دراسات وبحوث

تيودور أدورنو: التربية ضد الإبادة العرقية والتطهير الديني

إعداد وترجمة

د. علي أسعد وطفة

***

"إِنَّنَا الْيَوْمَ نَرْقُصُ رَقْصَةَ الْأَشْبَاحِ… وَلَكِنَّنِي لَسْتُ مُوقِنًا مِنِ اسْتِرْدَادِ مَعْنَى الدَّائِرَةِ، لَقَدِ اجْتُثَّتِ الشَّجَرَةُ الْمُقَدَّسَةُ مِنَ الْجُذُورِ وَلَكِنْ… مَا يُدْرِيكَ! لَعَلَّ هُنَاكَ جَذْرًا صَغِيرًا فِي الْأَرْضِ وَلَعَلَّهُ يَكْبُرُ لِيَصِيرَ شَجَرَةً مِنْ جَدِيدٍ."

الأَيِّلُ الْأَسْوَدُ (Black Elk) (1)

"أَحْيَانًا يَبْدُو التَّارِيخُ وَكَأَنَّهُ شَاعِرٌ مَجْنُونٌ، يُعِيدُ كِتَابَةَ مَآسِيهِ، لَا لِيُحَسِّنَ الْمَعْنَى، بَلْ لِيُكَرِّرَ وَيُعَظِّمَ الْأَلَمَ. فَلَا تَنْسَوُا الْإِبَادَاتِ الْجَمَاعِيَّةَ أَبَدًا، فَإِنَّهَا تَتَكَرَّرُ عِنْدَ نِسْيَانِهَا."

عَلِيُّ عِزَّتُ بِيغُوفِيتْش (Ali Izet Begović)

1- مقدمة: كيف نفسّر قيام مجموعات متوحّشة من البشر بممارسة أفظع مجازر التطهير العرقيّ والمذابح الدموية ضدّ مجموعات بشريّة عرقيّة ودينيّة مدنية آمنة؟ كيف يستطيع إنسان ما أن يمارس أشدّ أنواع القتل والتعذيب والفتك بالنساء والأطفال والشيوخ والأبرياء دون أيّ مبرّر أخلاقيّ أو إنسانيّ؟ وما يدعو إلى العجب أنّ هؤلاء القتلة يبتهجون ويفرحون ويهلّلون ويكبرون بعد تنفيذهم لجرائم الذبح والقتل والتطهير العرقيّ والطائفيّ ضد أناس مدنيون عزّل لا يحملون سلاحا ولا حول لهم ولا قوة. وقد شاهدنا عبر وسائل الإعلام ورأينا عبر الشهادات الأمميّة المصوّرة كيف تقوم الجماعات المتطرّفة بقطع رؤوس الأطفال وحرق النساء وقتل الشيوخ وشقّ البطون وأكل الأكباد. وقد رأينا بأمّ العين كيف تُقْتَل عائلات بأكملها بما فيهم الأطفال والنساء والشيوخ والرضّع دون رحمة أو استثناء. والأدهى من ذلك أنّ هؤلاء القتلة يفخرون بجرائمهم ضدّ الإنسانيّة ويتفاخرون ثم يحتفلون ابتهاجا، وقد صوروا أنفسهم وهم يحملون الرؤوس المقطوعة، يرقصون بها فرحا ويقذفونها في الهواء ابتهاجا، ويتلاعبون بها بأقدامهم لهوا، ثمّ يمثّلون بجثث ضحاياهم من الأمّهات المفجوعة والأطفال والشيوخ، وذلك كلّه دون أن تتحرّك فيهم أيّة بادرة للشفقة والرحمة الإنسانيّة. وقد شاهدنا كثيراً من هذه المشاهد في سوريا والعراق والسودان خلال حروب الإبادة الجماعيّة والتطهير العرقيّ الّذي نُفِّذ على أساس طائفيّ وعرقيّ ودينيّ وقوميّ. وما يزال هذا النشاط الدمويّ مستمرّاً واحتمالات انفجاراته قائمة دائمة. والسؤال العجيب الغريب المذهل كيف يمكن لإنسان أن يبتهج ويهلّل ويكبر ويغنّي وينشد وينتفض ابتهاجاً عندما يقطع رأس طفل ويشق احشاءه ويأكل كبده، أو عندما يقتل إنسانا حرقا أو رميا من الطوابق العليا و، الأدهى كيف تتجمد فيهم الإنسانية ليقوموا بقتل الأطفال وذبحهم والتمثيل بهم أمام أمّهاتهم وآبائهم.

والسؤال الّذي يطرح نفسه في المستوى السيكولوجيّ: ما البنية السيكولوجيّة لهؤلاء الوحوش، وكيف جُرِّدُوا من كلّ إحساس إنسانيّ أو أخلاقيّ؟ كيف تحوّلوا إلى كائنات تفوق الوحوش جميعها وحشيّة وضراوة ودموية؟ فالوحوش لا تقتل حبّاً بالقتل، وإنّما هو الإنسان وحده الّذي يتلذّذ بالقتل والتعذيب والقهر. ونحن نقرّ بأنّ وجود هؤلاء الوحوش ناجم عن أيديولوجيّات عرقيّة قمعيّة إباديّة سوداء. وأنّ هذه الأيديولوجيّات المظلمة هي الّتي تحوّل هذه الكائنات المتوحّشة إلى كائنات باردة جامدة لا تعرف الرحمة في القتل وسفك الدماء. وفي التاريخ الإنسانيّ تجارب كثيرة تدلّ على هذه الأنماط الوحشيّة من قدرة الإنسان على الفتك والقتل والتدمير. وإن كنّا نعلم علم اليقين أنّ التربية المتطرّفة والأيديولوجيّات العرقيّة والدينيّة السوداء تشكّل البوتقة الّتي يتشكّل فيها الإنسان الوحش المتطرّف الّذي لا يتورّع عن إبادة أطفال العالم ونسائه وشيوخه دفعة واحدة لو استطاع.

ويذكر في هذا السياق أن أولى حوادث التطهير العرقي في التاريخ الحديث جرت ضد الهنود الحمر بعد اكتشاف الأمريكتين(2)، ومن المعروف أن الجيوش الأوروبية أبادت أكثر من 80٪ من الهنود الحمر، وهم السكان الأصليين لأمريكا الشمالية، في عام 1846 وقد أُبيد 60 مليونًا من الهنود الحمر، وهي الإبادة العرقية الأخطر في التاريخ الحديث التي مهدت لقيام الولايات المتحدة الأمريكية.

وفي أوروبا الحديثة، عاش روّاد مدرسة فرانكفورت، وجلهم من اليهود التطهير العرقيّ لأبناء جلدتهم، وقد شكّلت الأحداث الدامية في الهولوكست وأوشفيتز ضدّ اليهود أحد أهمّ العوامل في تطوّر نظريّاتهم النقديّة. وقد حاول هؤلاء المفكّرون، وعلى رأسهم أدونوا البحث العميق في طبيعة التطهير العرقيّ، وحاول أن يبحث في طبيعة التحوّل الوحشيّ للإنسان إلى قاتل بلا رحمة، وكان يخشى تكرار أوشفيتز ضدّ اليهود، ولم يكن يعلم أنّ أبناء جلّدته سيمارسون أنفسهم وحشيّة تفوق أوشفيتز في فلسطين وفي غزّة وفي مختلف مناطق فلسطين السليبة، وقد نفّذ قومه مذابح كثيرة يندى لها الجبين الإنسانيّ خجلاً في أرض كنعان الحبيبة.

وفي الأحوال كلها ما كان لأدورنو أن يوافق على أيّ من المواقف المضادّة للإنسانيّة في فلسطين أو في غيرها ضد بني الإنسان والإنسانية. في هذه المقالة المترجمة في الأصل عن محاضرة لأدورنو حول التربية والتطهير العرقيّ بعد أوشفيتز، يحلّل أدورنو طبيعة الممارسات التطهيريّة العرقيّة ضدّ البشريّة، ويبحث في العوامل التربويّة والتاريخيّة والسيكولوجيّة في تفسير قدرة البشر والكائنات الإنسانيّة على ممارسة الأفعال التطهيريّة ضدّ الإنسانيّة. ومن الطبيعيّ أن يمكننا أن نفهم كثيراً عن طبيعة التوحّش الإنسان ودور التربية في خفض هذا التوحّش المسعور في مجتمعاتنا وبلداننا.

ولم تكن مشاهد الإبادة العرقيّة والتطهير العرقيّ الرهيبة (الهولوكوست وأوشفيتز) في ألمانيا النازيّة نهاية تاريخيّة للمذابح البشرية في العصر الحديث، فالتطهير العرقيّ الدينيّ والإثنيّ والطائفيّ والسياسيّ لم يتوقّف حتّى اليوم، وما زالت المذابح العرقيّة والدينيّة تتواتر بدرجات ربّما لا تقلّ خطورة وأهمّيّة عن مذابح اليهود والفئات المهمّشة في ألمانيا النازيّة.

ولكن، عندما حدث التطهير العرقيّ ضدّ اليهود والأقلّيّات العرقيّة في أوروبا ألمانيا النازيّة انفجر المفكّرون اليساريّون غضباً وتشاؤماً ضدّ مظاهر هذه الإبادة العرقيّة التطهيريّة لليهود وغيرهم في الهولوكست، وفي معسكرات أوشفيتز الدمويّة. وقد عبر أدورنو المفكّر الثائر عن جام غضبه ويأسه وتشاؤمه وإحساسه بالكارثة ضدّ الإنسان والإنسانيّة، وقد تركت هذه المجازر في نفسه، وفي عقول {واد مدرسة فرانكفورت وأغلبهم من المفكّرين اليهود جرحاً غائراً في العقل والروح والوجدان. والسؤال الكبير الّذي طرحه أدورنو في زمنه هو: أين هو دور الثقافة والتربية في مواجهة هذا لأنماط من التطهير العرقيّ والطائفيّ بحقّ الأقلّيّات الدينيّة والعرقيّة والطائفيّة والمذهبيّة.

لقد استشاط ثيودور أدورنو (Theodor Adorno) (3) غضباً وحزناً وحاله مجال العندل الأسود عندما وجد أهل جلدّته وقومه اليهود يذبحون ويقتلون ويبادون في محارق الموت النازية. والأمر الّذي عظّم بلواه، وأخذه إلى حافّة الجنون أنّ الطبقة البرجوازيّة القومية الألمانيّة ساندت هذه الإبادات العرقيّة ضدّ اليهود ولم تمنعها، وكان من أكثر الأمور تدميراً للعقل والروح والوجدان أنّ طبقة واسعة من المثقّفين الألمان شجّعوا هذه المذابح وأيّدوها، ومن لم يفعل التزم الصمت والسكوت المدمّر الّذي لا يمكن وصفه إلّا بالصمت الإجراميّ المشارك في مأدبة التطهير العرقيّ. وكان عليه أن يبحث عن الأسباب والطريقة الّتي يمكن فيها إيقاف هذه المذابح الكبرى تاريخيّاً، وقد وجد أنّه يجب على المجتمع الدوليّ والإنسانيّ أن يقدّم كلّ ما يمكّنه من فعاليّات ثقافيّة وتربويّة وحقوقيّة، وكان يحلم بألّا تتكرّر كارثة أوشفيتز ومعسكراً التطهير في الهولوكست والغولاغ الشيوعيّة. وقد قاده التفكير إلى البحث عن الدور التربويّ للتربية والأنظمة الثقافيّة في توفير الأطر الإنسانيّة الّتي يمكنها أن تحول دون تكرار أوشفيتز وأمثالها في المجتمعات الإنسانيّة.

وممّا لا شكّ فيه أنّ هذه الجرائم ضدّ الإنسانيّة (الهولكوست أوشفيتز الغولاغ السوفييتي) شكّلت صدمة أخلاقيّة كبرى دفعت الدول المنتصرة في الحرب العالميّة الثانية إلى التفكير في نظام دوليّ يمنع تكرار مثل هذه الكوارث الإنسانيّة، وقد نجم عن جهود هذه الدول ذلك صدور ميثاق الأمم المتّحدة الصادر في 26 يونيو 1945 في مؤتمر سان فرانسيسكو، ضدّ كلّ أشكال الإبادة العرقيّة، وقد جاء فيه "نحن شعوب الأمم المتّحدة، وقد آلينا على أنفسنا أن ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب... وأن نؤكّد مجددا إيماننا بحقوق الإنسان الأساسيّة، وبكرامة الفرد وقدره". ودخل هذا القرار حيّز التنفيذ في 24 أكتوبر 1945، أي بعد انكشاف معسكرات الإبادة النازيّة مثل أوشفيتز أمام الرأي العامّ العالميّ.

ولكنّ أحلام روّاد المدرسة النقديّة من مدرسة فرانكفورت، وعلى رأسهم أدورنو في إيجاد السبل لمنع حدوث هذه المجازر الكبرى ضدّ الإنسانيّة لم تتوقّف إلى يومنا هذا، ومع ذلك فإن التطهير العرقيّ وحروب الإبادة الجماعية لم تتوقّف أبداً بعد أوشفيتز (Auschwitz) وحتّى بعد صدور ميثاق الأمم المتّحدة والإعلان العالميّ لحقوق الإنسان. وقد تواترت هذه الحروب والمذابح ضدّ الإنسانيّة في عدد كبير من مناطق العالم، مثل الإبادة الجماعيّة في كمبوديا (1975–1979) الّتي وقعت خلال حكم نظام الخمير الحمر بقيادة بول بوت (Pol Pot). وقد قدّر عدد الضحايا هذه المجازر بقرابة مليوني إنسان، استهدفت هذه المجورة فئات اجتماعيّة وثقافيّة (متعلّمين، أقلّيّات دينيّة وعرقيّة) ومثّلت نموذجاً لـ«الهندسة الاجتماعيّة» الشموليّة القائمة على التطهير العرقي والطبقي.

وما زلنا نحتفظ في الذاكرة بالإبادة العرقيّة في رواندا عام 1994 الّتي ذهب ضحيّتها - خلال مئة يوم من القتال - نحو 800 ألف من أقلّيّة التوتسي (Tutsi) والهوتو (Hutu). وقد أدّى التحريض الإعلاميّ من خلال وسائل الإعلام والإذاعات والثقافة العنصريّة دوراً مباشراً في التعبئة على القتل والتطهير والإبادة ضدّ الإنسانيّة. ويمكن الإشارة في هذا السياق إلى مجزرة سربرنيتسا في البوسنة عام 1995، وهي واحدة من أبشع جرائم الإبادة في أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية. لّتي وقعت في أثناء حرب البوسنة على أثر تفكّك يوغوسلافيا؛ وقد ذهب ضحيّة هذا التطهير العرقيّ الدينيّ أكثر من 8 آلاف مسلم بوسنيّ بدم بارد، في جريمة تطهير عرقي، وقعت في قلب القارة التي نصّبت نفسها حاميةً للتحضر، ومدافعة عن القيم الإنسانية، لكنها اختارت الصمت—و التواطؤ المقنع—حين دُفن الضحايا جماعياً تحت أعين قوات حفظ السلام الدولية. واعتبرتها المحكمة الجنائيّة الدوليّة هذا التطهير السابقة إبادة جماعيّة، وقد شكّلت اختباراً جديداً لفشل الحماية الدوليّة رغم وجود قوّات أمميّة.

وفي هذا السياق تقفز إلى الذاكرة الإبادة العرقيّة الّذي بدأت فصولها جنوب السودان عام 2003، وقد شهد هذه المنطقة أشكالاً مرعبة من الإبادات الجمعيّة، وقد تحوّل الصراع المسلّح في السودان إلى تطهير عرقيّ ضدّ جماعات إفريقيّة في إقليم دارفور قتل فيها مئات الآلاف، وتعرّض الملايين للنزوح. ولا يمكن للذاكرة البشريّة أن تنسى التطهير العرقيّ في ميانمار الّذي بدأ في 2017، ولم يتوقّف حتّى اليوم بعد ضدّ أقلّيّة الروهينغا (Rohingya) المسلمة في ولاية راخين، وقد شمل هذا التطهير عمليّات قتل وحرق قرى وتهجير جماعيّ إلى بنغلادش. وصفتها الأمم المتّحدة بأنّها تحمل «سمات الإبادة الجماعيّة.

ومن المهمّ في هذا المدار الإشارة إلى مذابح الإيزيديّين في سنجار العراق عام 2014 التي صنفت بأنها من أبشع أشكال الإبادة الجماعيّة والتطهير العرقيّ في القرن الحادي والعشرين من حيث وضوح القصد والطابع المنهجيّ للجرائم. ويذكر في هذا السياق أن تنظيم داعش (تنظيم الدولة الإسلاميّة) اجتاح منطقة سنجار الإيزيدية في 3 أغسطس من عام 2014، وبدأ مقاتلوه بتنفيذ أبشع الجرائم وأخطر أنواع التطهير العرقيّ ضدّ الإيزيديّين في المنطقة، وقام متطرّفو داعش بخطف النساء والأطفال والفتيات وبيعهنّ كسبايا في أسواق النخاسة، وجُنِّد الأطفال قسراً؛ ومن ثمّ تمّ حصار آلاف المدنيّين في جبل سنجار بلا ماء أو غذاء، وهو الأمر الّذي تسبّب موت الآلاف من الإيزيديّين بسبب العطش والجوع. وقد وصفت الأمم المتّحدة ولجان تحقيق مستقلّة أنّ ما جرى للإيزيديّين يرقى إلى إبادة جماعيّة وفق تعريف اتّفاقيّة منع جريمة الإبادة الجماعيّة. وتبيّن الإحصائيّات أنّ عدد القتلى بلغ نحو 3,000 – 5,000 قتيل في الأسابيع الأولى من الهجوم، وحوالي 6,000 – 6,800 شخص اختطفوا أغلبهم نساء وأطفال، وقد عثر لاحقاً على عشرات المقابر الجماعيّة في سنجار ومحيطها، وما زال آلاف المفقودين الّذين لا يعرف مصيرهم بعد، وقد تميّزت هذه الإبادة بالقتل الممنهج للذكور البالغين، والاسترقاق الجنسيّ المنظّم للنساء والمستضعفين والتهجير القسريّ والقتل النظم.

وفي السودان ما تزال هذه المذابح متنقّلة أبرزها مذابح الفاشر (أكتوبر 2025)، وقد ذهب ضحيّتها أكثر من 2000 شخص، بينهم مئات المرضى داخل مستشفى، ونزح نحو 26 ألفاً. وهناك تقارير تحدّثت عن إعدامات بدوافع عرقيّة ومقابر جماعيّة. في مذابح جلنقي (أغسطس 2024 – سنار) والهلاليّة (نوفمبر 2024) ومسجد الفاشر (سبتمبر 2025) الّذي تمّ فيه القضاء على 75 ضحيّة بطائرة مسيرة أثناء صلاة الفجر. وتقدّر ضحايا الحرب الأهليّة في السودان بأكثر من 20 ألف قتيل منذ 2023 وأكثر من 15 مليون نازح ولاجئ داخل السودان وخارجه.

وفي سوريا لم تتوقّف المذابح من عام 2011 حتّى يومنا هذا، ومن أبرز هذه المذابح مجزرة الحولة ومجزرة التريمسة والهجوم الكيميائيّ في الغوطة ومجزرة حيّ التضامن ومذابح وسجن صيدنايا. وتقدّر الإحصائيّات أنّ ضحايا هذه الحرب السوريّة بلغت أكثر من 500 ألف قتيل منذ 2011 وأكثر من 10 ملايين نازح ولاجئ. وما تزال هذه الحرب العرقيّة الطائفيّة مستمرّة في سوريا، وما زالت بعض الانتكاسات ذات البعد الطائفي والعرقي في الساحل السوريّ، وفي جبل العرب، وفي شرق الفرات على أشدّه ضدّ الأقلّيّات الدينية والعرقية وبعضها يستمر بطريقة خفيّة تحت عنوان " الحوادث الفرديّة".

لقد أولى أدورنو التربية أهمّيّة كبيرة وعلّق عليها آمالاً كبيرة في تحقيق الخلاص الإنسانيّ ضدّ القتل والإبادة والتطهير العرقيّ، وهو في معالجته لهذه المسألة يحمل التربية والثقافة أيضاً مسؤوليّات كبرى إزاء ما يحدث في هذا العالم من قتل وفتّك وتدمير. وقد ألقى محاضرته الشهيرة بعنوان " التربية بعد أوشفيتز" (Education After Auschwitz) في عام 1966 يبحث فيها عن العوامل النفسية والاجتماعية التي تؤدي إلى حرو الإبادة، ويقدم تحليلا مذهلا للعوامل التي تؤدي إلى افتتان الناس بقتل الآخرين وتعذيبهم. وفي هذه المناسبة يجب علينا أن نعرف بأن أدورنو يعدّ من أكثر المفكرين النقديّين خطورة وأهمّيّة في القرن العشرين وهو أحد أبرز روّاد مدرسة فرانكفورت. وقد احتلّ مكانة كبيرة جدّاً في الفلسفة والفكر والنقد الجماليّ في ألمانيا وأمريكا في القرن الماضي.

وتعدّ محاضرة أدورنو التربية بعد أوشفيتز (Education After Auschwitz)” (4) من أبرز النصوص التربويّة لدى الفيلسوف الألمانيّ تيودور ف. أدورنو (Theodor W. Adorno) (5)، وقد ألقيت هذه المحاضرة أصلاً في 18 أبريل/نيسان 1966 وتم بثّها عبر إذاعة ولاية هِسّن الألمانيّة (Hessischer Rundfunk)، وقد جاءت هذه المحاضرة في سياق التأمّل النقديّ حول الذاكرة التاريخيّة للمآسي النازيّة في ألمانيا ولا سيّما قضيّة الإبادة العرقيّة لليهود والأقلّيّات العرقيّة المهمّشة في أوروبا.

وقد نشرت هذه المحاضرة لاحقاً ضمن كتاب "التربية من أجل الاستقلاليّة" (Erziehung zur Mündigkeit)، الّذي صدر بعد وفاة أدورنو 1969، عن دار نشر زوهر كامب (Suhrkamp Verlag) في مدينة فرانكفورت أم ماين. ويضمّ هذا الكتاب مجموعة من محاضرات أدورنو ونصوصه ذات الطابع التربويّ-الفلسفيّ، حيث تتبلور رؤيته لمفهوم الاستقلاليّة النقديّة (Mündigkeit) بوصفه شرطاً أساسيّاً للتحرّر من آليّات الطاعة العمياء والخضوع السلطويّ وأنماط التكوين النفسيّ الّتي مهّدت تاريخيّاً لظهور الفاشيّة.

أمّا الترجمة الإنجليزيّة للنصّ بعنوان “التربية بعد أوشفيتز (Education After Auschwitz)” فقد ظهرت ضمن كتاب نماذج نقديّة: تدخّلات وكلمات مفتاحيّة (Critical Models: Interventions and Catchwords)، الصادر عام 1998 عن دار جامعة كولومبيا للنشر (Columbia University Press) في نيويورك، بترجمة هنري و. بيكفورد (Henry W. Pickford). وقد أسهم هذا الإصدار في إدماج النصّ ضمن النقاش الفلسفيّ الأنغلوسكسونيّ حول الأخلاق السياسيّة، والتربية النقديّة، ومسألة الحداثة بعد الإبادة. من الناحية الفكريّة، يعدّ هذا النصّ من أهمّ إسهامات أدورنو في الفلسفة التربويّة الحديثة، إذ يفتتحه بأطروحته الشهيرة: “إنّ المطلب الأوّل والأسمى على كلّ تربية هو ألّا يتكرّر أوشفيتز". تكمن أهمّيّة هذه العبارة في أنّها لا تضع هدفاً معرفيّاً تقنيّاً للتربية، بل تؤسّس مطلباً أخلاقيّاً-تاريخيّاً مطلقاً، يجعل من منع تكرار الكارثة معياراً أعلى لكلّ مشروع تعليميّ. وهنا تتحوّل التربية من مجرّد نقل للمعرفة أو تكوين مهارات إلى ممارسة نقديّة تسعى إلى تفكيك الشروط الاجتماعيّة والنفسيّة والثقافيّة الّتي تجعل العنف الجماعيّ ممكناً.

ويمثّل هذا النصّ امتداداً مباشراً لمشروع النظريّة النقديّة (Critical Theory) الّذي طوّره أدورنو ضمن إطار مدرسة فرانكفورت (Frankfurt School)، إلى جانب مفكّرين مثل ماكس هوركهايمر (Max Horkheimer). ففي هذا الأفق النظريّ، لا تفهم النازيّة بوصفها انحرافاً عرضيّاً عن مسار الحداثة، بل باعتبارها إمكانيّة كامنة داخل بنية العقل الأداتيّ (Instrumental Reason) والمجتمع الصناعيّ الحديث. ومن ثمّ، يغدو مطلب “عدم تكرار أوشفيتز (Auschwitz)” اختباراً جذريّاً لمصداقيّة التنوير (Enlightenment) ذاته، ولمدى قدرة التربية على إنتاج وعي نقديّ قادر على مقاومة الامتثال، والتشيّؤ (Reification)، وآليّات الهيمنة. وعليه، فإنّ “التربية بعد أوشفيتز (Education After Auschwitz)” لا تمثّل مجرّد نصّ تاريخيّ مرتبط بظرف ما بعد الحرب، بل تعدّ بياناً فلسفيّاً حول مسؤوليّة التربية في مواجهة العنف البنيويّ، ومساءلة دائمة للشروط الحضاريّة الّتي قد تسمح بانبثاق الكارثة من قلب الحداثة نفسها. وسنعمل فيما يلي على ترجمة هذه المحاضرة بتصرّف والتعليق عليها.

2- أدورنو والتربية بعد أوشفيتز(6):

يقول أدورنو في بداية محاضرته: إنّ المطلب الأوّل والرئيسيّ لكلّ تربية هو ألّا يتكرّر أوشفيتز (Auschwitz) مرّة أخرى. إنّ أهمية هذا المطلب وأولويته لا تحتاج إلى أيّ تبرير، وأعتقد أنّني لست بحاجة إلى تبريره، ولا ينبغي أن أفعل ذلك. وأنا لا أستطيع أن أفهم لماذا لم يمنح هذا الموضوع الخطير إلّا قدراً ضئيلاً من الاهتمام، على الرغم من أهمّيّته وخطورته. وإنّ كلّ نقاش حول التربية يتضاءل تماماً أمام أهمّيّة العمل على التفكير في تربية تضمن لنا ألّا تتكرّر مجازر أوشفيتز أبداً، لأن ما حدث في أوشفيتز يعدّ فعلاً همجيّاً ضد الإنسانية برمتها، ويجب على كلّ تربية أن تناهضه، وأن تكرّس نفسها في رفض كلّ أشكال العنف والمذابح والتطهير العرقيّ. وهو يحذّر في هذا السياق من أنّ عودة همجيّة أوشفيتز ستشكّل تهديداً مستمرّاً للإنسان والإنسانيّة في العالم. ويؤكّد أدورنو في سياق هذه المحاضرة على أنّ عودة الهمجيّة العرقيّة ممكنة دائماً ما دامت الشروط الأساسيّة الّتي ساعدت على حدوث هذا الفعل الهمجيّ قائمة دون تغيير. هنا يكمن الرعب كلّه، فالخطر ضدّ الإنسانيّة ما زال قائماً مع أنّ هذا الخطر يبدو لا يبدو لنا مرئيّاً في أيّامنا هذه. إنّه الخطر الذي يخيف البشر ويدفعهم إلى تجاهله خوفا منه , وقد بلغ هذا الخوف والرعب من الخطر بلغ ذروته على نطاق تاريخيّ عالميّ في الإبادة الجماعية لليهود في أوشفيتز.

وهنا، يتطرّق أدورنو إلى نظريّة فرويد (Freud) الّتي تمتدّ بتأثيرها إلى الثقافة والمجتمع، وقد عرف عن فرويد قوله إنّ الحضارة تنطوي في أعمقها على بذور فنائها، وهي أيضاً تنتج الأفراد الّذين يناهضون الحضارة ذاتها، وهؤلاء الطغاة المغامرون يشكّلون قوّة تتزايد مع نموّ الحضارة وقوّتها. وكان فرويد يشير حينها إلى الجماعات المتطرّفة الّتي تناهض الحضارة وقيمها من خلال القتل والإبادة والتطهير العرقيّ المستمرّ. وإذا كانت الهمجيّة حسب فرويد نفسها منقوشة بعمق داخل مبدأ الحضارة، فإنّ محاولة النهوض ضدّ هذه الهمجيّة محفوفة بالخطر(7).

إنّ أيّ تفكير في الوسائل الكفيلة الّتي يمكنها منع تكرار أوشفيتز يجب أن تنطلق من الثقافة والتربية. ولكن علينا دائماً أن نأخذ بعين الاعتبار أنّ البنية الأساسيّة للمجتمع ما زالت هي نفسها لم تتغير عما كانت عليه قبل خمسة وعشرين عاماً. لقد قتل ملايين الأبرياء قتلاً منهجيّاً. ولا يمكن لأيّ إنسان حيّ أن يصرف النظر عن هذه المآدب الدموية بوصفها ظاهرة سطحيّة، أو انحرافاً في مسار التاريخ يمكن تجاهله مقارنة بالديناميّة الكبرى للتقدّم والتنوير والنموّ المفترض للنزعة الإنسانيّة. إنّ وقوع مثل هذه المذابح أمر محتمل جدا وهو يعبّر عن نزعة مجتمعيّة عدوانية قويّة للغاية.

وهنا أودّ أن أتحدّث عن الإبادة الأرمنيّة (Armenian Genocide) خلال الحرب العالميّة الأولى الّتي تعدّ حدثاً مفصّليّاً في تاريخ العنف الجماعيّ والتطهير العرقيّ في القرن العشرين، وقد انعكست أصداؤها في الأدب العالميّ، ولا سيّما في رواية "الأربعون يوماً لموسى داغ" (The Forty Days of Musa Dagh) للكاتب النمساويّ فرانز فيرفل (Franz Werfel) (8)، وقد حقّقت انتشاراً واسعاً، وأسهمت في تعريف الرأي العامّ الغربيّ بالمأساة الأرمنيّة والتطهير العرقيّ الّذي تعرّضوا من قبل الدولة العثمانيّة في العقد الثاني من القرن العشرين(9).

وتعود هذه الأحداث إلى سنوات 1915–1917، حينما سيطرت "حركة تركيّا الفتاة" (Young Turk Movement)، على الدولة العثمانية وهيمنة جمعيّة الاتّحاد والترقّي (Committee of Union and Progress)، وقد ارتبطت القيادة الفعليّة الدمويّة آنذاك بشخصيّات مثل أنور باشا (Enver Pasha)، وطلعت باشا (Talaat Pasha)، وجمال باشا (Cemal Pasha). وتشير غالبيّة الدراسات التاريخيّة إلى أنّ سياسات الترحيل القسريّ، والمجازر المنظّمة، والتجويع، والمسيرات الصحراويّة نحو مناطق في بلاد الشام، أدّت إلى مقتل ما يزيد بكثير عن مليون أرمنيّ ذبحاً وقتلاً وتنكيلاً. وقد اعتبرت هذه الوقائع لاحقاً من أوائل نماذج "الإبادة الجماعيّة" (Genocide) في العصر الحديث، وأسهمت في بلورة المفهوم القانونيّ نفسه كما صاغه رافائيل لمكّين (Raphael Lemkin) في أربعينيّات القرن العشرين. وتكتسب هذه المأساة أهمّيّة خاصّة في الدراسات المقارنة للعنف الجماعيّ الدمويّ عبر التاريخ، إذ كثيراً ما تستحضر بوصفها سابقة تاريخيّة سبقت أوشفيتز (Auschwitz)، وأسهمت في كشف هشاشة النظام الدوليّ في منع الإبادات رغم الوعود الأخلاقيّة الّتي رافقت نشوء الحداثة السياسيّة.

يتطرّق أدورنو إلى مسألة اختراع القنبلة الذرّيّة (Atomic bomb)، القادرة على إبادة ملايين البشر بضربة واحدة، وقد وجد أنّ هذا الاختراع الرهيب ينتمي إلى السياق التاريخيّ ذاته الّذي بدأت فيه الإبادة الجماعيّة بالتوسّع والانتشار. فالنموّ السكّانيّ السريع في أيّامنا يسمّى انفجاراً سكّانياً (population explosion)؛ وكأنّ القدر التاريخيّ استجاب بالتحضير لانفجارات ذريّة مضادّة، أي القدرة على قتل شعوب بأكملها، كما حدث في هيروشيما (Hiroshima) وناغازاكي (Nagasaki) وإنّني أذكر هذا فقط للتلميح إلى مدى قوّة القوى الجنونيّة الجبّارة الّتي تهدّد الوجود الإنسانيّ، وهو الأمر الذي يجب العمل على تجنّبه في مسار تاريخ النضال الإنساني ضد العنف والدم.

وبما أنّ إمكانيّة تغيير الشروط الموضوعيّة- أي الاجتماعيّة والسياسيّة- محدودة للغاية اليوم، فإنّ محاولات العمل ضدّ تكرار مذابح أوشفيتز تظلّ بالضرورة مقصورة على البعد الذاتيّ. وأعني بذلك أساساً العمل على دراسة سيكولوجيّة الجلادين الّذين يرتكبون مثل هذه الأفعال ضد الإنسان والإنسانية. ولا أعتقد أنّ من المجدي كثيراً الاحتكام إلى قيم عاطفية وإنسانية لأن أولئك الميّالين إلى ارتكاب مثل هذه الفظائع لن يفعلوا إزاءها سوى هزّ أكتافهم. كما لا أعتقد أنّ التعريف بالصفات الإيجابيّة الّتي تمتلكها الأقلّيّات المضطهدة سيكون ذا فائدة تذكر. إذ ينبغي البحث عن جذور الشر في التكوين النفسي والأخلاقي للقتلة والسفّاحين. إنّ ما هو ضروريّ هو ما سمّيته في هذا السياق «الالتفات إلى الذات (Turn to the subject) إذ يجب معرفة الآليّات الّتي تجعل الناس قادرين على القيام بمثل هذه الأفعال الوحشية الشائنة، والعمل على استكشاف الأسس السيكولوجيّة البنيوية لمثل هذه الجرائم التاريخيّة. كما يجب تكريس الجهود الثقافيّة والسياسيّة والإعلاميّة لإيقاظ وعي الناس بخطورة ما يقومون بها من عنف وقتل وفتك وتدمير. وهذا يعني أنه لا بد من بذل الجهود الكبيرة من أجل منع الناس من أن يصبحوا قتلة وسفاحين مجدداً. فالضحايا ليسوا همّ المذنبين والملّامين كما يبدو للقتلة والسفّاحين، وما أكثر هؤلاء الّذين يميلون إلى تبنّي هذه الرؤية، (هنا يشير أدورنو بشكل غير مباشر إلى إدانة اليهود تبريراً لقتلهم في ألمانيا النازية، إذ كان النازيون يقدمون اليهود بوصفهم أصل الشرور الاجتماعية في العالم، وهنا يؤكّد أدورنو على أنّ الجلادين هم أولئك الّذين أقدموا على قتل ضحاياهم بلا تفكير ودون أي تأمل أو رحمة. وهنا يطالب أدورنو بالعمل ضدّ هذا التفكير الوحشيّ، ويرى ضرورة إقناع الناس تربويا وثقافيا بالعدول عن قتل الآخرين دون أن يتأمّلوا في فداحة ووحشيّة القتل وأعمال الإبادة).

إنّ التربية الوحيدة الّتي تحمل معانيها السامية هي التربية الّتي تدفع الناس نحو التأمّل الذاتيّ النقديّ (Critical self-reflection)، وقد أظهرت نتائج علم النفس العميق (Depth psychology) أنّ شخصيّة القتلة الّذين يرتكبون الفظائع تتكوّن بداية في مرحلة الطفولة المبكّرة؛ لذلك فإنّ التربية الساعية إلى منع التوحّش ضدّ الإنسان والإنسانيّة يجب أن تركّز على أهمية التربية في كراحل الطفولة المبكّرة. لقد أشرت (القول دائما لأدورنو) إلى أطروحة فرويد حول السخط في الثقافة (Civilization and Its Discontents) (10). غير أنّ ظاهرة العنف تمتدّ إلى أبعد ما فهمه فرويد، وذلك لأنّ ضغط الحضارة الّذي لاحظه قد تضاعف في الأثناء إلى درجة لا تحتمل. وفي الوقت نفسه، فإنّ النزعات الانفجاريّة قد اتّخذت شكلا عنيفاُ لم يكن سهلا للمرء أن يتنبأ به. إنّ السخط في الثقافة له أيضاً بعده الاجتماعيّ، وهو المر الّذي لم يغفله فرويد وإن لم يستكشفه بصورة ملموسة. ويمكن في هذا السياق الحديث عن رهاب الاحتباس لدى الأفراد في العالم المدار (Administered world)، (= القفص الحديدي عند فيبر ) هو إحساس وجوديّ بالاختناق داخل منظومة اجتماعيّة لا تترك منفّذاً حقيقيّاً للحرّيّة. فالإنسان قد يشعر بأنّه محاصر داخل أنظمة إداريّة واقتصاديّة شاملة، ومراقب ضمن شبكات تنظيميّة وتقنيّة، وقد تمّ تشكيله وفق معايير الامتثال والخضوع، وهذا يولّد شعوراً جمعيّاً بالضيق أو الانحباس. وبعبارة أخرى فالإنسان المعاصر يشعر بالانغلاق داخل بيئة مجتمعيّة محكمة النسج كالشبكة. وكلّما اشتدّ النسج، اشتدّت الرغبة في الهروب منه، غير أنّ شدّة النسج ذاتها تمنع أيّ هروب، وهذا ما يعمّق السخط على الحضارة فالتمرّد عليها قد يكون عنيفاً انفجاريا لا عقلانيّاً.

وقد أكّدت الأحداث التاريخيّة أنّ الانحباس الحضاريّ قد يتحوّل إلى اضطهاد وسخط موجّه ضدّ الضعفاء والمهمّشين وأكباش الفداء، فالمنحبس يختار هدفه على نحو خاصّ من بين الضعفاء اجتماعيّاً. ومن منظور سوسيولوجيّ، يمكنني القول إنّ مجتمعنا، في الوقت الّذي يحقق درجة عالية من الاندماج الداخلي والتماسك ولكنه يحتضن في الوقت ذاته نزعات نحو التفكّك. وتكمن هذه النزعات تحت سطح الحياة المنظّمة والمتحضّرة، وقد بلغت هذه النزعات درجة عالية من التطرف والعنف وهي تهدد بالانفجار في كل لحظة. إنّ الضغط الّذي يمارسه الكلّيّ الاجتماعي السائد على كلّ ما هو خاصّ، أي على الأفراد والمؤسّسات الفرديّة، يميل إلى تدمير الخاصّ والفرديّ معاً، وكذلك يعمل على تقليص قدرتهما على المقاومة. ومع فقدان الهويّة وقوّة المقاومة، يفقد الناس أيضاً تلك الصفات الّتي تمكّنهم من الوقوف ضدّ ما قد يغريهم في لحظة ما بارتكاب الفظائع من جديد. وربّما لا يكونون قادرين على إبداء المقاومة عندما تصدر السلطات القائمة مرّة أخرى الأمر لهم، ما دام ذلك باسم مثال يؤمنون به إيمان، قليلا أو لا يؤمنون به إطلاقاً.

عندما أتحدّث عن التربية بعد أوشفيتز (Education After Auschwitz)، فإنّني أعني مجالين: أوّلاً تربية الأطفال، ولا سيّما في مرحلة الطفولة المبكّرة؛ وثانياُ العمل على تنمية الوعي التربوي العام بالقيم الثقافية العليا والأخلاقية وتوفّير مناخ فكريّ وثقافيّ واجتماعيًّ يعزز قيم السلام والقيم الأخلاقية بطريقة تجعل من الاستحالة بمكان ارتكاب مذابح ضد الإنسانية كما حدث في أوشفيتز، أيّ مناخاً تصبح فيه الدوافع الّتي أدّت إلى الرعب واعية نسبيّاً بفداحة القتل والتنكيل بإنسانية الإنسان. وبطبيعة الحال، لا أستطيع أن أدّعي القدرة على رسم خطّة لمثل هذه التربية حتّى في خطوطها العريضة. غير أنّني أودّ على الأقلّ أن أشير إلى بعض مراكزها العصبيّة.

كثيرون- ولاسيما في الولايات المتّحدة- يرون إنّ السبب في ظهور النازيّة (National Socialism) وحتّى أوشفيتز (Auschwitz) هو أنّ الألمان كان لديهم ميل خاصّ للطاعة المطلقة، لكنّ هذا التفسير، في رأيي، بسيط وساذج أكثر مما ينبغي. صحيح أنّ الطاعة العمياء والسلوك السلطويّ ما زالا موجودين، حتّى داخل أنظمة ديمقراطيّة شكليّة في أوروبا وغيرها. لكنّ المشكلة أعمق من مجرّد " حبّ الألمان للسلطة". فالفكرة الأساسيّة هي أنّ الفاشيّة (Fascism) لم تنشأ؛ لأنّ السلطة كانت قويّة، بل لأنّ السلطة التقليديّة القديمة في الرايخ القيصريّ (Kaiserreich) انهارت فجأة. وعندها وجد الناس أنفسهم خارج النظام القديم الذي تداعى وسقط فجأة وذلك في الوقت الذي لم يكونوا مستعدّين فيها نفسيّاً لتحمّل تبعات الحرّيّة والمسؤوليّة الجديدة؛ إذ لم يكونوا مهيّئين لاتّخاذ قراراتهم بأنفسهم. وفي سياق آخر، عندما سقطت القيود الاجتماعية والأخلاقية القديمة، لم تتحوّل الحرّيّة إلى نضج سياسيّ بل إلى فراغ وخوف. ومن هذا الفراغ ظهرت أشكال جديدة من السلطة، لكنّها هذه المرّة كانت أكثر تطرّفاً وتدميراً.

إن النقطة الأهمّ هي أنّ عودة الفاشيّة ليست مسألة نفسيّة فقط، وليست مجرّد مشكلة في شخصيّة الناس أو ميولهم النفسيّة، بل هي قبل كلّ شيء مسألة اجتماعيّة تتعلّق ببنية المجتمع وظروفه الاقتصاديّة والسياسيّة. وهنا يجب التركيز على الجانب النفسيّ؛ لأنّ الجوانب الاجتماعيّة الكبرى- مثل النظام الاقتصاديّ وبنيّة السلطة- ليستا في متناول التربية أو الأفراد العاديّين بسهولة. وبإيجاز شديد فإن المشكلة ليست في حب الناس للطغيان وللطغاة بطبيعتهم، بل إن المجتمع عندما يفشل في إعدادهم لتحمّل الحرّيّة، يمكن أن يبحثوا عن سلطة قويّة تعفيهم من المسؤوليّة.

وكثيراً ما يكز بعض المفكرين حسنو النيّة على أهمية الروابط الاجتماعيّة والإنسانيّة، إذ يرون أنّ غياب الروابط الاجتماعيّة الإنسانيّة هو المسؤول عمّا جرى من حوادث عنف وتطهير عرقي. ومن حيث الواقع، فإنّ فقدان السلطة- وهو أحد شروط الرعب الساديّ-السلطويّ- مرتبط بهذه الحالة. ومن منظور الحسّ المشترك يبدو أنه من المعقول أن تقوم الروابط الاجتماعية بكبح النزعة الساديّة التدميريّة المخرّبة ورفضها. مع ذلك أؤكد أنّه من الوهم الاعتقاد بأنّ الاحتكام إلى الروابط الاجتماعية وحدها يمكنه أن يكون ذا جدوى وأهمّيّة كبيرة. فالروابط أو العلاقات الّتي تنشأ فقط من أجل تحقيق هدف معيّن، حتّى لو كان هدفاً جيّداً سرعان ما تبدو غير صادقة للناس. فعندما يطلب من الأفراد الانتماء أو التضامن بوصفه وسيلة لتحقيق نتيجة ما، لا بوصفه تجربة حقيقيّة لها قيمة في ذاتها، يفقد هذا الارتباط معناه الداخليّ وقيمته الإنسانية. فالروابط الإنسانيّة لا تكون أصيلة إذا كانت مجرّد أدوات، بل يجب أن تعاش بوصفها قيمة إنسانية سيكولوجية قائمة بذاتها، وإلّا سيشعر الناس بزيفها حتّى لو لم يعبّروا عن ذلك صراحة؛ إذ سرعان ما يحسّ المرء بعدم صدق الروابط الّتي تطلب فقط لكي تحقق نتيجة- حتّى لو كانت نتيجة حسنة- دون أن تعاش من قبل الناس بوصفها شيئاً ذا جوهر في ذاته. فالروابط المزعومة تتحوّل بسهولة إمّا إلى شارة جاهزة لقناعات مشتركة- يدخل المرء فيها ليبرهن أنّه مواطن صالح- أو تنتج ضغينة خبيثة قد تكون في المستوى السيكولوجي نقيض الغاية الّتي وضعت من أجلها. إنّها تؤدّي إلى الغيريّة (Heteronomy)، أيّ التبعيّة لقواعد ومعايير لا يمكن للفرد أن يبرّرها بعقله الخاصّ. فما يسمّيه علم النفس "الأنا الأعلى" (Superego)، أي الضمير، الذي قد يستبدل في هذه الحالة تحت اسم الروابط بسلطات خارجيّة قابلة للاستبدال وغير ملزمة في جوهرها، ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح في ألمانيا بعد انهيار الرايخ الثالث(11) (Third Reich)، غير أنّ الاستعداد ذاته للتواطؤ مع القوّة والخضوع ظاهريّاً للأقوى هو موقف المعذّبين القاهرين ( يقصد الذين يقومون بالمجازر). ولهذا فإنّ الدعوة إلى الروابط الشكلية أمر قاتل. فالناس الّذين يتبنّونها، يوضعون تحت نوع من الإكراه الدائم على طاعة الأوامر. ولذلك فإنّ القوّة الأصيلة الوحيدة الّتي تقف في مواجهة مبدأ أوشفيتز هي الاستقلاليّة (Autonomy) وقوّة التأمّل النقدي والقدرة على تقرير المصير ورفض الانصياع .

لقد مررت مرّة بتجربة صادمة للغاية: إذ بينما كنت في رحلة بحريّة على بحيرة كونستانس (Lake Constance) كنت أقرأ مقالا في صحيفة بادن (Baden) عن مسرحيّة «موتى بلا قبور" (Morts sans sépulchre) لجان بول سارتر (Jean-Paul Sartre) (12)، وهي مسرحيّة تعرض أهوالاً قاسية من التعذيب والعنف، وقد بدا لي أنّ الناقد الصحفيّ انزعج من عنف المسرحيّة، لكنّه لم يعترف بأنّ سبب انزعاجه هو الرعب الحقيقيّ الّذي تعكسه المسرحية، أي: رعب عالمنا نفسه. عوضا عن ذلك، لجأ إلى لغة وجوديّة متعالية ليهون من هول الموضوع، وكأنّ المهمّ هو الحفاظ على صورة «القيم العليا» لا مواجهة الواقع المخيف. والمشكلة هنا أنّ هذا الأسلوب يحوّل الانتباه بعيداً عن الرعب بدل أن يواجهه. فعوض الاعتراف بفظاعة ما يحدث في العالم، يلام من يكشف الرعب، أو يتحدّث عنه، وكأنّ الذنب يقع على من يصفه لا على من ارتكبه. وهذا الإنكار أو التلطيف هو بالذات ما يفتح الباب لتكرار الرعب، لأنّ ما لا يواجه بصدق يمكن أن يعود من جديد. وباختصار: لقد أراد الناقد، برطانة وجوديّة نبيلة، أن يتجنّب مواجهة الرعب. وهنا يكمن خطر أن يتكرّر الرعب، أن يرفض الناس السماح له بالاقتراب منهم، بل وأن يوبّخوا من يتحدّث عنه فحسب، كما لو أنّ المتكلّم - إن لم يلطّف الأمور- سيكون هو المذنّب لا المرتكبين للجريمة.

وفيما يتعلّق بمشكلة السلطة والهمجيّة، لا يسعني إلّا أن أفكّر في قضية وردت في ملاحظة في كتاب «دولة الإس إس" (The SS State) أو نظريّة الجحيم وممارسته: معسكرات الاعتقال الألمانيّة والنظام الكامن وراءها لـيوجين كوغون (Eugen Kogon) (13). يقول كوغون في كتابه هذا إنّ سجّاني معسكر الاعتقال كانوا في معظمهم شباباً من أصول ريفية. ويرى أنّ الفارق الثقافيّ بين المدينة والريف، الّذي ما يزال قائماً، هو أحد شروط الرعب، وإن لم يكن بالطبع الشرط الوحيد والأهمّ. لكنّ الفكرة ليست اتّهام الريف أو التقليل من شأن سكّانه. الكاتب يوضّح صراحة أنّه لا يقصد أيّ تعال طبقيّ أو ثقافيّ، ولا يريد أن يحمل الناس مسؤولية البيئة الّتي نشؤوا فيها. فالمقصود هو أنّ الفارق الثقافيّ بين المدينة والريف - من حيث مستوى الاحتكاك بالثقافة النقديّة، بالتنوّع الاجتماعيّ، وبالحداثة الفكريّة - قد يكون أحد الشروط الّتي سمحت بظهور القسوة، وإن لم يكن الشرط الوحيد أو الحاسم. ويستعمل الكاتب هنا مفهوم إزالة الهمجيّة (Debarbarization)، أي عمليّة التهذيب والتحضّر وتنمية الحسّ الإنسانيّ النقديّ. والفكرة هي أنّ هذه العمليّة ربّما لم تصل إلى بعض البيئات بالقدر نفسه، ممّا جعلها أكثر قابليّة لتقبّل الطاعة الصارمة والأنماط السلطويّة. حتّى وسائل الإعلام الحديثة مثل التلفزيون (Television)، بحسب هذا التحليل، لا تكفي وحدها لإحداث تحوّل عميق في الوعي إذا لم يكن هناك انخراط حقيقيّ في الثقافة النقديّة. وهذا يعني أنّ المسألة ليست في أنّ «الريف سبب الهمجيّة»، بل أنّ التفاوت في التطوّر الثقافيّ والاجتماعيّ يمكن أن يكون أحد العوامل الّتي تهيّئ بعض الأوساط لتقبّل السلطة العنيفة، إذا لم تقترن الحرّيّة بنموّ ثقافيّ وإنسانيّ عميق.

وباختصار يلاحظ الكاتب أنّ إزالة الهمجيّة (Debarbarization) ربّما كانت أقلّ نجاحاً في الريف منها في أيّ مكان آخر. وهنا أذهب إلى حدّ الادّعاء بأنّ أحد أهمّ أهداف التربية هو إزالة الهمجيّة عن الريف. غير أنّ هذا يفترض دراسة الوعي واللاوعي لدى السكّان هناك. وفوق كلّ شيء، ينبغي النظر في أثر وسائل الإعلام الجماهيريّة الحديثة على حالة وعي لم تقترب بعد من حالة الثقافة الليبراليّة البرجوازيّة في القرن التاسع عشر.

ولتغيير هذه الحالة من الوعي، لا يكفي نظام المدرسة الابتدائيّة العاديّ، الّذي يواجه مشكلات عديدة في البيئة الريفيّة. ويمكنني أن أتصوّر سلسلة من الإمكانات. إحداها—وأنا أرتجل هنا—أن تخطّط برامج تلفزيونيّة تراعي المراكز العصبيّة لهذه الحالة الخاصّة من الوعي. ثمّ يمكنني أن أتصوّر شيئاً مثل فرق تعليميّة متنقّلة وقوافل من المتطوّعين، يقودون سيّاراتهم إلى الريف ويحاولون، عبر مناقشات ودورات وتعليم تكميليّ، سدّ أخطر الثغرات. ولا أغفل حقيقة أنّ مثل هؤلاء لن يحظوا بالقبول إلّا بصعوبة كبيرة. لكن من يدري فقد تتشكّل حولهم دائرة صغيرة من الأتباع، ومن هناك يمكن للبرنامج التعليميّ أن ينتشر أبعد.

غير أنّه ينبغي ألّا ينشأ أيّ سوء فهم مفاده أنّ النزعة البدائيّة نحو العنف توجد أيضاً في المراكز الحضريّة، ولا سيّما في المدن الكبرى منها. إنّ النزعات الارتداديّة (Regressive tendencies)، أي الأشخاص ذوي السمات الساديّة المكبوتة، تنتج اليوم في كلّ مكان بفعل التطوّر العالميّ للمجتمع. هنا أودّ أن أعود إلى الفكرة التي عرضناها بالمشاركة مع هوركهايمر (Horkheimer) في كتابنا " جدل التنوير" (The Dialectic of Enlightenment)، وهي أنه عندما يتعرّض الجسد للتشويه أو القمع أو الإذلال، فإنّ وعي الإنسان يتأثر بوضعية الجسد، وقد يظهر تأثير التشوه الجسدي في سلوك يميل إلى العنف. ويمكن ملاحظة ذلك ببساطة في لغة بعض الأشخاص غير المتعلّمين، وخصوصًا عندما يشعر أحدهم بأنّه مُدان أو مُوبَّخ؛ إذ تتغيّر نبرة صوته، وحركات جسده، وطريقة تعبيره، وقد تظهر عليه علامات توتّر أو عدوانية. وبعبارة أبسط: عندما يُهان الجسد أو يُقمع، فإنّ هذا القمع يترك أثره في النفس والوعي، وقد يتحوّل إلى عنف في التعبير أو السلوك. كما لو أنّ الإيماءات اللغويّة تفصح عن عنف جسديّ بالكاد يضبط.

وهنا لا بدّ أيضاً من دراسة دور الرياضة (Sport)، الّذي لم يبحث بما فيه الكفاية من منظور علم نفس اجتماعيّ نقديّ. فالرياضة ملتبسة. فمن جهة، يمكن أن يكون لها أثر مضادّ للهمجيّة ومضادّ للسادية عبر اللعب النزيه (Fair play)، وروح الفروسيّة ومراعاة الضعيف. ومن جهة أخرى، فإنّ كثيراً من أشكالها وممارساتها يمكن أن تعزّز العدوان والفظاظة والساديّة، ولا سيّما لدى من لا يعرضون أنفسهم للجهد والانضباط اللّذين تتطلّبهما الرياضة، بل يكتفون بالمشاهدة: أي أولئك الّذين يصرخون بانتظام من على الهامش. وينبغي تحليل هذا الالتباس تحليلاً منهجيّاً. وبقدر ما تستطيع التربية أن تمارس تأثيراً، ينبغي تطبيق النتائج على الحياة الرياضيّة.

كلّ ذلك يرتبط، إلى حدّ ما، بالبنية السلطويّة القديمة، بأنماط السلوك الّتي يمكنني أن أقول عنها تقريباً إنّها أنماط «الشخصيّة السلطويّة التقليديّة (authoritarian personality) غير أنّ ما أنتجته مذابح أوشفيتز (Auschwitz)، أي الأنماط الشخصيّة الرهيبة لعالم أوشفيتز، يمثل على الأرجح شيئاً جديداً. فمن جهة، تجسّد هذه الأنماط الشخصيّة وضعية التماهيّ الأعمى مع الجماعة. ومن جهة أخرى، صيغت هذه الشخصيات كي تتلاعب بالجماهير والجماعات، كما فعل هيملر (Himmler) وهوس (Höss) وآيخما (Eichmann)، وأعتقد أنّ أهمّ سبيل لمواجهة خطر التكرار هو العمل ضدّ الغلبة الغاشمة لكلّ الجماعات الرهابية وتعزيز المقاومة لها عبر التركيز على مشكلة العقل الجمعيّ الّذي يعني غلبة منطق الجماعة على حساب الفرد. عندما تصبح الجماعة حزباً أو حركة أو أمّة أو طائفة، أو حتّى تنظيماً تقدّميّاً، عندها يفقد الأفراد حكمهم النقديّ، ويشعرون بالقوّة عبر الانتماء، والتخلّي عن المسؤوليّة الشخصيّة. وهنا تتم عمليّة التحوّل من "أنا أفكّر وأحكم" إلى "نحن نطيع ونتماهـى" (وفي هذا السياق نجد أن أدورنو لا ينتقد العمل الجماعيّ في حدّ ذاته، ولا التضامن. لكنّه ينتقد الذوبان غير النقديّ في الجماعة، حيث تصبح الهويّة الجمعيّة أهمّ من التفكير المستقلّ- المترجم).

الفكرة ليست نظريّة مجرّدة، لأنّنا نرى يوميّاً كيف يندفع الناس- خصوصاً الشباب وأصحاب الحماسة التقدّميّة- إلى الانضمام إلى جماعات وحركات مختلفة. المشكلة تبدأ من اللحظة الّتي تقبل فيها الجماعة الفرد عضواً فيها، إذ غالباً ما تفرض عليه ثمناً نفسيّاً أو جسديّاً كي يثبت انتماءه.

يكفي أن نتذكّر ما يحدث في بدايات الحياة المدرسيّة: الطفل الجديد قد يتعرّض للسخرية أو الاختبار أو الإذلال، حتّى يسمح له بالانضمام. هذه الطقوس ليست بريئة؛ فهي تعلم الفرد أنّ عليه تحمّل الألم أو الإهانة ليعترف به كواحد من الجماعة. والأمر نفسه يظهر في بعض «العادات الشعبيّة (Volkssitten) وطقوس الاستهلال، الّتي قد تتضمّن عنفاً جسديّاً أو إذلالاً باسم التقاليد. ومثل هذه الممارسات تدرّب الناس مبكّراً على تقبّل العنف الجماعيّ، وأنّها تشكّل تمهيداً نفسيّاً لما حدث لاحقاً في ظلّ الاشتراكيّة القوميّة الألمانية (National Socialism) ولهذا ليس غريباً أنّ النازيّين (Nazis) أنهم مجّدوا هذه التقاليد، وقدّموها باعتبارها تعبيراً عن «الروح الشعبيّة. وهذا كلّه يعني أنّ العنف الكبير لا يبدأ فجأة، بل يمهّد له من خلال عادات صغيرة تعلّم الأفراد الطاعة، وتحمّل الإذلال باسم الانتماء. ولذلك ينبغي نقد هذه التقاليد ودراستها علميّاً، حتّى لا تبقى هذه «المتع الشعبيّة» حاملة لبذور الوحشيّة.

وينتقد أدورنو ما يسمّيه «مثاليّة الصلابة (Hardness)، أي الفكرة التربويّة الّتي تمجّد القدرة على التحمّل القاسي وقمع الألم بوصفها علامة قوّة أو رجولة. هذه الفكرة أدت دوراً مهمّاً في التربية التقليديّة، ويضرب مثالاً من محاكمة أوشفيتز (Auschwitz trial)، حيث دافع أحد المتّهمين، بوغر (Boger)، عن تربية تقوم على الصرامة والانضباط عبر القسوة، معتبراً أنّ الصلابة تصنع «الإنسان الصحيح». لكنّ الكاتب يرى أنّ هذا المثال التربويّ خطير ومضلّل. لأنّ فكرة أنّ الرجولة (Virility) تعني أقصى درجات تحمل الألم تخفي في داخلها نزعة مازوخيّة (Masochism)، أي التلذّذ بتحمّل الألم، وهذه المازوخيّة يمكن أن تنقلب بسهولة إلى ساديّة (Sadism)، أي إلحاق الألم بالآخرين. فمن يعتاد أن يكون «صلباً» مع نفسه، وأن يكبت ألمه، قد يشعر بأنّ له الحقّ في أن يكون صلباً مع غيره أيضاً. وهكذا يتحوّل قمع الألم الشخصيّ إلى قسوة على الآخرين. وينتهي الأمر إلى تمجيد الصلابة، وهذا يعني في الواقع تعلّم اللامبالاة بالألم، سواء كان ألم الذات أو ألم الآخرين، لأنّ الحدود بينهما تصبح غير واضحة. ولهذا يدعو أدورنو إلى تربية مختلفة: تربية لا تمجّد تحمّل الألم بوصفه فضيلة عليا، بل تسمح بالاعتراف بالقلق (anxiety) بدل كبحه. فإذا لم يكبت القلق، وإذا سمح للإنسان أن يشعر به بوعي، فإنّ طاقته التدميريّة حين يكون مكبوتاً أو مزاحاً تضعف. أي أنّ الاعتراف بالخوف والضعف قد يكون شرطاً لتقليل العنف، لا العكس. وهذا يعني باختصار أنّ تمجيد الصلابة ينتج قسوة؛ أمّا الاعتراف بالقلق والضعف، فيمكن أن يحدّ من النزعات التدميريّة.

إنّ الأشخاص الّذين يندمجون في الجماعة بطريقة عمياء يحوّلون أنفسهم إلى شيء يشبه المادّة الخاملة، ويمحون أنفسهم كذوات قادرة على تقرير مصيرها. ويأتي مع ذلك الاستعداد لمعاملة الآخرين ككتلة عديمة الشكل. وقد سمّيت من يتصرّفون على هذا النحو "الطابع التلاعبيّ" (Manipulative character) (14) في كتابي "الشخصيّة السلطويّة" (The Authoritarian Personality)، وذلك في زمن لم تكن فيه يوميّات هوس (Höss) أو تسجيلات آيخمان (Eichmann) معروفة بعد. إنّ وصفي للطابع التلاعبيّ تعود إلى السنوات الأخيرة من الحرب العالميّة الثانية، وأحياناً يستطيع علم النفس الاجتماعيّ وعلم الاجتماع أن يبنيا مفاهيم لا يجري التحقّق منها تجريبيّاً إلّا لاحقاً. ويتميّز الطابع التلاعبيّ لقادة النازيّة بهوس كبير بالتنظيم والانضباط، وبعجز عن خوض أيّ تجارب إنسانيّة مباشرة، وبقدر من انعدام العاطفة، وبواقعيّة مبالغ في تقديرها. إنّه يريد مهما كان الثمن أن يمارس ما يظنّ أنّها سياسة واقعيّة (Realpolitik)، حتّى لو كانت وهميّة. لا يفكّر لحظة واحدة، ولا يرغب في أن يكون العالم مختلفاً عمّا هو عليه، بل هو مهووس بالرغبة في فعل الأشياء المطلوبة منه غير مبال بمضمون هذا الفعل. إنّه يصبح عبدا للتنفيذ تحت عنوان الكفاءة (Efficiency)، وإذا لم تخدعني ملاحظاتي، وإذا كانت عدّة بحوث سوسيولوجيّة تسمح بالتعميم، فإنّ هذا النمط أصبح اليوم أكثر انتشاراً ممّا يظنّ. فما كان آنذاك متجسّداً في عدد قليل من «الوحوش» النازيّة يمكن اليوم أن يؤكّد لدى أشخاص عديدين، على سبيل المثال لدى الجانحين الأحداث، وزعماء العصابات، وما شابه، ممّن نقرأ عنهم في الصحف كلّ يوم. وإذا اضطررت إلى اختزال هذا النمط من الطابع التلاعبيّ في صيغة - وربّما لا ينبغي فعل ذلك، لكنّه قد يسهم في الفهم- لسمّيّته نمط الوعي المشيّأ (Reified consciousness) فالأشخاص من هذا الطراز قد شبّهوا أنفسهم بالأشياء، ثمّ، حين تتاح الفرصة لهم ينظرون إلا الآخرين بصفهم أشياء أيضاً، وهو أمر شائع في عالم مثيري الشغب الشباب كما في عالم النازيّين. فهذا التعبير يعرف الناس بوصفهم أشياء. وأكتفي هنا بالإشارة إلى قول بول فاليري (Paul Valéry) قبل الحرب الأخيرة " إنّ اللاإنسانيّة (التوحش الإنساني) لها مستقبل عظيم. ومن الصعب بصورة خاصّة مكافحتها، لأنّ أولئك الأشخاص التلاعبيّين، الّذين هم في الواقع غير قادرين على التجربة الحقيقيّة، يظهرون لذلك بالذات لا استجابة تقرّبهم من بعض الشخصيّات المضطربة عقليّاً أو الذهانيّة (Psychotic)، ولا سيّما الشيزويديّة (Schizoids) (15).

في محاولة لمنع تكرار أوشفيتز (Auschwitz) يبدو لي أنه من الضرورة بمكان أن نكتسب قدراً من الوضوح بشأن الشروط الّتي ينشأ في ظلّها الطابع التلاعبي للشخصيّة، ثمّ يجب علينا العمل لتغيير تلك الشروط، وذلك من أجل تجنب أوشفيتز جديد. وأودّ أن أقدّم اقتراحاً ملموساً: أن نخضع الجلّادون في أوشفيتز للدراسة العلميّة بالوسائل كلها الّتي يتيحها العلم، ولا سيّما عبر تحليل نفسيّ طويل الأمد (Psychoanalysis)، بغية اكتشاف - إن أمكن ذلك – الكيفيات التي تتطور فيه هذه الأنماط البائسة من البشر. فقد يكون بوسع هؤلاء الأشخاص أن يفعلوا، على نحو يتناقض مع بنيتهم الشخصيّة ذاتها، شيئاً نافعاً. غير أنّ ذلك لا يمكن أن يتمّ إلّا إذا أرادوا التعاون في تقصّي نشأتهم هم أنفسهم. ومن المؤكّد أن حملهم على الكلام سيكون صعباً؛ ولا ينبغي بأيّ حال استخدام أيّ شيء يتّصل بأساليبهم الوحشية لمعرفة كيف أصبحوا ما هم عليه. ومع ذلك فهم، في إطار جماعتهم—وفي الشعور تحديداً بأنّهم جميعاً نازيّون قدامى معاً—يشعرون بأمان شديد بحيث أنّ بالكاد أحداً منهم أبدى أقلّ شعوراً بالذنب. ومع ذلك يفترض أنّه حتّى في داخلهم، أو على الأقلّ في داخل كثيرين منهم، توجد نقاط نفسيّة حسّاسة يمكن أن تفضي إلى تغيير هذا الموقف، مثل نرجسيّتهم (Narcissism)، أو بعبارة صريحة: غرورهم. فقد يشعرون بأهمّيّتهم إذا أتيح لهم أن يتحدّثوا عن أنفسهم بحرّيّة، كما فعل آيخمان (16)(Eichmann) الّذي سجّل فيما يبدو مكتبة كبيرة كاملة من الأشرطة التوثيقية. وأخيراً يمكن الافتراض أنّه عندما نبحث عميقا في بنية هؤلاء الأشخاص، فستكتشف وجود بقايا وآثار عميقة من الضمير، وعندما ندرك الشروط الخارجيّة والداخليّة الّتي تجعلهم ما هم عليه من توحش -إن جاز لي أن أفترض افتراضاً أنّ هذه الشروط يمكن بالفعل إظهارها- فسيكون بالإمكان استخلاص نتائج عمليّة يمكنها أن تحول دون تكرار الرعب. أمّا إذا كانت المحاولة ستفيد قليلاً أو لا، فلا يمكن معرفته قبل القيام بها؛ ولا أريد المبالغة في تقديرها. ويجب أن نتذكّر أنّ الأفراد لا يمكن تفسيرهم آليّاً بمثل هذه الشروط. ففي ظروف متشابهة يتطوّر بعض الناس على نحو معيّن، ويتطوّر آخرون على نحو مختلف تماماً. ومع ذلك فإنّ الجهد جدير بالمحاولة. فمجرّد طرح مثل هذه الأسئلة ينطوي بالفعل على إمكانيّة للمعرفة. إذ إنّ هذه الحالة الكارثيّة للوعي واللاوعي تتضمّن الفكرة الخاطئة القائلة إنّ طريقة وجود المرء الخاصّة هي «طبيعة»، معطى غير قابل للتغيير، وليست تطوّراً تاريخيّاً. وقد ذكرت أنّ مفهوم "الوعي المشيّأ" (Reified consciousness) هو قبل كلّ شيء وعي أعمى عن كلّ ماض تاريخيّ، وعن كلّ إدراك لكونه مشروطاً، ويضفي طابع المطلق على ما يوجد عرضاً. فإذا ما انكسر هذا الآليّة القسريّة يوماً ما، فأعتقد أنّ شيئاً حقيقيّاً سيكون قد تحقّق.

إنّ علاقتنا بالتقنيّة (Technology) ليست بسيطة أو محايدة، بل فيها جانب عقلانيّ وجانب خطير في الوقت نفسه. فمن جهة، من الطبيعيّ أن ينتج مجتمع حديث أشخاصاً «تقنيّين» منسجمين مع التكنولوجيا، لأنّ العالم اليوم يقوم على التقنيّة. هؤلاء قد يكونون أكفياء وأقلّ عرضة للخداع في مجالاتهم. لكن من جهة أخرى، هناك شيء مقلق في الطريقة الّتي يتعامل بها الناس مع التقنيّة: فهم لا يرونها كوسيلة تخدم الإنسان، بل كغاية في حدّ ذاتها. يسمّي أدورنو هذا "حجاب التقنيّة" (Veil of technology)، أي أنّ التقنيّة تغطّي على الغاية الحقيقيّة منها. المفترض أن تكون وسيلة لحياة إنسانيّة كريمة، لكنّها تتحوّل إلى شيء يفتن به الناس إلى درجة التقديس. وتظهر المشكلة هنا حين ينسى الشخص الغاية الإنسانيّة تماماً. فيمكن لمهندس أن يصمّم نظام قطارات بكفاءة مذهلة، دون أن يتوقّف لحظة ليسأل: إلى أين ينقل هؤلاء البشر؟ ماذا سيحدث لهم؟ هنا تصبح التقنيّة منفصلة عن الأخلاق. وهذا الأمر يرتبط بنوع من البرود العاطفيّ. وليس المقصود أنّهم بلا مشاعر، بل أنّ لديهم علاقة ضعيفة بالآخرين، أو علاقة ليبيديّة (Libidinal) ناقصة. فهم يجدون صعوبة في الحبّ، في التعلّق الحقيقيّ بالناس، لذلك يحوّلون طاقتهم العاطفيّة إلى الأشياء، إلى الأجهزة، إلى الآلات.

ويضرب مثالاً من أبحاث «الشخصيّة السلطويّة" (The Authoritarian Personality) الّتي أجريت في بيركلي (Berkeley)، حيث قال أحد الأشخاص: «أحبّ المعدّات الجميلة»، دون أيّ اهتمام بما تخدمه تلك المعدّات. حبّه موجّه إلى الآلات نفسها. المقلق أنّ هذا الاتّجاه ليس حالة فرديّة، بل يسير مع مسار الحضارة الحديثة كلّها، الّتي تمجّد الكفاءة والتقنيّة. مقاومته تعني، بطريقة أو بأخرى، مقاومة روح العصر نفسها. والخلاصة إنّ الخطر ليس في التقنيّة ذاتها، بل في أن تتحوّل إلى شيء يعبد، وأن تنسينا الإنسان. وعندما يصبح الإعجاب بالآلات أقوى من الاهتمام بالبشر، يمكن أن ترتكب فظائع بكفاءة تامّة—ومن دون شعور بالمسؤوليّة.

إنّ الوسائل والتقنيّة هي خلاصة وسائل حفظ النوع البشريّ لذاته ولذا فإنها تحظى بطابع التقديس بين الناس وهذا الأمر يحجب الغايات الأساسية لكرامة الناس وقيمتهم الإنسانية إذ يتم حجب هذه الجوانب الإنسانية عن وعي الناس. وليس واضحاً على وجه التحديد كيف يتجذّر تشيؤ التقنيّة (fetishization of technology) في سيكولوجيّة أفراد بعينهم، وأين تقع العتبة بين علاقة عقلانيّة بالتقنيّة وبين المبالغة في تقديرها وهو الأمر الذي يؤدّي في نهاية المطاف إلى أن ينسى شخص ما، وهو يصمّم بذكاء نظام قطارات ينقل الضحايا إلى أوشفيتز بأسرع ما يمكن وبأكبر قدر من السلاسة، ما الّذي يحدث لهم هناك. إنّنا مع هذا النمط—وبعبارة صريحة—بصدد أناس لا يستطيعون أن يحبّوا. وليس في ذلك معنى عاطفيّ أو وعظيّ، بل وصف لعلاقة ليبيديّة (libidinal) ناقصة بالآخرين. إنّ هؤلاء الأشخاص باردون بعمق؛ وفي داخلهم ينبغي أن ينكروا إمكانيّة الحبّ، وأن يسحبوا حبّهم من الآخرين قبل أن يتمكّن من التفتّح أصلاً. وأيّ قدرة على الحبّ تبقّى لديهم ينفقونها على الأجهزة. وقد زوّدتنا الشخصيّات المتحيّزة السلطويّة الّتي فحصناها في بيركلي (Berkeley) ضمن «الشخصيّة السلطويّة» (The Authoritarian Personality) بأدلّة كثيرة على ذلك.

وكما قلت، فإنّ هؤلاء الأشخاص باردون على نحو خاصّ. ولو لم تكن البرودة سمة أنثروبولوجيّة أساسيّة، أي جزءاً من تكوين البشر كما يوجدون فعليّاً في مجتمعنا، ولو لم يكن الناس غير مبالين بعمق بما يحدث للآخرين لما كان أوشفيتز ممكناً، ولما قبّله الناس. إنّ المجتمع في شكله الراهن—وكذلك كما كان منذ قرون—لا يقوم، كما افترضت الأيديولوجيا منذ أرسطو (Aristotle)، على الانجذاب أو التعاطف، بل على السعي وراء المصالح الخاصّة ضدّ مصالح الآخرين. وقد استقرّ هذا في طبع الناس حتّى أعمق مراكز وعيهم. وما يبدو مناقضاً لملاحظتي، أي «دافع القطيع» لدى ما يسمّى "الحشد الوحيد "، ليس إلّا ردّ فعل على هذه العمليّة: تكتّل أناس باردين تماماً لا يحتملون برودتهم الخاصّة، ومع ذلك لا يستطيعون تغييرها. إنّ كلّ إنسان اليوم، بلا استثناء، يشعر بأنّه محبوب أقلّ ممّا ينبغي، لأنّ كلّ إنسان لا يستطيع أن يحبّ بالقدر الكافي. إنّ العجز عن التماهي مع الآخرين (identify with others) كان بلا شكّ الشرط النفسيّ الأهمّ لحدوث شيء مثل أوشفيتز في وسط أناس متحضّرين نسبيّاً وأبرياء.

ما كان يسمّى "المرافقة" (Fellow traveling) أي أتباع النظام لا يوجد لديهم أيّ شعور أو رغبة في معارضة النظام وتعاونهم مع النظام لم يكن في الغالب نتيجة إيمان حقيقيّ، بل نتيجة مصلحة شخصيّة. الناس كانوا يفكّرون أوّلاً في سلامتهم وأعمالهم ومكاسبهم، ولذلك فضّلوا الصمت حتّى لا يتعرّضوا للخطر. هذا السلوك لم يكن استثناء في زمن الإرهاب، بل كان امتداداً لقاعدة عامّة في المجتمع القائم مفاده " على كلّ فرد أن يهتمّ بنفسه قبل كلّ شيء" (status quo). ويسمّي أدورنو هذا الإنسان "المونادة الاجتماعيّة " (Societal monad)وفقاً لتعبير الفيلسوف لايبنتس (Leibniz)، وتعني كياناً مغلقاً على نفسه، مستقلّاً، لا يتواصل مباشرة مع غيره، أي الفرد المنعزل الّذي يعيش كمنافس مستقلّ، لا تربطه بالآخرين علاقة تضامن حقيقيّة. هذه البرودة أو اللامبالاة بمصير الآخرين هي الّتي جعلت المقاومة نادرة جدّاً. فحين يعتقل أو يعذّب شخص ما، لا يتحرّك الآخرون، لأنّهم منشغلون بحماية أنفسهم. ولهذا يقول إنّ المعذّبين يعرفون ذلك جيّداً: فهم يعتمدون على عزلة الأفراد وبرودتهم. فهم يدركون أنّ الخوف والمصلحة الشخصيّة سيجعلان الأغلبيّة تلتزم الصمت. وباختصار فإنّ اللامبالاة الاجتماعيّة والانشغال بالمصلحة الخاصّة كانا من أهمّ الشروط الّتي سمحت للرعب بأن يستمرّ، لأنّ الصمت الجماعيّ كان نتيجة طبيعيّة لمجتمع يقوم على العزلة والمنافسة لا التضامن.

افهموني على نحو صحيح. أنا لا أريد أن أعظ بالحبّ، فالوعد به أمر عقيم؛ فلا أحد يملك الحقّ في الوعظ به، لأنّ نقص الحبّ، كما قلت من قبل، هو نقص يخصّ الناس جميعهم بلا استثناء كما هم موجودون اليوم. إنّ الوعظ بالحبّ يفترض سلفاً لدى من يخاطبون بنيّة شخصيّة مغايرة لتلك الّتي ينبغي تغييرها. فالدعوة الأخلاقيّة البسيطة إلى «المحبّة» لا تكفي لحلّ المشكلة. لماذا؟ لأنّ هذا النوع من الوعظ يفترض مسبقاً أنّ الناس يملكون القدرة الداخليّة على الحبّ، أيّ بنّيّة نفسيّة تسمح لهم بأن يحبّوا ويستجيبوا للحبّ. لكنّ المشكلة أنّ بعض الأشخاص - بسبب تكوينهم النفسيّ والاجتماعيّ - لا يملكون هذه القدرة أصلاً. فهم باردون عاطفيّاً، أو عاجزون عن إقامة علاقة إنسانيّة حقيقيّة. لذلك لا يستطيعون أن يحبّوا الآخرين، ولا يكونون بدورهم «قابلين للحبّ» بسهولة، لأنّهم لا ينفتحون عليه ولا يستقبلونه. وهذا يعني أنّه لا يمكن مطالبة شخص لا يعرف كيف يحبّ، ولم يتعلّم ذلك، بأن يصبح فجأة محبّاً لمجرّد أنّنا وعظناه بذلك، فالمشكلة أعمق من النصح الأخلاقيّ؛ إنّها تتعلّق بتكوين الشخصيّة وبالظروف الاجتماعيّة الّتي صنعت هذا البرود. وهذا يعني في نهاية المطاف أنّ الوعظ بالمحبّة لا يغيّر شيئاً إذا لم تتغيّر البنية النفسيّة والاجتماعيّة الّتي تجعل الناس عاجزين عن الحبّ أصلاً.

لقد كان أحد أعظم دوافع المسيحيّة (Christianity) هو القضاء على البرودة الّتي تتخلّل كلّ شيء. غير أنّ هذه المحاولة فشلت؛ ولعلّ السبب أنّها لم تنفذ إلى النظام الاجتماعيّ الّذي ينتج تلك البرودة ويعيد إنتاجها. وربّما إنّ ذلك الدفء بين الناس، الّذي يتوق إليه الجميع، لم يوجد أصلاً إلّا في فترات قصيرة جدّاً، وفي جماعات صغيرة للغاية، وربّما حتّى بين «المتوحّشين المسالمين" (peaceful savages) وقد أدرك الطوباويّون (Utopians)، الّذين يساء ذكرهم كثيراً، حقيقة هذه القضية وجوهرها وهكذا عرف شارل فورييه (Charles Fourier) الجاذبيّة» (Attraction) بأنّها شيء ينبغي أوّلاً أن ينتج عبر نظام اجتماعيّ إنسانيّ؛ كما أدرك أنّ هذا الشرط لن يكون ممكناً إلّا حين لا تكبت دوافع الناس، بل تشبع وتطلق. وإذا كان ثمّة ما يمكن أن يساعد ضدّ البرودة بوصفها شرطاً للكوارث، فهو الوعي بالشروط الّتي تحدّدها ومحاولة مكافحة تلك الشروط، بدءاً من مجال الفرد. وقد يظنّ أنّ كلّما حرم الأطفال أقلّ، وكلّما عوملوا معاملة أفضل، ازدادت فرصة النجاح. لكنّ الأوهام تهدّد هنا أيضاً. فالأطفال الّذين لا يعرفون شيئاً عن قسوة الحياة، وصلابتها يتعرضون حقّاً للهمجيّة عندما يغادرون بيئتهم المحميّة. وفوق كلّ ذلك، من المستحيل إيقاظ الدفء في الآباء أنفسهم، الّذين هم بدورهم نتاج هذا المجتمع ويحملون آثاره. إنّ الدعوة إلى إضفاء مزيد من الدفء على الأطفال تعني ضخّ الدفء بصورة مصطنعة، وبذلك إنكاره. ثمّ إنّ الحبّ لا يمكن استدعاؤه في علاقات تتوسّطها المهنة، مثل علاقة المعلّم بالتلميذ، والطبيب بالمريض، والمحامي بموكّله. الحبّ شيء مباشر، وهو في جوهره يتناقض مع العلاقات المتوسّطة. إنّ الدعوة إلى الحبّ- حتّى في صيغتها الآمرة، أي أنّ «يجب» على المرء أن يحبّ- هي ذاتها جزء من الأيديولوجيا الّتي تديم البرودة. فهي تحمل طابعاً قسريّاً ضاغطاً يعاكس القدرة على الحبّ. ولذلك فإنّ الخطوة الأولى هي أن تجلب البرودة إلى وعيها بذاتها، وبالأسباب الّتي نشأت منها.

وفي الختام، اسمحوا لي أن أقول بضع كلمات عن بعض الإمكانات لجعل الآليّات الذاتيّة العامّة، الّتي من دونها ما كان لأوشفيتز (Auschwitz) أن يكون ممكناً تقريباً، واعية. إنّ معرفة هذه الآليّات ضروريّة، وكذلك معرفة آليّات الدفاع النمطيّة (Stereotypical defense mechanisms) الّتي تحجب مثل هذا الوعي. من يقول اليوم إنّه لم يحدث، أو أنه لم يكن بذلك السوء، إنّما يدافع عمّا حدث، ومن غير شكّ سيكون مستعدّاً للمشاهدة أو للمشاركة إذا حدث ذلك مجدداً. وحتّى إن كان التنوير العقلانيّ (Rational enlightenment)، كما يعرف علم النفس، لا يزيل الآليّات اللاواعيّة بشكل فوري، فإنّه يعزّز، على الأقلّ فيما قبل الوعي (Preconscious)، بعض الدوافع المضادّة، ويساعد على تهيئة مناخ لا يفضي إلى أقصى التطرّف. فإذا ما تشبع الوعي الثقافيّ بأسره فعلاً بفكرة الطابع المرضيّ (Pathogenic character) للنزعات الّتي بلغت أوجهاً في أوشفيتز، فربّما تمكّن الناس من ضبط تلك النزعات على نحو أفضل.

وعلاوة على ذلك، ينبغي العمل على رفع الوعي بشأن إمكانيّة إزاحة (Displacement) ما انفجر في أوشفيتز. فقد يكون الحظ التعس غداً لجماعة من غير اليهود، مثل المسنّين الّذين جرى إعفاؤهم في الرايخ الثالث (Third Reich) (17)، أو المثقّفين، أو ببساطة جماعات منحرفة. وكما أشرت، فإنّ المناخ الّذي يعزّز أكثر من غيره مثل هذا البعث هو إحياء النزعة القوميّة (Nationalism) وهي شرّيرة إلى هذا الحدّ لأنّها، في عصر الاتّصال الدوليّ والتكتّلات فوق القوميّة، لم تعد قادرة على الإيمان بذاتها حقّاً، ولذا تضطرّ إلى المبالغة القصوى في ذاتها لكي تقنع نفسها والآخرين بأنّها ما تزال ذات جوهر.

إنّ الخطر الحقيقي لا يكمن في مجرّد الكراهية الموجَّهة إلى فئة بعينها، بل في ترسّخ بنية فكرية واجتماعية تُمكّن من تصنيف البشر وفق معايير عرقية أو ثقافية أو نفعية، ثمّ تجريدهم تدريجيًا من إنسانيتهم، بحيث يُعاد تعريفهم بوصفهم عبئًا أو خطرًا أو عنصرًا غير منسجم مع النظام القائم. وعندما تتحوّل هذه الآلية إلى وعي جمعيّ وممارسة مؤسسية، يصبح الإقصاء أمرًا مبرَّرًا، وقد يُنظر إلى العنف أو التخلّص من «الآخر» باعتباره إجراءً مشروعًا أو ضرورةً تنظيمية. وهنا يتجلّى مكمن الرعب: فالإبادة أو الاضطهاد لا تنبعان دائمًا من انفعال عاطفي مباشر، بل من نظام تفكير يُشرعن نزع الصفة الإنسانية ويحوّل البشر إلى موضوعات قابلة للإدارة والحذف.

ومع ذلك يجب إظهار إمكانات ملموسة للمقاومة. فمثلاً ينبغي بحث تاريخ جرائم القتل الرحيم (Euthanasia murders)، الّتي لم ترتكب في ألمانيا بالحجم الكامل الّذي خطّط له الاشتراكيّون القوميّون (National Socialists)، وذلك بفضل المقاومة الّتي واجهها البرنامج. لكنّ هذه المقاومة كانت محصورة في الجماعة المعنيّة؛ وهذا تحديداً عرض واضح وشائع جدّاً للبرودة العامّة. غير أنّ هذه البرودة، فوق كلّ شيء، قصيرة النظر بالنظر إلى النهم الكامن في مبدأ الاضطهادات. فعمليّاً يمكن أن يحاول أيّ شخص لا ينتمي مباشرة إلى جماعة الاضطهاد؛ ومن ثمّ يمكن الاستناد إلى مصلحة أنانيّة صارخة.

وأخيراً، ينبغي التحقيق في الشروط الموضوعيّة التاريخيّة الخاصّة للاضطهادات. إنّ ما يسمّى بحركات "النهضة القوميّة" (National revival movements) في عصر أصبحت فيه القوميّة بطبيعتها أكثر نزعاً وقابليّة للممارسات الساديّة.

وينبغي في نهاية الأمر أن تتمحور كلّ تربية سياسيّة حول فكرة ألّا يتكرّر أوشفيتز أبداً. ولن يكون ذلك ممكناً إلّا إذا كرّست نفسها علناً، من دون خوف من إغضاب أيّ سلطات، لهذه المشكلة الأهمّ. ولتحقيق ذلك يجب أن تتحوّل التربية إلى سوسيولوجيا (sociology)، أي أن تعلم عن تفاعل القوى الاجتماعيّة الّذي يعمل تحت سطح الأشكال السياسيّة. وينبغي إخضاع مفهوم محترم مثل «مصلحة الدولة» (reason of state) لمعالجة نقديّة؛ إذ إنّ وضع حقّ الدولة فوق حقّ أعضائها يضع الرعب كإمكان قائم سلفاً.

3- خاتمة:

تتناول مقالة أدورنو إشكاليّة الإبادة الجماعيّة والتطهير العرقيّ الّتي تتمّ فصولها في العصر الحديث ولا سيّما بعد أوشفيتز. وقد أخضع أدورنو مظاهر التطهير العرقيّ ولاسيّما في أوشفيتز للدراسة والتحليل وقد درس أسبابها وتكوينها والعوامل السياسيّة والاجتماعيّة الّتي أدّت إلى حدوثاً وكان يأمل ألّا تتكرّر حوادث التطهير في أيّ مكان بعد أوشفيتز. وقد عوّل كثيراً على الثقافة والتربية والعوامل السياسيّة في منع حدوث مآس إنسانيّة جديدة على منوال أوشفيتز والهولوكوست. ولكنّ أدورنو الّذي توفّي في نهاية الستّينات (عام 1969) من القرن الماضي لم يعش ليرى بأم عيه مجازر إنسانيّة أشدّ هولاً وأخطر أثراً وأعظمّ توحّشاً ضدّ الإنسانيّة. لم يعش ليشهد الإبادات المعاصرة في كمبوديا ورواندا والبوسنة ودارفور وميانمار والعراق وسوريا والسودان.

لقد بيّن لنا أدورنو من خلال هذه المحاضرة بأنّ مذابح القرن العشرين لم تكن مجرّد انحراف عارض عبثيّ في مسار تطوّر الحضارة ـ وقد كشف لنا عن البعد الكامن للعنف في قلب الحداثة نفسها، بما تنطوي عليه من عقل أداتي (Instrumental Reason) وبيروقراطيّة تقنيّة وقدرة تنظيميّة هائلة يمكن أن تسخر لأغراض إباديّة.

ينطلق أدورنو في محاضرته المشهورة "التربية بعد أوشفيتز" الّتي ألقاها قبل وفاته بثلاث سنوات (1966) بوصفها استجابة فلسفيّة تربويّة لصدمة الإبادة ضدّ اليهود في ألمانيا. وقد أكّد أنّ «المطلب الأوّل لكلّ تربية هو ألّا يتكرّر أوشفيتز»، ويعني ألّا تتكرّر المذابح ربّما بحقّ أيّ طائفة أو ملّة عرقيّة. وقد عوّل في هذه المقالة على الأهمّيّة الكبرى الّتي تتحوّل فيها التربية من عمليّة نقل معرفة إلى مشروع أخلاقيّ-نقديّ يهدف إلى تفكيك الشروط النفسيّة والاجتماعيّة الّتي تجعل العنف الجماعيّ ممكناً.

يستعين أدورنو في مقالته هذه بأطروحة سيغموند فرويد، ولا سيّما ما ورد في كتابه المشهور قلق في الحضارة الّتي يبيّن لنا فيها التوتّر القائم بين الحضارة والعدوان الكامن فيها، وعلى هذا الأساس يحدّثنا أدورنو عن العالم المدار المحاط بسياج السيطرة والهيمنة وهو الانغلاق الّذي ينتج شعوراً وجوديّاً بالاختناق ورهاب الاحتباس الحضاريّ. وفي هذا السياق، يطرح أدورنو مفهوم "الوعي المشيّأ" (Reified Consciousness) و«الطابع التلاعبيّ" للشخصيّات السلطويّة بوصفهما أنماطاً نفسيّة تسهّل التماهي الأعمى مع الجماعة والتعامل مع البشر كأشياء. وتركّز المقالة كذلك على ظواهر مثل المونادة الاجتماعيّة والبرودة العاطفيّة واللامبالاة الجمعيّة، باعتبارها شروطاً نفسيّة واجتماعيّة سمحت باستمرار الرعب عبر صمت الأغلبيّة وانشغالها بالمصلحة الخاصّة.

وفي هذه المقالة يوجده أدونوا نقداً لمفهوم الصلابة التربويّة الّتي تمجّد قمع الألم، وتربطها بتحوّلات مازوخيّة-ساديّة تغذّي العنف. وتستعرض المقالة حوادث الإبادات بعد الحرب العالميّة الثانية، لتؤكّد أنّ صدور ميثاق الأمم المتّحدة (United Nations Charter) عام 1945 والإعلان العالميّ لحقوق الإنسان لم ينهيا منطق الإبادة والتطهير العرقيّ والمذابح العرقيّة الدوّارة، بل استمرّت أنماط هذا العنف ومتوالياته بأشكال مختلفة. وهذا يدلّ بالمطلق على هشاشة النظام الدوليّ وعجزه عن منع تكرار الكوارث الإنسانيّة.

تخلّص المقالة إلى أنّ تصوّر أدورنو بأنّ منع حروب الإبادة والعنصريّة أمر لا يمكن أن يتحقّق بمجرّد الوعظ الأخلاقيّ أو الدعوة الخالصة إلى المحبّة، بل يتمّ ذلك من خلال التربية النقديّة الّتي تعزّز الاستقلاليّة، والتأمّل الذاتيّ، والوعي بالبنى الاجتماعيّة المنتجة للعنف. ومن ثمّ لا بدّ من العمل على كشف الآليّات النفسيّة والدفاعيّة الّتي تبرّر النزوع الوحشيّ عند الأفراد إلى العنف والقتل، ويطالب في هذا السياق بتوظيف التحليل السوسيولوجيّ في التربية من أجل فهم أعمق وأشمل لمكوّنات العمليّة التربويّة. ويخلص أدورنو إلى أنّ التحدّي المركزيّ لا يتمثّل في إصلاح الأفراد فحسب، بل في مساءلة البنية الحضاريّة الّتي تجعل الإبادة العرقيّة إمكانيّة تاريخيّة دائمة. وعلى هذا النحو تقدّم المقالة قراءة نقديّة تربط بين مآسي القرن العشرين الدمويّة واستمرار العنف الدمويّ المعاصر ضدّ الأقلّيّات العرقيّة والدينيّة. وفي النهاية فإنّ السؤال الأدورنيّ ما يزال قائماً: إذ كيف يمكن للثقافة والتربية أن تمنعا عودة الهمجيّة في عالم يدّعي التقدّم؟

وخلاصة القول" إن هذه المحاضرة الفارقة لأدورنو تلقي الضوء اليوم على إشكالية المذابح والإبادات العرقية والطائفية والدينية التي تجري في مجتمعاتنا اليوم. وهي ترسم لنا خطة طريق لفهم العوامل والمتغيرات التي تعزز التوجهات نحو الإبادة العرقية ضد الأقليات الطائفية والدينية والعرقية.

ويمكننا أن نختتم بالمداخلة المعبرة لغوتيريش الأمين العام الأسبق لهيئة الأمم المتحدة الذي يفيد بأن "العالم خذل السكان المهددين بخطر الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والتطهير العرقي" إن الأمثلة كثيرة، ونعرفها جيدا، لكنها لا تزال، حتى اليوم، آفة تتسبب في معاناة شديدة. وتفيد مداخلته أيضا بأن إن التغلب على الآثار المدمرة على الضحايا والمجتمعات المحلية والمجتمع ككل، والتعافي منها، يمكن أن يستغرق أجيالا. ويقول غوتيريش أيضا إن الإسراع في الاستجابة لعلامات الإنذار المبكر والاستثمار في الوقاية المبكرة يمكن أن ينقذ الأرواح ويدرأ تدمير مجموعات ضعيفة، كليا أو جزئيا. ثم يقول"حيثما نرى الناس يواجهون التمييز المنهجي أو يصبحون أهدافا للعنف، لا لشيء إلا بسبب من يكونون بحكم هويتهم، يجب علينا التحرك - للدفاع في آن معا عن أولئك الذين هم عرضة لخطر داهم وأولئك الذين يمكن أن يكونوا عرضة للخطر مستقبلا. وبإشاعة ثقافة قوامها السلام ونبذ العنف تشمل احترام التنوع وعدم التمييز، يمكننا إقامة مجتمعات قادرة على مواجهة خطر الإبادة الجماعية " (غوتيريش الأمين العام السابق للأمم المتحدة).

***

.......................

مراجع المقالة

(1)  - هيهاكا سابا (Heȟáka Sápa)   الملقب بالإيل الأسود نسبة إلى قبيلته هو زعيم روحي ومحارب: من قبيلة الأوغلالا لاكوتا (Oglala Lakota) من السكان الأصليين في أميركا الشمالية، وُلد عام 1863 في إقليم داكوتا. عُرف بصفته رجل دين تقليدي (Holy Man) في ثقافة قومه، شارك في معركة ليتل بيغ هورن عام 1876، وشهد مذبحة الركبة الجريحة (Wounded Knee) عام 1890 التي شكّلت نقطة تحوّل مأساوية في تاريخ شعبه. اكتسب شهرة عالمية بعدما قام الكاتب الأمريكي جون جي. نييهارت (John G. Neihardt) بإجراء مقابلات مطوّلة مع الأيل الأسود عام 1931، ثم صاغ شهادته ورؤاه الروحية في كتاب نُشر سنة 1932.  ومن ثم صدر كتابه بعنوان " الأيّل الأسود يتكلم: سيرة حياة رجلٍ مقدّس من قبيلة الأوغلالا سيوكس" (Black Elk Speaks: Being the Life Story of a Holy Man of the Oglala Sioux )،  ومع صدور هذا الكتاب أصبح الأيل الأسود رمزًا ثقافيًا وروحيًا لمعاناة السكان  الهنود الأصليين ومحاولتهم الحفاظ على هويتهم في مواجهة التوسع الاستعماري الأميركي.

(2)  - عندما وصل كريستوفر كولومبوس (Christopher Columbus) إلى جزر الكاريبي عام 1492، كان يظن أنه وصل إلى الهند عبر طريق غربي، فسمّى السكان الأصليين «Indios» أي «الهنود». ومن هنا انتقلت التسمية إلى اللغات الأوروبية.

(3) - ثيودور أدورنو (Theodor Adorno): فيلسوف وعالم اجتماع وناقد موسيقي ألماني، وُلد عام 1903 وتوفي عام 1969، ويُعدّ من أبرز مفكري "مدرسة فرانكفورت" (Frankfurt  School) في النظرية النقدية  (Critical Theory). اهتمّ بتحليل الحداثة، والعقل الأداتي (Instrumental Reason)، وصناعة الثقافة (Culture Industry)، وانتقد النزعات الشمولية والرأسمالية المتأخرة، معتبِرًا أنّ التقدّم التقني قد يتحوّل إلى أداة هيمنة إذا انفصل عن البعد الأخلاقي والإنساني. من أشهر أعماله "جدل التنوير" (Dialectic of Enlightenment)  الذي كتبه مع ماكس هوركهايمر، و"الجدل السلبي" (Negative Dialectics)، كما عُرف بمقاله الشهير «التربية بعد أوشفيتز"  (Education After Auschwitz)، التي نحن بصدد ترجمتها إذ  يشدّد  فيها على أنّ المهمة الأولى للتربية هي منع تكرار الكارثة والمحارق الدموية ضد الأقليات العرقية والدينية.

(4)- Theodor W. Adorno, “Education After Auschwitz,” in Critical Models: Interventions and Catchwords, (New York: Columbia University Press, 1998), pp. 191–204.

(5) - تيودور ف. أدورنو (Theodor W. Adorno) (1903–1969) فيلسوف وعالم اجتماع وناقد موسيقي ألماني، يُعد أحد أبرز أعلام مدرسة فرانكفورت (Frankfurt School) ومنظّري النظرية النقدية (Critical Theory) في القرن العشرين.

(6) - كل ما يرد تحت هذا العنوان تعريب لمحاضرة أدورنو: التربية فيما بعد أوشفيتز.

(7)- Sigmund Freud, Civilization and Its Discontents (1930), in The Standard Edition of the Complete Psychological Works of Sigmund Freud, vol. 21, translated by James Strachey (London: Hogarth Press, 1961; reprint 1975).

(8)- Franz Werfel, The Forty Days of Musa Dagh, translated by Geoffrey Dunlop (New York: Viking Press, 1934).

(9) - تدور أحداث رواية فرانتس فيرفل "الأربعون يومًا لموسى داغ (1933) في سوريا عام 1915، وتروي مقاومة الأرمن ضد قوات تركيا الفتاة الأكثر عددًا والأفضل تجهيزًا. تتحصن القوات الأرمنية في جبل موسى داغ أربعين يومًا، وبينما كانوا على وشك الهزيمة يُنقَذون بواسطة تدخل قوة بحرية أنغلو-فرنسي.

(10)- Sigmund Freud, Civilization and Its Discontents, translated by James Strachey (New York: W. W. Norton & Company, 1961).

(11) - الرايخ الثالث (Third Reich): هو الاسم الذي أطلقه النظام النازي على الدولة الألمانية في عهد هتلر (Adolf Hitler) بين عامي 1945–1933.، وتعني كلمة "الرايخ " بالألمانية (Reich ) الإمبراطورية أو الكيان السياسي الكبير. وقد سُمِّي “الثالث” لأن النازيين اعتبروا أنفسهم الامتداد التاريخي لإمبراطوريتين سابقتين تتمثل الأولى في الرايخ الأول ويمثل الإمبراطورية الرومانية المقدسة (962–1806)، ثم الرايخ الثاني ويمثل الإمبراطورية الألمانية (1871–1918).. وقد أطلق على الدولة النازية الرايخ الثالث (1933–1945).

(12)- Jean-Paul Sartre, The Victors, in Three Plays, translated by Lionel Abel (New York: Alfred A. Knopf, 1949).

(13)- Eugen Kogon, The Theory and Practice of Hell: The German Concentration Camps and the System Behind Them, translated by Heinz Norden (New York: Farrar, Straus and Company, 1950).

(14) - الطابع التلاعبي: يمثل شخصية تتماهى مع النظام إلى حد فقدان الذات، وتتعامل مع البشر كأشياء قابلة للاستعمال، ضمن عقل أداتي (Instrumental Reason) بارد ومنفصل. وهو ليس وحشًا استثنائيًا، بل نتاج اجتماعي وثقافي لعالم مُدار (Administered World) يقوم على التقنية والطاعة والتنظيم. زباختصار شديد: الطابع التلاعبي هو الإنسان الذي يرى البشر أدوات، ويرى نفسه أداة أيضًا، ويستبدل الضمير بالكفاءة.

(15) - (الشيزويدية (Schizoid) لا تعني الفصام (Schizophrenia)، بل تشير إلى ميل إلى العزلة الاجتماعية وبرود عاطفي وضعف الرغبة في العلاقات الحميمة وانكفاء إلى عالم داخليح أي أن الكلمة تشير إلى "شخصية ذات طابع انفصالي أو انعزالي" وليس إلى انقسام الشخصية بمعناه الشعبي.

(16) - أدولف أيخمان:(Adolf Eichmannh) قائد نازي كلف بمهمة ترحيل اليهود إلى معسكرات الإبادة خلال الحرب العالمية الثانية، أُلقي القبض عليه في الأرجنتين عام 1960، وتمت محاكته في القدس عام 1961، ثم أُعدم عام 1962. وقد حظيت شخصيته باهتمام علماء الاجتماع ولاسيما حنّة آرنت (Hannah Arendt) التي ألفت كتابا حول شخصيته بعنوان "آيخمان في القدس" (Eichmann in Jerusalem)، وهي في هذا الكتاب لم تصف أدولف آيخمان بالشيطان أو الوحش، بل صاغت مفهوم "تفاهة الشر" (Banality of Evil) لتبيّن لنا أنّه لم يكن ساديًا أو متعصبا ضد اليهود أو مدفوعًا بكراهية هستيرية بقدر ما كان موظفًا بيروقراطيًا محدود التفكير، ينفّذ الأوامر ضمن جهاز إداري دون تأمّل أخلاقي عميق أو مساءلة ذاتية. وبمعنى آخر، فإنّ أفعاله كانت شرّيرة بلا شك، غير أنّ شخصيته كما ظهرت في المحاكمة بدت عادية ومسطّحة فكريًا. وهنا يكمن الخطر الذي أرادت آرنت، وكذلك تيودور أدورنو (Theodor Adorno)، التنبيه إليه: فالشرّ لا يصدر دائمًا عن نوايا شيطانية استثنائية، بل قد ينتج عن تعطّل التفكير النقدي والخضوع الأعمى داخل منظومة بيروقراطية. لذلك يمكن القول إنّ فعله يُوصَف بالشرّ المؤكّد، أمّا توصيف شخصه بالشرّ المطلق فيظلّ موضع نقاش فلسفي.

(17) - في ظلّ الرايخ الثالث (Third Reich) داخل ألمانيا النازية (Nazi Germany)، لم يُستهدف المسنّون بوصفهم جماعة عرقية مستقلّة، لكنّ كثيرًا منهم تعرّضوا لإجراءات تمييزية وقمعية ضمن السياسات القائمة على فكرة «النقاء العرقي» و«الجدوى البيولوجية». فقد شمل برنامج «القتل الرحيم» المعروف باسم أكسيون تي4 (Aktion T4) عددًا من كبار السن، ولا سيّما أولئك المقيمين في المصحّات ودور الرعاية، أو الذين اعتُبروا مرضى مزمنين وغير قادرين على العمل والإنتاج. تعرّض بعضهم للقتل عبر الحقن السامّة أو التجويع المتعمّد أو النقل إلى مؤسسات شهدت استخدام غرف الغاز، بينما عانى آخرون من الإهمال الطبي وتقليص الحصص الغذائية وسحب الرعاية بحجّة أنهم «عبء على المجتمع». وقد استندت هذه السياسات إلى تصور أيديولوجي يرى قيمة الإنسان في إنتاجيته وقوته الجسدية، الأمر الذي جعل حياة المسنّين، خصوصًا الضعفاء منهم، مهدَّدة ضمن منطق تصنيفي جرّدهم من كرامتهم الإنسانية.

في المثقف اليوم