عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

آراء

مراد غريبيك حرب السرديات.. وقفة تأملية مع د. سامي عبد العال

هناك مقولة لهايدغر تصف اللغة بأنها بيت الوجود...

وأنت تقرأ عن حرب السرديات للدكتور سامي عبد العال منذ السطور الأولى تستحضر هذه المقولة لكنه يذهب بك أبعد من ذلك حين يقول إن الحرب نفسها تعيش في اللغة قبل أن تعيش في الميدان، إذ إن «الحروب توجد في كلامنا، في رؤوسنا، في خطاباتنا أكثر مما نلقاها في الواقع»، كأننا أمام أنطولوجيا الحرب، ما يضعنا أمام التقليد الفلسفي للأداء اللغوي لكنه الأعمق والأوسع من أوستن وبيرلمان.

لقد وجدت أهم ما في المقالة هو عبارة "هندسة الذهنيات" عبارة أدق ما تكون في كشفها لمشاريع التوجيه الثقافي والسلوك المعرفي والإعلامي عبر إعادة تشكيل أفق التلقي وبنية التوقع لدى الجمهور قبل وقوع الحدث ذاته. والسردية بهذا المعنى ليست كذباً بسيطاً يمكن تفنيده، بل هي إطار تفسيري كامل يجعل الكذب نفسه يبدو معقولاً ومقبولاً، بل ويبدو الكذب فيه «شفافاً» —كما وضح الدكتور عبد العال — من أجل قلب الوقائع إلى أدلة والحماقات إلى طقوس. وهذا نفسه ما نقرأه في نظرية غرامشي حول الهيمنة الثقافية Hegemony، إذ لا تحتاج السلطة إلى إكراه ما دامت قد نجحت في إقناع الجمهور بمشروعية نظرتها للعالم. والأخطر  — حسب الدكتور عبد العال — أن امتلاك العقل الناقد لا يُعفي صاحبه من الوقوع في «دهاليز السردية» بل يجعله يقضي وقتاً طويلاً في فك طلاسمها...

الدكتور سامي عبد العال صور الصراع بين السرديات المعاصرة ولخصه في ثلاث سرديات متنافسة ومتشابكة لا يتنازع فيها الحق بل تتنازع فيها أشكال التغلغل والنفوذ:

1- سردية استبدال الهويات بأخرى وإعادة توزيعها — تنزع الهوية العربية لتحلّ محلها هوية «شرق أوسطية» فضفاضة، مستأنسة مع الوجود الصهيوني. وتستعمل تيمة «العالم الحر» ضد «بربرية الأزمنة الغابرة» — وهي تيمة استشراقية خالصة تُعيد إنتاج ثنائية التحضر/البربرية هذه هي السردية الأمريكية والاحتلال الصهيوني..

2- السردية اللاهوتية: والتي تنتج لتجنّب الإحساس بالغرابة، لكنها تحمل في باطنها هيمنةً سياسية مُقنّعة بمفهوم «لاهوتي» وهي تتقارب مع سابقتها بل أحيانا تتماهى معها وقد تختلف في جوهرها عن منطق السيطرة حسب اختلاف مصدرها..

3- غائبة أو مغيبة فكلتا السرديتين السابقتين تتجاهلان تماماً «الخصوصية الثقافية والإنسانية» للتابع، وتتعاملان معه ككومبارس في مسرح الصراعات بشتى تمثلاتها، هذه واقع العرب.

هنا يحضر دريدا حيث الهوية لا تتكوّن إلا بوجود الآخر المُقصى والمُختلف. والقدرة على إدارة «صناعة العدو» هي القدرة على إدارة الهوية الجمعية للمجتمعات الغربية ذاتها. يعني السرديات الفاعلة لا تبقي   المقعد شاغرا لأن الطبيعة السياسية تأبى الفراغ الذي ينتج الحروب..

الجميل في مقالة الدكتور عبد العال توظيفه لأبيات زهير بن أبي سلمى كلحظةً منهجيةً عميقة الدلالة، تتجاوز مجرد المراوغة الأدبية. فزهير يقول: « وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم» وهذا الموقف يحسب للدكتور سامي عبد العال ويجعل مشروعه الفكري موقفاً حضارياً قبل أن يكون تحليلاً سياسياً: إعادة الاعتبار لذاكرة الثقافة العربية بوصفها مصدراً معرفياً أصيلاً لفهم السياسة والحرب والسرد.

لعل ما استوحيته من مطارحات الدكتور سامي عبد العال في «حروب السرديات» بعد قراءة فلسفية متأنية هو هذا: لقد نقش أفكارا حول السرديات من شأنها رد الاعتبار للمفكر العربي ليس بوصفه مُستهلِكاً للنظريات الغربية في السرد والتأويل، بل بوصفه مُشخِّصاً مستقلاً للحظة التاريخية — يقرأ الراهن بأدواته الخاصة، ويُسمّي ما يراه بلغة فلسفية ونقدية لا تحتاج إلى ترجمة من باريس أو واشنطن أو برلين في ظل عالم تتنازع فيه السرديات لا على الحقيقة بل على حق التعبير عن الحقيقة.

رغم أن الدكتور عبد العال يُشير إلى الغياب العربي كـحالة قائمة، دون التوقف طويلاً لتشريح أسبابه البنيوية العميقة — وهذا هو الإغفال الفلسفي الأول في سرديته عن حرب السرديات. فالسؤال الحقيقي ليس «أين السردية العربية؟» بل «لماذا لا تملك الثقافة العربية شرطَ إنتاج سرديتها الخاصة في الراهن؟ وهذا السؤال يقود إلى أربعة مستويات من التشخيص التي يتجنّبها النص:

- أزمة الذات العربية: السردية تحتاج إلى ذات جمعية متماسكة تُصدرها. والعالم العربي يعيش منذ نكبة 1948 ومروراً بتشظي الهوية القومية وصولاً إلى الربيع العربي حالةً من تفكك الذات الجمعية التي تُنتج السردية. لا يمكن لكيانات مُتصارعة داخلياً ومُتشرذمة خارجياً أن تُصدر سردية موحّدة — لأن السردية تفترض ناطقاً واحداً أو على الأقل جوقةً متناسقة الأصوات.

- مناهج أجنبية: المُثقفون العرب عندما يتداولون إنتاج سردية بديلة يجدون أنفسهم يفكرون وفق مناهج الآخر — يكتبون بمفاهيم غربية، ينشرون في مجلات غربية، يُحاضرون في جامعات تُقيس الجودة بمعايير غربية. فالسردية البديلة تولد مُعطوبةً لأن رحمها نفسه أجنبي.

- نخبة معتزلة: النخبة تُنتج خطابات نقدية متطورة لا تصل إلى الناس، والناس يُنتجون وجدانات وانتفاضات لا تجد لها سرديةً نظرية تُعبّر عنها.

- المؤسسات السردية: السردية الأمريكية لها هوليوود، وناشيونال جيوغرافيك، وجامعات الآداب، وخوارزميات غوغل. السردية الإيرانية والسردية التركية والصينية والروسية لها مؤسسات راسخة ومنظومة تعليمية متماسكة. العالم العربي يفتقر إلى مؤسسات إنتاج السردية — وهذا غياب هيكلي لا فكري.

ثم نصل إلى الاستشراق خبير هندسة الذهنيات- من هيرودوت أولاً، المستشرقون الكلاسيكيون (رينان، غولدتسيهر، نولدكه)، ثم الاستشراق السياسي الحديث (برنار لويس، صموئيل هنتنغتون) — كلهم يُمارسون ما يُسمّيه عبد العال «حرب السرديات  « وهنا أتساءل لماذا لم يتناول الدكتور سامي عبد العال آليات إنتاج المعرفة السردية الإمبريالية عند ادوارد سعيد وهي بالضبط ما استجمعه في مقاله "حرب السرديات"؟ !

أيضا هناك الاستشراق المعكوس كما صوره فرانس فانون وهو ما نجده لدى السرديات اللاهوتية غالبا بلحاظ الامبريالية.. لكنني أجد أن الجزء الأول من مقاله يبدو مقدّمةً تأسيسية لمشروع أوسع، وربما يعالج الدكتور عبد العال هذه الأسئلة في أجزاء لاحقة.

المؤكد أن مشروع الدكتور سامي عبد العال في «حروب السرديات» يُمثّل جهداً فكرياً جاداً ونادراً في الفضاء العربي الراهن، لكنه يقف — في جزأيه الأولين على الأقل — عند حدود التشخيص دون العلاج، والوصف دون التأريخ، بينما الإكمال الفلسفي الحقيقي لهذا المشروع يستلزم مناقشةً جادة مع ادوارد سعيد وبن نبي وفانون وشريعتي، وجرأةً على نقد البنى الداخلية للثقافة العربية بذات الحدّة التي يُواجه بها الآخرَ وهذا أعلم جيدا أنه من صميم النظام الفكري والفلسفي لدى الدكتور عبد العال.  دون أن نغفل عن كون السردية التحررية لا تُبنى ضد الغرب وحده — بل تُبنى على آثار النكوص الثقافي أيضاً ما بعد بن خلدون والجاحظ وابن المقفع وما افتقدناه من قبيل مقامات الحريري ...

يبقى في الختام القول: ما بين انطولوجيا السرديات والسرد الانطولوجي يُعاد تشكيل الوعي وهندسة الذاكرة وصناعة المستقبل. ولقد بيّن الدكتور سامي بحنكة فلسفية نادرة عربيا كيف أن الحروب الكبرى في عصرنا لا تُخاض في الميادين وحسب، بل تُحسم في المفاهيم والأطر والاستعارات.. ناهيك عن شجاعة أن تُسمّي الأشياء بأسمائها في زمن تحترف فيه السرديات المهيمنة تبديلَ الأسماء وتزييفَ الدلالات.. شكرا الدكتور سامي وننتظر ما تتحفنا به -ان شاء الله- في الحلقات القادمة من هذا المشروع الفكري الفريد..

***

مراد غريبي