عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

مقاربات فنية وحضارية

كاظم شمهود: أليساندرو دي بوتيتشيلي.. احد عمالقة التصوير في عصر النهضة

Florence ، -1510 1445 – Sandro- Botticino

كان بوتيتشيلي رسامًا من المرحلة الأولى لعصر النهضة الإيطالية، وينتمي إلى الجيل الثالث من فناني تلك المرحلة، الذي قاده الحاكم - لورنزو دي ميديشي - الملقب بـ«العظيم» والكاتب أنجيلو بوليتسيانو في فلورنسا أواخر القرن الخامس عشر. وقد سعى أفراد هذا الجيل إلى تحقيق حرية التعبير الإنساني المستوحاة من الحضارة الكلاسيكية القديمة. بعد أقل من مئة عام، اعتبر المؤرخ جورجيو فازاري هذه المرحلة الفنية المزدهرة، التي ازدهرت برعاية آل ميديشي، «عصرًا ذهبيًا»، وقد روى حياة بوتيتشيلي منذ طفولته حتى وفاته في كتابه «حياة أشهر المعماريين والرسامين والنحاتين الإيطاليين»... في حياته، ارتبط نجاح بوتيتشيلي أساسًا برسم لوحات العذراء مريم، وكانت معظم أعماله ذات طابع ديني. إلا أن شهرته تراجعت بعد وفاته لعدة قرون، قبل أن تُستعاد في أواخر القرن التاسع عشر، حيث اعتُبرت أعماله نموذجًا راقيًا للأناقة الخطية في فن عصر النهضة المبكر. واليوم يُعرف أكثر بلوحاته الأسطورية مثل ولادة فينوس والربيع، وهما من أشهر روائع الفن الفلورنسي.. تميّز أسلوب بوتيتشيلي بخطوط دقيقة وأجساد رشيقة غالبًا ما تبدو ممدودة، مع إحساس بالحركة يظهر من خلال الأقمشة والأوشحة المتموجة وكأن الرياح تحركها.

النشأة والشباب - وُلد بوتيتشيلي في حي شعبي بمدينة فلورنسا، وكان أصغر أربعة أبناء لعائلة يعمل والدها في دباغة الجلود. ويُعتقد أن أخاه الأكبر «جوفاني»، الذي كان يُلقب بـ«بوتيتشيللو»، قد تكفل بتربيته، ومن هذا اللقب اشتُق اسم «بوتيتشيلي».. نشأت العائلة في بيئة مرتبطة بعائلة ميديشي القوية، كما تأثر بوتيتشيلي بالأفكار الإنسانية والأفلاطونية الجديدة المنتشرة آنذاك في فلورنسا. وقد تلقى تعليمًا جيدًا مقارنة بفناني عصره، ثم تدرب أولًا في صياغة الذهب مع أخيه، قبل أن يُرسل إلى مشغل الرسام فرا فيليبو ليبي، الذي ترك أثرًا بالغًا في أسلوبه الفني.. تأثر أيضًا بفن ماساتشيو، ثم عمل لاحقًا في ورشة أندريا ديل فيروكيو إلى جانب ليوناردو دا فينشي. ومنذ عام 1470 أصبح لديه مشغله الخاص، وبدأت شخصيته الفنية المستقلة بالظهور.106 Sandro

علاقته بآل ميديشي

لفتت موهبته انتباه عائلة ميديشي، فحصل منهم على العديد من الطلبات الفنية. رسم لوحات وتماثيل رمزية وصورًا شخصية لأفراد العائلة، ومن أشهر أعمال تلك المرحلة لوحة «عبادة المجوس» التي تضمنت صورًا لأفراد آل ميديشي أنفسهم.. كما نفذ أعمالًا سياسية بطلب من لورنزو دي ميديشي، من بينها لوحة «بالاس والقنطور»، التي تمجد انتصار آل ميديشي على خصومهم.

 وفي عام 1481 استدعاه البابا سيكستوس الرابع إلى روما للمشاركة في تزيين كنيسة السيستينا إلى جانب كبار فناني عصره. وهناك رسم عدة جداريات من أشهرها: تجارب موسى» تجربة المسيح» عقاب المتمردين» ورغم أن مساهمته اعتُبرت أقل نجاحًا مقارنة ببعض زملائه، فإن هذه التجربة عززت مكانته الفنية.

في ثمانينيات القرن الخامس عشر، بلغ بوتيتشيلي ذروة نضجه الفني، فرسم أشهر أعماله ذات الطابع الأسطوري والفلسفي، المستوحاة من الفكر الأفلاطوني الجديد الذي تبناه مثقفو آل ميديشي.

من أشهر هذه الأعمال: الربيع , ولادة فينوس، بالاس والقنطور . وفي لوحة «ولادة فينوس»، وصل بوتيتشيلي إلى ذروة أسلوبه الجمالي، حيث لم يسعَ إلى الواقعية الدقيقة بقدر ما ركز على الجمال والانسجام المثالي، حتى لو تطلب ذلك تشويهًا متعمدًا لبعض النسب الطبيعية.

و في أواخر حياته، تأثر بوتيتشيلي بالأجواء الدينية المتشددة التي نشرها الراهب جيرولامو سافونارولا في فلورنسا. وقد أدى هذا التحول إلى ابتعاده عن الموضوعات الوثنية والأسطورية، واتجه نحو أعمال أكثر روحانية وكآبة... ومن أبرز أعمال هذه المرحلة: الافتراء» الميلاد الصوفي» . كما يُقال إن بعض أعماله أُحرقت خلال «محرقة الغرور» التي نظمها أتباع سافونارولا لحرق الأشياء التي اعتبروها رموزًا للفساد الدنيوي.107 Sandro

حياته الشخصية ووفاته

لم يتزوج بوتيتشيلي قط، ويبدو أنه كان ينفر من فكرة الزواج. ويرجح أن علاقته الأقرب كانت مع سيمونيتا فيسبوتشي، التي ظهرت ملامحها في العديد من شخصياته النسائية.. توفي في 17 مايو 1510 ودُفن في كنيسة «أوغنيسانتي» في فلورنسا. ويُعد بوتيتشيلي أحد أبرز ممثلي الفكر الإنساني والأفلاطوني الجديد في عصر النهضة، وقد مزج في أعماله بين الرموز المسيحية والوثنية بأسلوب شاعري وأنيق.. ورغم أن شهرته خبت لقرون بعد وفاته، فإن فناني حركة ما قبل الرفائيلية في القرن التاسع عشر أعادوا اكتشاف أعماله، ليصبح اليوم أحد أشهر رسامي عصر النهضة الإيطالية وأكثرهم تأثيرًا.

اعتمد في أعماله على الرشاقة والأناقة الفكرية والتعبير الرقيق عن المشاعر، مع تأثر واضح بالفن القوطي وبالفنون الكلاسيكية القديمة في الوقت نفسه. تتميز لوحاته بغموض رمزي جعلها موضوعًا دائمًا للدراسة والتحليل، خصوصًا فيما يتعلق بالفلسفة والشعر الإنساني في عصر النهضة. فهي لا تشرح نصًا واحدًا محددًا، بل تستند إلى مجموعة من الأفكار والرموز المتداخلة. وقد وصفه فازاري بأنه مثال لـ«النعمة الفنية»، بينما اعتبره الناقد الإنجليزي جون راسكن أحد أبرز ممثلي الرومانسية المسيحية..108 Sandro

لوحتا «الربيع» و«ولادة فينوس»

تُعد لوحة الربيع من أهم أعمال عصر النهضة وأكثرها غموضًا من حيث المعاني الرمزية. رسمها بوتيتشيلي لعائلة ميديشي، وهي تمثل مزيجًا من الأساطير القديمة والفلسفة الأفلاطونية الجديدة. تضم اللوحة شخصيات أسطورية متعددة مثل فينوس، كيوبيد، الزهور، والآلهة الرومانية، وقد فُسّرت بطرق مختلفة؛ منها أنها ترمز إلى الحب الروحي، أو إلى قدوم الربيع والتجدد، أو إلى الانسجام بين الجمال والطبيعة. أما لوحة ولادة فينوس فهي من أشهر اللوحات في تاريخ الفن الغربي. تصور الإلهة فينوس وهي تخرج من البحر على صدفة كبيرة، في مشهد يجمع بين الجمال المثالي والشاعرية الرقيقة. لم يكن هدف بوتيتشيلي في هذه اللوحة نقل الواقع كما هو، بل خلق صورة مثالية للجمال، ولهذا تجاهل بعض القواعد الطبيعية في تشريح الجسد، مثل طول الرقبة ووضعية الكتف والذراع، لتحقيق مزيد من الانسجام البصري.

كثير من المصورين العمالقة والكتاب تهمل اعمالهم في حياتهم نتيجة لاحداث مؤثرة حيث خبت شهرتهم وطمست. ولكن الزمن يدور ويكون كفيل باحيائهم ومسح الغبار مهما غيبوا عن منجزاتهم الانسانية العاملة في بناء الفكر والحضارة . وكان بوتيتشيلي قد اهمل لعدة قرون ثم اعيد احياءه في القرن التاسع عشر .109 Sandro

د. كاظم شمهود

في المثقف اليوم