آراء

عبد السلام فاروق: طه حسين.. مئة عام ولا جديد؟!

مائة عام. مائة عام كاملة على الكتاب الذي أحدث الزلزال، الكتاب الذي حمل عنوان «في الشعر الجاهلي» فكأنما حمل قنبلة في قلب الثقافة العربية الرسمية. مائة عام، ونحن اليوم نقف أمام هذه المئوية لا كمنجز ثقافي نبنى عليه، بل كحدث تاريخي نستذكره، أو ربما كجثة نحنطها، وقضية انتهت وانطوت. هل هذه هي المئوية التي تليق بمعركة ثقافية كبرى؟ أم أنها، في الحقيقة، جنازة ثانية لطه حسين، بعد أن دفناه أول مرة حين رضخنا لضغوط المتخلفين وغيرنا عنوان الكتاب من «في الشعر الجاهلي» إلى «في الأدب الجاهلي»؟ أليس هذا التراجع هو الهزيمة الحقيقية، ليس لطه حسين، إنما للعقل العربي كله؟

كان طه حسين، في مغامرته الجريئة، يحاول أن يفعل شيئًا واحدًا بسيطًا، أن ينقلنا من ثقافة التقديس إلى ثقافة النقد. أن يجعلنا نقرأ تراثنا كما نقرأ أي تراث بشري بعيون مفتوحة، وعقل لا يعرف الخوف، ومنهج علمي لا يستثني أحدًا ولا شيئًا. لقد أراد أن يزرع في تربتنا القاحلة بذرة الشك الديكارتي، ذلك الشك الذي كان بداية كل نهضة في أوروبا. لكنه لم يكن يعرف – أو لعله كان يعرف – أن تربتنا لا تصلح لهذه البذرة، لأنها تربة محروقة بالتبجيل، ومسمومة بالخوف، ومرصوصة بالسلطة.

المنهج الذي قتلوه!

دعونا نسمي الأشياء بأسمائها، دون لف ولا دوران، ودون ذلك الترحم المعهود الذي نحيط به أيقوناتنا الثقافية حين تموت. نحن لم نختلف مع طه حسين، بل قتلناه. قتلناه حين حولناه إلى أيقونة لا تناقش، ونحن الذين كنا ننتقد فيه تقديسه للتراث. قتلناه حين جعلنا منهجه تراثًا مقدسًا بدل أن نجعله أداة حية. قتلناه حين اكتفينا بتكرار ما قاله، بدل أن نكمل ما بدأه. قتلناه حين حولناه إلى مادة دراسية في الجامعات، تدرس في قاعات مكتظة بطلاب لا يفهمون ما يقرأون، ولا يريدون أن يفهموا. هذا هو قدر المثقفين الكبار في ثقافتنا العربية: إما أن يصلبوا أحياء، وإما أن يحنطوا بعد الموت. وطه حسين نال الاثنين معًا: صلب حيًّا في محاكمته الشهيرة، ثم تم تحنيطه بعد موته ليصبح تمثالاً من ذهب لا يجوز المساس به.

المؤسف أننا، في هذه المئوية، لم نضف شيئًا. نعم، لم نضف شيئًا. نفس الحجج، نفس الردود، نفس الانقسام بين أنصار قديسين وخصوم شياطين. وكأن الزمن توقف عند لحظة صدور الكتاب. وكأن العقود التي مضت لم تكن كافية لنقول شيئًا جديدًا. أليست هذه علامة على عقم ثقافي مخيف؟ أليس هذا دليلاً على أن شيئًا ما قد انكسر فينا، ليس فقط في علاقتنا بالتراث، لكن في علاقتنا بالعقل نفسه، وفي علاقتنا بالزمن، وفي علاقتنا بالحياة؟

لماذا هزمنا طه حسين؟!

نعم، أقولها بكل وضوح، وبكل ما تحمله الكلمة من صراحة فاضحة؛ لقد هزم منهج طه حسين. ليس لأنه منهج خاطئ، بل لأن الثقافة العربية لم تكن مستعدة له، ولا تزال غير مستعدة. فالمنهج العلمي في قراءة التراث يعني أن نعترف بأن تراثنا ليس كتابًا مقدسًا، إنما هو نتاج بشري، فيه الصحيح وفيه المغلوط، فيه الأصيل وفيه المزور، فيه ما يخدم قوى التقدم وفيه ما يخدم قوى التخلف. وهذا الاعتراف ممنوع. ممنوع ليس لأسباب دينية فقط، وقبل ذلك وبعده لأسباب سياسية واجتماعية واقتصادية.

لماذا هو ممنوع؟ لأنه يهدد مصالح فئتين كبيرتين، فئتين تتحكمان في مقدراتنا الثقافية، وفي مقدراتنا الوطنية كلها.

الفئة الأولى: السلطة السياسية. السلطة التي تحتاج إلى تراث مستقر، لا يثير الأسئلة، ولا يشكك في الموروث، لأن أي شك في التراث هو، في نظرها، شك في شرعيتها ذاتها. فالتراث عند هذه السلطة ليس تراثًا ثقافيًّا فقط، التراث سند سياسي، ومصدر شرعية، وأداة تثبيت. والمنهج النقدي الذي يضعه طه حسين هو منهج يفتح باب الاجتهاد، وباب الاجتهاد مفتوح على مصراعيه، والسلطة لا تحب الأبواب المفتوحة، لأنها تخاف من الرياح التي تدخل منها.

والفئة الثانية: النخب التقليدية. رجال الدين، وشيوخ المعاهد الأزهرية، وأساتذة التعليم القديم، الذين بنوا نفوذهم الاجتماعي والمادي على احتكار تفسير التراث. هؤلاء يعيشون على التقديس. تقديس النصوص، تقديس الماضي، تقديس مناهج القراءة التقليدية. وأي محاولة لنزع هذه القداسة هي محاولة لنزع الخبز من أفواههم. ولهذا حاربوا طه حسين بشراسة. ولهذا أخرجوه من الأزهر. ولهذا أقاموا عليه الدنيا ولم يقعدوا. هاتان الفئتان تلتقيان في عدو واحد، هو العقل النقدي. وطه حسين كان، في زمانه، رمزًا لذلك العقل. ولذلك حاربوه. ولذلك هزموه. ولذلك نحن اليوم ندفع الثمن.

الشك المنهجي.. أم التشكيك العبثي؟

من أطرف ما نراه اليوم، ربما أخطر ما نراه، هو ذلك الخلط المريع بين طه حسين وبين الذين يزعمون أنهم أتباعه. طه حسين كان شكاكًا منهجيًّا. كان يشك ليصل إلى يقين. كان يهدم ليبني. كان يطرح الأسئلة ليجد الإجابات. أما الذين يزعمون أنهم ورثوا منهجه، فقد تحولوا إلى مجرد شكاكين عبثيين. يشككون في كل شيء ولا يصلون إلى شيء. يهدمون ولا يبنون. يظنون أن مجرد الشك هو نهاية المطاف، بينما كان الشك عند طه حسين هو البداية فقط.

وهنا المفارقة الكبرى؛ طه حسين كان ابن التنوير الأوروبي، وكان يحمل مشروعًا نهضويًّا متكاملًا. أما أتباعه اليوم، فكثيرون منهم نقلة، أو مقلدين، أو مهووسين بالتشكيك لأجل التشكيك. فلقد فقدنا جوهر المشروع، واحتفظنا بقشوره. فقدنا الجرأة على البناء، واحتفظنا بالجرأة على الهدم فقط. وهذه ليست نهضة، هذا انتحار ثقافي. هذه سخرية القدر منا، أن نأتي بمنهج طه حسين لنقلبه إلى نقيضه، تمامًا كما قلبت ثقافتنا التقليدية كل محاولات الإصلاح إلى أشكال جديدة من الجمود.

 التقديس الأعمى

ولعل أخطر ما حدث، وأكثر ما يدل على هزيمتنا، هو أننا انتقلنا من تقديس التراث إلى تقديس المنهج النقدي نفسه. أصبح طه حسين صنمًا جديدًا، بدل أن يكون أداة لكسر الأصنام. أصبحنا نردد عباراته دون تفكير، كما كنا نردد أبيات امرئ القيس دون تفكير. لم نتعلم منه كيف نحرر عقولنا، بل تعلمنا كيف نستبدل سلطانًا بسلطان، ووثنًا بوثن. وهذا هو الإفلاس بعينه. لأن قيمة المنهج ليست في كونه بديلاً عن غيره، بل في كونه يظل مفتوحًا على التساؤل، قابلاً للتطوير، خاضعًا للنقد الذاتي. والمنهج الذي يتحول إلى عقيدة هو منهج ميت، مهما كان اسمه براقًا، ومهما كان صاحبه عظيمًا.

وهذه ليست مشكلة طه حسين وحده. هذه مشكلتنا نحن مع كل مفكر كبير. نحن نأتي بالمفكر لنحوله إلى صنم. نأتي بالثائر لنحوله إلى تمثال. نأتي بالمنهج لنحوله إلى طقس. هذه عادة سيئة فينا، عادة تحويل كل شيء إلى دين، حتى العلم، حتى النقد، حتى الشك نفسه. نحن أمة تحول كل شيء إلى دين، ثم تقتل من أجل هذا الدين، أو تموت من أجله.

من يجرؤ علي النقد؟!

في ختام هذه المئوية، لا بد من سؤال جريء، سؤال قد يبدو صادمًا للبعض، لكنه ضروري هو من يقرأ طه حسين اليوم؟ ليس من يقرأه في الجامعة لأنه مقرر دراسي، ولا من يقرأه في المناسبات لأنه أيقونة وطنية، ولا من يقرأه انتقائيًّا ليدعم مواقفه المسبقة. من يقرأه بجدية، بوعي، بنقد، برغبة في الفهم ثم التجاوز؟ من يقرأه وهو مستعد لأن يختلف معه، لأن يناقشه، لأن يقول له: أنت كنت على حق في بعض ما قلت، ومخطئ في بعض ما قلت، والزمن الذي نعيشه مختلف، والأسئلة التي نواجهها مختلفة؟

الذي يقرأ طه حسين اليوم بعين ناقدة، بعين لا تخشى شيئًا، سيجد أن كتابه عن الشعر الجاهلي لا يزال حيًا، لا بما قاله، بل بما فتحه من أسئلة. سيجد أن المعركة لم تنته بعد، وأنها مستمرة في شكلها القديم، وفي أشكال جديدة. سيجد أن الشك المنهجي لا يزال، بعد مائة عام، هو السبيل الوحيد لتحرير العقل العربي من سلطة التقديس والتكرار. لكنه سيجد أيضًا أن طه حسين كان ابن عصره، وأن منهجه يحتاج إلى تطوير، وأن أسئلته تحتاج إلى إعادة صياغة، وأن مشروعه النهضوي يحتاج إلى إكمال.

نحن بحاجة إلى أكثر من مجرد الاحتفال بذكرى طه حسين. نحن بحاجة إلى استعادة روحه النقدية، وجرأته في مواجهة السلطة، ورؤيته الحضارية المتكاملة. نحن بحاجة إلى قراءة تراثنا كما قرأ هو تراث الغرب، بعيون ناقدة، حرة، ومناهج علمية لا تخاف من النتائج مهما كانت. نحن بحاجة إلى أن نصنع مشروعنا الثقافي الخاص، لا أن نظل عالقين في مشروعه، مهما كان عظيمًا. نحن بحاجة إلى أن نكون أبناء طه حسين حقًّا، أي أن نكون مثله: شكاكين، باحثين، لا نقدس أحدًا، ولا نقدس حتى طه حسين نفسه.

هزيمة أم انتصار؟

فإذا لم نفعل ذلك، إذا ظللنا كما نحن، نكرر ولا نبدع، نقدس ولا ننقد، نحتفل ولا نفكر، فإن مئوية طه حسين ستمر كغيرها من المئويات، ولن نكون قد أضفنا إلى الثقافة العربية شيئًا يذكر. وسيظل كتاب «في الشعر الجاهلي» قضية تاريخية تدرس في الكتب، لا منهجًا حيًا يطبق في الحياة. وهذا سيكون الانتصار الأكبر لمن حاربوا طه حسين بالأمس، ولمن يحاربون العقل النقدي اليوم، بأسماء جديدة وأشكال متجددة. هؤلاء الذين كانوا أمس في الأزهر وفي البرلمان، وهم اليوم في الفضائيات وفي منصات التواصل الاجتماعي، وفي مناهج التعليم وفي المؤسسات ، يريدون لنا أن نظل في سباتنا الفكري، أن نظل نكرر ولا نبدع، أن نظل أسرى الماضي ولا نصنع مستقبلًا.

فإلى متى؟ إلى متى نظل نكرر ولا نبدع؟ وإلى متى نظل نحتفل بالموتى ولا نحيي الأحياء؟ وإلى متى نظل أسرى الماضي ولا نصنع مستقبلًا؟ هذا هو السؤال الذي تتركه لنا مئوية طه حسين. والسؤال الآن: من يجرؤ على الإجابة؟ ومن يجرؤ على تحويل الإجابة إلى فعل؟

طه حسين فتح الطريق. الباقي علينا. فهل نملك الجرأة على السير فيه؟ أم سنظل واقفين على خط البداية، نردد اسمه، ونحن لا نتحرك؟ هذا هو الاختبار الحقيقي لهذه المئوية. وستحكم علينا الأجيال القادمة ليس بما قلناه عن طه حسين، بل بما فعلناه بعده. فهل سنخيب ظنهم؟ أم سنكون عند حسن ظن طه حسين بنا، حين قال إن العقل العربي قادر على النهوض إذا ما تحرر من قيوده؟

الزمن وحده كفيل بالإجابة. لكنني أخشى أن تكون الإجابة قد بدأت تتكشف بالفعل، في تكرارنا هذا، في عجزنا هذا، في جمودنا هذا. أخشى أن تكون هزيمة المنهج قد تحولت إلى هزيمة للأمة كلها. نسأل الله ألا يكون الأمر كذلك.

***

د. عبد السلام فاورق

 

في المثقف اليوم