قراءات نقدية

حبيب ظاهر حبيب: مسرحية اهمس في أذني السليمة.. تعود بعد أربعين عاما

بعد انحسار النصوص الأجنبية عن مسارح بغداد منذ فترة غير قصيرة، يعود المخرج (محمد حسين حبيب) إلى تناول نص مسرحية سبق وان قدمها قبل أربعين عاما في مهرجان منتدى المسرح / الدورة الثالثة 10- 20/ آذار 1986، وكنتُ مشاركا في المهرجان وحضرت العرض، انها مسرحية (أهمس في أذني السليمة) تأليف وليم هانلي، وعرضت في (منتدى المسرح) في شارع الرشيد، يومي الاثنين والثلاثاء ١٦- ١٧/ ٢/ ٢٠٢٦ الساعة السادسة مساء

تشارلي ينتظر ماكس، يأتي ماكس، يسأله تشارلي: هل جئت به؟ لا يعرف المتلقي ما الذي جاء به ماكس إلا في النصف الثاني من زمن العرض تقريبا، وليعرف أن العجوزين تشارلي وماكس يعيشان مأساة منذ أن وجدوا أنفسهم زائدين عن الوجود في الحياة، لذا طلب تشارلي من ماكس ان يقتله بالمسدس الذي جاء به ثم ينتحر. فكان المتلقي بانتظار اجابة السؤال: متى تنتهي حياتهم القاتمة وكيف ستتم عملية القتل والانتحار.

(أن المشردين والفقراء والساكنين في دور المسنين والذين يشعرون بأن لا ضرورة لهم، عليهم أن يبحثوا عن شيء لجعل حياتهم أكثر إشراقا.) هذا ما سعى المخرج إلى تبنيه وتقديمه للمتلقي بصورة جلية لا لبس ولا غموض فيها.2416 habib

تضامن الإخراج مع النص في زرع أحداث وانسيابية بناء الشخصيات مثل زرع شفرة المسدس والسعي للموت، وشفرة فاكهة الرمان والدافع للحياة، شفرة الكراسي وحركتها في مساحة الحلبة. وكانت البلاغة حاضرة في سلوك الشخصيات والحوار عندما تذوق (تشارلي) فاكهة الرمان لأول مرة في حياته، انه يعاني من الحرمان لدرجة انه لا يعرف فاكهة الرمان لا من حيث الطعم ولا حتى كيف تؤكل… وعندما يصر ماكس على قتل تشارلي ويشهر المسدس مرات عدة في وجهه، تشارلي يقول لماكس دعنا نعيش لنأكل رمانة اخرى. وكأن الرمانة تشكل حافر للحياة، وبارقة أمل لبداية جديدة.

سار الإيقاع إلى منتصف زمن العرض تقريبا برتابة ناتجة عن سببين: السبب الأول: تقديم المعلومات عن تاريخ الشخصيات والتعريف بأسمائهم (ماكس وتشارلي) وانهم يريدون العيش من اجل اي شيء ينتظرهم او مكان يأويهم او أحد يحبهم وليس في دار مسنين بائس، وأن (تشارلي) ضعيف النظر ومصاب بـداء (ألزهايمر). السمات المشتركة بينهما هي إنهما عجوزين، ضحايا ماض ملوث وقاسي. اكتشف ماكس ان امه امرأة زانية مع الكثيرين، وقد همس لابوه بذلك، ولكن الأب الطيب الذي يمتلك أذن سليمة واحدة، عجّز عن إيقاف زنا الام في المخزن، الذي وَلَدَ عقدة نفسية لدى (ماكس) جعلته مضربا عن الزواج، رغم حبه لان يكون لديه أولاد، لدرجة انه يخترع وجودهم ويدعي أنهم يكتبون له رسائل. أما تشارلي كان فقد يتعاطى المخدرات ويتسول.

لا يوجد صراع فعلي بين الشخصيات بقدر ما يكون الصراع (داخليا) مع ذواتهم ومع المسدس (فكرة الموت) الذي عمل المخرج على تشويق المتلقي زمنا طويلا حتى تم كشف المسدس والمراد فعله.

السبب الثاني: إشكالية المنظر أو موقع الأحداث التي كانت في المتنزه/ الحديقة العامة، بحسب وصف المؤلف، وما جاء في على لسان الشخصيتان في  الحوار، في حين كان المنظر الماثل أمام المتلقي هو حلبة مصارعة، وكانت بنية الشخصيات وأبعادها وسلوكها يتسم بالواقعية، وكانت قريبة من وجدان المتلقي إلى حد كبير، وأثارت التعاطف معها، ولكن بيئة الحدث (حلبة المصارعة) أخذت بعدا رمزيا وفتحت  العرض على تأويل غير متسق مع صورة الشخصيات الواقعية المرسومة بعناية فائقة، خصوصا مع حالة التقمص في إداء الشخصيات وعدم وجود صراع فعلي بين الشخصيتين، إذ أن الصراع كان مع حالة اليأس المسيطرة على الشخصيتين، وإذا ذهب التحليل الى أن (تشارلي وماكس) يعيشان في بيئة مصارعة، فهذا يتنافى مع الوصف الذي يقولونه في الحوار (حديقة عامة أو منتزه) وحالة الصداقة الجميلة بينهما.2417 habib

ورغم الحالة السوداوية للعرض، إلا أن روح الكوميديا كانت حاضرة في أداء الشخصيات والتي أظهرت تمكن الممثلين (أحمد عباس ومحمد حسين حبيب) من تقديم مختلف الحالات الشعورية والتماهي مع طبيعة الشخصيات غير المستقرة نفسيا.

يمكن تصنيف العرض ضمن نوع (الديودراما) القائمة على الحوار بامتياز، رغم وجود صوتين خارجيين اضافة إلى شخصيتي (تشارلي وماكس) إذ منح صوت المرأة (شذى سالم) والطفل (أحمد بشير) زخما عاطفيا للعرض وليس تصعيدا دراميا.

اكتفى مخرج الديودراما (محمد حسين حبيب) بالتأكيد على الصورة السمعية التي قدمت الفكرة بانسيابية وعمق، عبر إلقاء حوار اتسم بالوضوح التام واللغة العربية السليمة - مع الإشارة إلى ندرة وجود إداء مسرحي تتسم بهذه الصفة - وتناغمت الأصوات والإلقاء مع حركة الممثلين، ولم يذهب الإخراج كما جرت العادة في الكثير من العروض إلى التأكيد على الصورة البصرية أو ما يسمى بــ (سيادة المرئيات على المسموعات) حتى وإن لم تحتمل معطيات النص ذلك مما يخلق تشويشا على عملية التلقي. مع وجود لحظات كثيرة احتاجت إلى دعم الجو النفسي بالموسيقى والمؤثرات مثل: (ترقب: اظهار المسدس واشهاره) (مشاعر تشارلي تجاه حبيبته) وان رصد مثل هذه الحالات تحتاج أن يجلس المخرج أمام الممثلين في الصالة أكثر مما أن يكون المخرج ممثل على المسرح. إلا أن المخرج (محمد حسين حبيب) في تقديمه للعرض الثاني والثلاثين في مسيرته الاخراجية آثر أن يكون ممثلا ومخرجا لهذا العرض الذي حرك المشاعر وحفز الأفكار تجاه كبار السن بأسلوب ملؤه الجمال طوال خمس وخمسون دقيقة.

***

ا. د. حبيب ظاهر

في المثقف اليوم