر إنسجام وأداء من المطرب نفسه، وهذا السلوك نمارسه أيضاً في السياسية ومسألة المبادئ والأفكار، وهو أمر ليس جديداً أو غريباً عن طباعنا وسماتنا، بل هو قديم ويعد سمة ليبية خالصة وفريدة، فتعاملنا مع قضية (الوحدة العربية) سبقنا فيها العرب أجمعين منذ الردود العميقة للشيخ (سليمان الباروني) على (الأمير شكيب أرسلان) ودفاعه عن (وحدة المغرب والمشرق العربي) عام 1937م، وقد جربنا وعشنا - في النصف الأخير من القرن الماضي - خصومات سياسية متنوعة ومتعددة الإتجاهات مع دول وأنظمة عربية، بسبب مبدأيتنا السياسية في طرح قضية الوحدة العربية والإصرار على تحقيقها أكثر من أي عربي أخر، وهو ما جر علينا أغلب المشاكل والخصومات السياسية العربية، وسترى أيضاً هذه السمة الليبية في القضية الفلسطينية، فنحن من اليوم الأول لها نهاية أربعينيات القرن الماضي، كنا أول كتيبة تتوجه للمعركة قبل العرب الأخرين، وذكر "ياسر عرفات" أن أول بندقية إستلمتها منظمة التحرير الفلسطينية كانت من ليبيا، وفي القضية القومية وما أسميناه (قومية المعركة) منذ بداية سبعينيات القرن الماضي، قومننا المعركة والخطاب السياسي، وإنعكس ذلك على الموقف السياسي العلاقات الثنائية مع بقية الأنظمة والبلدان العربية، ودفعنا فيها الثمن من علاقاتنا الثنائية مع أغلب الأنظمة العربية تقريباً، وفي مسألة الوحدة الأفريقية وإنشاء الإتحاد الإفريقي عام 1999م، تحول الليبيون سياسياً لأفارقة أكثر من أي أفريقي أخر، فالليبي في هذا يتعامل على إنه الأفريقي الأول والأفريقي الأخير، وأخذ الليبيون على عاتقهم قضية القارة بأكملها – رغم قلة عدد سكان ليبيا – بالمقارنة بدول أفريقية أخرى، وبذل الليبيون بمصداقية عالية كل ما يملكون في سبيلها بكل مصداقية، وتحملوا كل العداوات مع دول كبرى في ذلك، حتى تم غزو ليبيا عام 2011م جهاراً نهاراً.

وفي الإنتماء السياسي، الليبيون يتبنون الأفكار السياسية ويصبحون أصحابها أكثر من أصحابها الأساسيين، ففي العمل القومي تقومن الليبيون حتى لم يعد يروا ليبيا واقعاً ولا حتى وجود، وأذكر إني شاركت نهاية ثمانينات القرن الماضي في الهتاف بكل صدق (طز في ليبيا الإقليمية فلتحياء الأمة العربية) وكنا في ذلك صادقين للعظم قيادة وحركة وجماهير، حتى إن أستاذ فاضل من كبار القوميين العرب حدثني قبل أسابيع بالملاحظة ونبهني لصورة الليبيين بعيون القوميين العرب، حين قال لي "أنتم الليبيون مغاليين في مسألة القومية العربية" وأظاف فيما بعد بقوله "أنتم أعطيتم العروبة في شتى الأرجاء من دمائكم وقوتكم"، ففي الحقيقة كنا قد فقنا في ذلك حتى "جمال عبد الناصر، وميشيل عفلق، والشيخ عبد الحميد بن باديس" والعرب أجمعين، وسبقناهم وأستمرينا فيها طوال 40 عاماً، كذلك في مسألة (الإشتراكية) تطرفنا حتى ألغينا التجارة تماماً وجففنا حتى المصانع البسيطة، بحجة الحرص على عدالة توزيع عناصر الإنتاج إشتراكياً دون أي إلتفات لمسألة "حساب التكاليف"، فالمهم عندنا هي الفكرة والمبداء كعادتنا وطبيعتنا، وسبقنا في ذلك كل إشتراكيي العالم المعتقين بمن فيهم "كارل ماركس وإنجلز وحتى ماو"، وفي الإنتماء لتنظيمات الإسلام السياسي - منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي - يأتي الليبيون في مراتب متقدمة من حيث التطرف وفي مسألة الإنتماء والمحافظة على سياق الفكرة، فالليبيون المنتمين لتنظيم (الإخوان المسلمين) بعد عام 2011م أخذوا البلاد كلها بأموالها لتكون" كنز التنظيم العالمي" ولا يعني لهم الوطن الليبي في هذا أي إعتبار - فالإعتبار دائماً للفكرة والمبداء - أكثر مما فعل المرشد العام في مصر أو تركيا، وفي "التيار السلفي" القادم من المملكة العربية السعودية، يكفي أن تلاحظ ان الليبيون السلفيين، سلفيون أكثر من المركز في المملكة السعودية، فهم (مداخلة) أكثر من "ربيع المدخلي" نفسه، بل وصاروا يزايدون حتى عليه، وترى الليبيون متوزعين ومنقسمين حتى على الخلافات النسبية بين مشائخ السلفية في السعودية، صادقين في إنتمائهم ومبدأيين في المحافظة على الفكرة ونقلها لمجتمع مالكي وصوفي حتى العظم تاريخياً، وأنشأوا في ذلك ما يزيد عن 40 محطة راديو يديرونها من أجل "سلفنة" المجتمع الليبي بأسرع وقت، وحتى فيما جد على المجتمع العربي الليبي من مُستجد (المازيغية)، التي لم تعرفها ليبيا في تاريخها، يسبق ويتطرف ويعمل اليوم عليها بعض الليبيون المتبنين لفكرتها، أكثر وأوسع وأسبق حتى من المغاربة والجزائريين أين ولدت الفكرة، وحققوا لها ما لم يتحقق هناك حيثما ظهرت وبرزت وتخمرت فكرتها، صادقين فيها ومصدقين لها أكثر من الجزائريين "مولود معمري" و"فرحات مهنى"، و" كاتب ياسين"، وأكثر حتى من المغربي "أحمد عصيد"، نفسه.

إنهم الليبيون حتى في الفن، فالجمهور الليبي يغني بعمق وإحساس بشكل رائع وجميل، يطرب المستمع والمشاهد أكثر من المطرب نفسه، وهي ظاهرة ليبية بإمتياز، حتى في مجال الطرب الشعبي والأهلي خاصة في الأفراح، ويكفيك لتعرف - وتحس بذلك - أن تستمع لأغاني الأفراح الليبية، ففي الجبل الغربي والجبل الأخضر وفي الجفرة، أو مرزق، أو درنة أو حارات بنغازي وطرابلس، ستجد الجمهور الحاضر يبدع أكثر من أي "كورال" تدرب على أداء الإغنية، وفي أعماق الجنوب سبها وأوباري - على سبيل المثال - الحضور من النسوة في حفلات الأعراس يبدعن في المشاركة في الأغاني أكثر من (الفنانة حسنة) التي تتربع على عرش الطرب الشعبي في أفراح سبها والجنوب، وسترى ذلك في جمهور (الغيطة) في شوارع بنغازي، وفي حفلات (الزمارة) في درنة، وفي حفلات (الزكرة) في الجبل الغربي، وفي حفلات (الكشك والمجرودة) في الوسط والشرق الليبي، وستراه بوضوح في حلقات الطرب الجماعي في أفراح الجفرة في واحتي "سوكنة و هون و ودان"، وستراه في الأعراس حيث يتحول الأهل للطرب الجماعي الممتع المبدع الرأئع، ويقدم هذا الجمهور الإبداع والإحساس العميق أكثر وأجمل مما يقدمه المغني أو المطرب نفسه، بهيام وإتقان وإنسجام عالي، هذه السمة والطبع ستراه أيضاً في تشجيع الأندية الأوروبية، فالمشجعين الليبيين للأندية الأُوروبية أكثر تطرفاً ومغالاة ومتابعة وإنفعال وصراخ من الأوروبيين أنفسهم، حيث تسمع غالباً نقاشاً محتدماً بين مجموعة حول فرق "ريال مدريد و برشلونة وميلانو"، أكثر وأشد شراسة من "الطليان والأسبان" أنفسهم، وفي تشجيعهم للأندية الليبية نفسها، الجمهور الرياضي الليبي، أكثر تطرفاً من لاعبي الأندية الليبية المتنافسة مثل "الأهلي والإتحاد، والنصر وأهلي بنغازي"، فغالباً يخرج اللاعبين متصافحين، بينما يبقى جمهور المشجعين لأشهر طويلة منفعلاً يكيل السباب لبعضه البعض، ويحتفل بالفوز على بعضه البعض، يجتر المعارك الكروية والخصومات بكل إنفعال وصدق وهيام وصراخ.

إنهم الليبيون، شعب له سمة وخاصية الهيام والغرق والإبداع فيما يتبنون، حد العمى وحد الثمالة، يسكرون بما يتبنون من توجهات، إنهم نفسهم الليبيون في تصديقهم للأمم المتحدة أكثر من العاملين في هذه المنظمة الظالمة، وفي تصديقهم لحلف الناتو وقادة الدول الغربية، وفرق المخابرات الغربية المتسترين كصحافيين وإعلاميين أوروبيين، أكثر حتى من أعضاء هذا الحلف، يبررون له قصف ليبيا وتدميرها بحجة الديموقراطية وحماية المدنيين، رغم ما يتم قوله ونشره وإعلانه عن الأسباب الحقيقية لغزو حلف الناتو لليبيا عام 2011م، فمغالاة الليبيون في تغطية ما حصل بتصور تحقيق الديموقراطية، يفوق حتى تصور الأوروبيين والأمريكان فيما فعلوه بليبيا (القادة الأوروبيون والأمريكان ينشرون بعض الأحيان الأسباب الحقيقية للهجوم على ليبيا عام 2011م)، هذا السلوك الليبي هو نفسه حتى في الحرب الأهلية، التي إندلعت عقب تدخل حلف الناتو وإسقاط النظام عام 2011م، حيث تبنى ودخل الليبيون مرحلة من الإنتقام والقتل والإسراف فيه، حد لا يمكن تصوره - ولا أحد يعرف لماذا إنفجر كل هذا الحقد الأعمى، الذي عم البلاد على كل شيئ فجأة – وفيما بعد بنفس السمة والخاصية، تبنى الليبيون وجنحوا للسلم والأمان والأُخوة كما لو لم يحدث شيئاً، وإنحسرت الضغائن والمأسي والأحزان بشكل فردي وأُسري، وتمت محاصرتها بطبيعة المجتمع الذي رتق الفتق، وسرعان ما تبنوا وداووا جراحههم ولملموها، وكأن شيئاً لم يحدث، بإسم مبداء المصالحة الوطنية.

 هؤلاء هم الليبيون طبيعتهم في هذا، تحتار أن تصفها، هل هي غريبة من غرائب الشعوب، أم سمة وإيجابية من سماتها، فحينما يحدثك الليبي عن (الإسلام) هو يتحدث معك على أنه (المسلم الأول والأخير والوحيد)، وحينما يحدثك عن (الأُمة العربية) يحدث على أنه العربي الأول الصميم، وحينما يتحدث عن الجهاد ضد الإستعمار فهو يضحي بنفسه وماله كما فعل في فلسطين ولبنان، وفي تشاد إبان الإستعمار الفرنسي، أكثر حتى من أهل البلاد أنفسهم، وهو نفسه سلوك الليبيين في مرحلة (جهاد بريجنسكي) في إفغانستان، حينما ذهب بعض الليبيون جماعات ليشاركوا فيه بكل رضى وإقدام، إنه الليبي يعمل على الفكرة كصاحبها ومسؤولها الأول حينما يتبنى قضيتها أياً كانت القضية أو الفكرة، وهو مستعد أن يقرر الدعم المالي السخي لدولة أخرى، دون أي إعتبار لحاجة البلاد والأسر الليبية لأموالها، ودون أي بُخل أو تراجع.

يالها من مفارقة، ملفتة، يمكن وصفها بالمصداقية والمبدأية والوضوح والجسارة والإقدام والصفاء من جهة، ويمكن من جهة أخرى وصفها بأنها تصديق أعمى وإنجراف وتطرف طبعي (من الطباع)، وسهول الإنسياق مع الجو العام والموجة، وعجينة يمكن أن تتشكل بسهولة، في الهيام بالفكرة والسباحة والغرق فيه، دون أي تراجع أو تفكير و دون أي حسابات أو وسطية، صادقين يبذلون الغالي والنفيس، والروح والوطن، والبلاد والعباد في سبيله، وهي ظاهرة وسمة تحتاج لسبر غورها الإجتماعي والنفسي، بحثياً، في تفاصيل هذه البلاد، وهذا المجتمع الخام الذي سرعان ما يتشكل ويندمج ويدخل ويتبنى ويمول ويدافع عن الفكرة والقضية، التي تستولي عليه، فيصبح هذا المجتمع - أو على الأقل أفراد كُثر وجماعات منه - أصحابها أكثر من أصحابها ومُنظريها انفسهم، يهيمون بها وفيها، ويتحولون لأداتها ولسانها وسلاحها وأهلها، إنهم الليبيون يهمون في الإغنية يؤدونها أكثر وأجمل حتى من مطربها، يغنونها بأكثر إحساس وأبداع وعمق وهيام وإتقان، من كاتب كلماتها وأكثر إتقاناً من ملحنها، وأكثر وأجمل بكثير حتى من مغنيها ومطربها ومؤديها الأول، نفسه، هؤلاء هم الليبيون الذين لا تعرفون.

***

د. محمد عمر غرس الله

 

في المثقف اليوم