عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

آراء

سليم جواد الفهد: العقيدة والوطن (3)

اللجوء إلى الاستدراك القيمي عند التعارض الاستثنائي

تمهيد في فهم العنوان:

الاستدراك القيمي عند التعارض الاستثنائي هو مفهوم دقيق يُقصد به: تلك اللحظة المنهجية التي يلجأ فيها العقل إلى إعادة ترتيب سلم الأولويات وتجاوز الانتماءات الولادية التزاما بالمعيار الأخلاقي أو المبدئي الأسمى وذلك عند وقوع تصادم حقيقي ومفاجئ بين قيمتين أو التزامين كان يُظن أنهما يسيران في خط متواز.

ولفهم هذا المعنى بوضوح تام نقول:

في الظروف الطبيعية تعيش الثنائيات الكبرى (كالعقيدة والوطن أو المبدأ والمصلحة) في حالة انسجام وتكامل فالوطن يحضن العقيدة والعقيدة تحث على حماية الوطن.

لكن أحيانا يحدث "استثناء" شاذ أو أزمة طارئة يُفرض فيها على الإنسان خيار قسري تتقاطع فيه مصلحة المكان الجغرافي (الوطن) مع مقتضى المبدأ المطلق مثل أن يُطلب من الإنسان التنازل عن قناعاته وقيمه الفكرية أو مبادئه الأخلاقية والعقدية بحجة الولاء المطلق للسلطة السياسية -و في شرقنا البائس غالبا ما تتماهى السلطة السياسية والوطن مع القائد الضرورة- القائمة في الوطن وقت الأزمة كالحرب مثلا.

حدث ذلك في ألمانيا النازية عندما أجبر هتلر المثقفين الألمان على الأنتماء إلى الحزب النازي وإيطاليا الفاشية بقيادة (موسوليني) ونظام البعث الفاشي في العراق. هذا التقاطع القسري هو ما يُسمى بـ "التعارض الاستثنائي".

فماذا يعني "الاستدراك" هنا؟

الاستدراك في اللغة هو: اللحاق والوصول أي تدارك أمر فائت أو تصحيح مسار أو تدارك نقص.

أما "الاستدراك القيمي" فهو إدراك العقل بأن الولاء المكاني (الوطن) لا يمكن أن يكون هو المرجع الأعلى عند نقطة الصراع القصوى فيقوم العقل بـ "استدراك" الموقف والرجوع إلى الأصل الأثبت والأشمل -وهو منظومة القيم والمبادئ والعقيدة الكبرى- ليجعلها هي الحاكمة والمهيمنة.

مثال للتوضيح: لو تخيلنا فردا وُضع أمام خيارين لا ثالث لهما في نظام استبدادي طارئ: إما أن ينافق ويساند باطلا ويزيف الحقائق التزاما بالتعليمات لسلطة استبدادية وإما أن يثبت على مبدئه وقيمه وإن كلفه ذلك التغريب أو التضحية.

كما فعل نظام البعث الفاشي بالشيوعيين عندما طلب منهم البراءة من حزبهم تحت التعذيب والترهيب.

هنا يحدث الاستدراك القيمي: يتدخل الميزان الأخلاقي العقدي ليقول: إن الوطن الحقيقي للإنسان هو الذي يقوم على العدل والكرامة والحق وإن الانتماء الحقيقي لا يسقط في مهب الأزمة فتقدم "القيمة المطلقة" كخيار على "المكان المجرد" وقتيا لأن الوطن باقي في الوجدان وإن بعدت عنه وإن طالت الغربة فحبك لوطنك وحلمك بأن يكون أرقى الأوطان هو الذي يدفعك إلى مغادرته أملا بزوال الظلم عنه.

هذا هو الاستدراك القيمي فعند التعارض الاستثنائي يكون هو بوصلة النجاة الفكرية حين يختلط الحابل بالنابل وتتزاحم الولاءات الظاهرية فيستدرك العقل الواعي ليختار المعيار الأبقى والأشرف جاعلا من المبدأ والأصل القيمي معيارا يُقاس به كل ولاء في ظروف الطوارئ.

***

سليم جواد الفهد

في المثقف اليوم