قضايا

حمزة مولخنيف: حين يفقد الكلام معناه

في تشظّي العقل العمومي وانهيار شروط الحوار

لم يعد السؤال اليوم هو لماذا يختلف الناس، بل لماذا صار الاختلاف ذاته مستحيلاً أن يُدار؟. فأن يختلف البشر هو علامة الحياة، أما أن يعجزوا عن تحويل اختلافهم إلى كلام قابل للفهم المتبادل فذلك علامة على تصدّع عميق في بنية العقل العمومي. لقد كان يورغن هابرماس يرى أن الحداثة لا تقوم على التقنية أو السوق، بل على «الفعل التواصلي» بوصفه الفضاء الذي تتكوّن فيه الإرادة العامة عبر الحجاج العقلاني، غير أن هذا الفضاء نفسه بات اليوم ملوّثاً مخترقاً ومختزلاً إلى تبادلات انفعالية لا تتوخّى الحقيقة ولا تسعى إلى التفاهم بل إلى الغلبة الرمزية.

العقل العمومي كما تشكّل تاريخياً في الفلسفة السياسية الحديثة، لم يكن مجرد مجموع آراء الأفراد، بل نمطاً مخصوصاً من التعقّل المشترك، حيث تتلاقى الذوات في أفق افتراضي من القابلية للتبرير. كان كانط يقول إن التنوير هو خروج الإنسان من قصوره الذي اقترفه في حق نفسه، وهذا الخروج لا يتم إلا عبر الاستعمال العمومي للعقل، أي حين يتكلّم المرء لا بصفته فرداً خاصاً بل بوصفه عضواً في جمهور افتراضي يخضع فيه القول لمعيار الكونية. غير أن هذا الأفق الكوني تآكل اليوم، لأن اللغة نفسها فقدت قدرتها على إنتاج معنى مشترك، وصارت الكلمات تُستهلك كما تُستهلك السلع: سريعة آنية بلا ذاكرة ولا مسؤولية.

ما نعيشه ليس مجرد تراجع في آداب الحوار، بل انكسار في البنية الرمزية التي تجعل الحوار ممكناً. حين يقول فيتغنشتاين إن «حدود لغتي هي حدود عالمي»، فإنه لا يقصد مجرد المفردات، بل أشكال الحياة التي تمنح الكلمات معناها. فإذا تشظّت أشكال الحياة، وتفكّكت المرجعيات، وصار كل فرد يعيش في فقاعة دلالية خاصة، فإن الكلمات نفسها تتحوّل إلى أشباح تتجاور دون أن تتلامس. حيث يبدو الحوار وكأنه قائم، بينما هو في الحقيقة مجرد تصادم مونولوجات.

العقل العمومي كان يفترض وجود حد أدنى من العالم المشترك، من الوقائع المتقاسمة، ومن القيم القابلة للتداول. اليوم في زمن ما بعد الحقيقة، لم يعد الواقع نفسه متفقاً عليه. فكما تقول حنة أرندت، «حين ينهار التمييز بين الحقيقة والرأي، يصبح كل شيء ممكناً سياسياً». في هذا المناخ، لا يعود النقاش بحثاً عن الصواب، بل صراعاً على فرض رواية. تختفي الحجة لتحل محلها الهوية، ويُستبدل البرهان بالانتماء، وتتحوّل اللغة إلى أداة تعبئة لا إلى وسيط فهم.

تتجذّر هذه الأزمة في تحوّل عميق أصاب الفضاء العمومي نفسه. كان هذا الفضاء، كما تصوّره هابرماس، مجالاً وسطاً بين الدولة والمجتمع تُتداول فيه القضايا العامة بحرية نسبية، خارج منطق السلطة والمال. غير أن هذا الفضاء أُفرغ اليوم من مضمونه النقدي، وأُعيد تشكيله وفق منطق الخوارزميات التي تكافئ الإثارة لا العمق، والحدّة لا التعقّل. ما ينتشر ليس ما هو أكثر صدقاً بل ما هو أكثر قابلية للتداول، وما يُرى ليس ما هو أكثر وجاهة بل ما هو أكثر قابلية للاستفزاز.

ولم يعد العقل العمومي يُنتَج من خلال النقاش، بل من خلال التكرار. الرأي الذي يتكرّر أكثر يكتسب سلطة، لا لأنه أُخضع للنقد، بل لأنه خضع للخوارزمية. في هذا الأفق يغدو الحوار وهماً إجرائياً، لأن الأطراف لا تلتقي في ساحة مشتركة، بل في أسواق متجاورة، لكلٍّ منها منطقها ولغتها ومعاييرها. لا أحد يسمع الآخر حقاً، لأن كل واحد يتكلّم داخل نظام صدى يعيد إليه صوته مضخَّماً.

تفقد المفاهيم الكبرى معناها التداولي. الحرية، العدالة، الحقيقة، الديمقراطية، كلها كلمات تُستعمل بكثافة، لكنها نادراً ما تُفهم بنفس الطريقة. وكما لاحظ جورج أورويل، فإن «أخطر ما يمكن أن يصيب اللغة هو أن تتحوّل إلى أداة لإخفاء الفكر لا للتعبير عنه». حين تُستعمل الكلمات لتعبئة المشاعر لا لتوضيح المعاني، يصبح الحوار مستحيلاً، لأن المتحاورين لا يتنازعون حول نفس الأشياء.

تزداد الأزمة تعقيداً حين يدخل عامل الهوية على خط النقاش. فبدل أن يكون الرأي موقفاً قابلاً للنقد، يصير امتداداً للذات، وأي اعتراض عليه يُستقبل كاعتداء وجودي. في هذه اللحظة، تنهار المسافة التي تجعل النقاش ممكناً، تلك المسافة التي تسمح لي أن أقول «قد أكون مخطئاً». وقد عبّر كارل بوبر عن جوهر العقلانية بقوله إننا لا نبحث عن إثبات أننا على حق، بل عن اكتشاف أين نكون على خطأ. لكن هذه الروح النقدية تفترض ذاتاً قادرة على الانفصال عن آرائها، وهو ما تآكل في زمن تتماهى فيه الهوية مع الموقف.

لا يمكن فهم استحالة الحوار اليوم دون ربطها بتحوّل الذات الحديثة نفسها. فالذات التي كانت في مشروع الأنوار ذاتاً نقدية، قابلة للمراجعة، صارت اليوم ذاتاً تعبيرية، تسعى إلى تأكيد نفسها عبر الكلام لا إلى اختبار صدقه. كما أشار إلى  شارل تايلور، نحن نعيش في عصر «أخلاق الأصالة»، حيث يُقاس القول بمدى تعبيره عن الذات لا بمدى مطابقته للواقع. ضمن ترتيب كهذا، يصبح كل حوار صراعاً بين ذوات تطلب الاعتراف، لا بين عقول تطلب الحقيقة.

يتحوّل النقاش العمومي بذلك إلى مسرح للعواطف الجريحة، لا إلى مختبر للأفكار. ويكفي أن تُمسّ هوية ما حتى ينفجر الخطاب في شكل اتهامات وشيطنة وتخوين. لا أحد يصغي، لأن الإصغاء يفترض استعداداً للتغيّر، وهذا ما يتعارض مع منطق الهوية الذي يقوم على الثبات. هنا يفقد العقل العمومي وظيفته التوفيقية، ويغدو مجرد حقل ألغام رمزية.

ثمّة أيضاً بعد تقني لا يمكن إغفاله. فالوسائط الرقمية لم تغيّر فقط سرعة التواصل، بل غيّرت بنيته. النصوص القصيرة والصور والمقاطع السريعة، كلها تفرض نمطاً من الإدراك يقوم على الومضة لا على الحجاج. وقد حذّر نيتشه منذ القرن التاسع عشر من أن «الأدوات التي نكتب بها تشارك في تشكيل أفكارنا». فإذا كانت أدواتنا اليوم مصمّمة للاختصار والانتباه السريع، فإن أفكارنا نفسها تصبح مجتزأة، غير قادرة على بناء مسارات استدلالية طويلة. كيف يمكن لحوار فلسفي أن ينشأ في فضاء لا يصبر على جملة مركّبة؟.

تتجسّد أزمة العقل العمومي أيضاً في انهيار الثقة. فالحوار لا يقوم فقط على تبادل الأقوال، بل على افتراض حسن النية. حين يتكلم الآخر، أفترض أنه يسعى مثلي إلى شيء من الصواب. لكن في زمن الاستقطاب، يُفترض في الآخر مسبقاً أنه خادع ومتواطئ أو أيديولوجي. في ضوء ذلك، يصبح كل قول مشبوهاً قبل أن يُفهم. وكما كتب بول ريكور، «الريبة حين تتحوّل إلى موقف دائم، تقتل إمكان المعنى».

هذا المناخ من الشك الشامل يحوّل الحوار إلى معركة تأويل. لا نناقش ما قيل، بل ما نعتقد أنه قُصد. لا نرد على الحجة، بل على النية المفترضة وراءها. وهكذا تُستبدل السجالات الفكرية بمحاكمات أخلاقية. وضمن وضع كهذا، لا يعود الخطأ مسألة معرفية، بل خطيئة سياسية أو أخلاقية، ما يجعل التراجع مستحيلاً، لأن الاعتراف بالخطأ يعني فقدان المكانة داخل الجماعة.

العقل العمومي في جوهره، كان وعداً بأن الحقيقة يمكن أن تكون نتيجة لتفاعل الذوات لا لسلطة مفروضة. هذا الوعد يتآكل اليوم لأن شروطه الرمزية والمؤسساتية تآكلت. لم يعد هناك وقت كافٍ للتفكير، ولا ثقة كافية بالآخر، ولا لغة مشتركة بما يكفي. ما بقي هو ضجيج دائم، يملأ الفراغ الذي تركه المعنى.

ومع ذلك، فإن تشخيص الأزمة لا يعني التسليم بها. فكما يقول غرامشي، «تشاؤم العقل يجب أن يقترن بتفاؤل الإرادة». إدراك أن الحوار صار مستحيلاً في صورته الراهنة هو الخطوة الأولى نحو التفكير في شروط إمكانه من جديد. لكن هذا يقتضي أولاً أن نعترف بأن العقل العمومي ليس معطى طبيعياً، بل بناء هشّ يحتاج إلى رعاية لغوية تربوية ومؤسساتية. بدون ذلك، سيظل الكلام يتكاثر فيما المعنى يتضاءل، وسيبقى كل واحد يتكلم لا مع الآخرين بل ضدهم.

يمتدّ هذا التفكك في العقل العمومي إلى مستويات أعمق من مجرد ضعف التواصل، ليطال البنية الأخلاقية التي تجعل الخطاب ممكناً من حيث هو تعاقد ضمني على الاعتراف المتبادل. فكما نبّه إيمانويل ليفيناس، فإن العلاقة مع الآخر ليست علاقة معرفة فقط بل علاقة مسؤولية، وحين يُختزل الآخر في صورة نمطية أو في تمثيل أيديولوجي، يُلغى بوصفه ذاتاً ويُستبدل بوظيفة في خطاب صراعي. في هذه الحالة لا يعود الحوار لقاءً بين وجوه، بل احتكاكاً بين أقنعة، كل واحد منها مصمم لردّ الضربات لا لتلقي المعنى.

يشتغل هذا التحوّل على مستوى اللغة نفسها، إذ تصبح الكلمات حوامل لمواقف جاهزة بدل أن تكون وسائط لاستكشاف المعنى. حين أقول «حرية» أو «هوية» أو «تقدّم»، لا أفتح أفقاً للتداول بل أطلق إشارة انتماء. وهنا يتحقق ما كان ميشيل فوكو يسميه «أنظمة الخطاب»، حيث لا يُقاس القول بصدقه بل بموقعه داخل شبكة من القوى. العقل العمومي في هذه الحالة لا يُدار بالحجج بل بالاستقطابات، ولا يُنتج معرفة بل يعيد إنتاج مواقع سلطوية في شكل رمزي.

وإذا كان كانط قد ربط العقل العمومي بالقدرة على التفكير من موقع الآخر، فإن هذه القدرة نفسها تبدو اليوم معطوبة. التفكير من موقع الآخر يفترض خيالاً أخلاقياً يسمح لي بتعليق مركزيتي، لكن هذا الخيال يتآكل في بيئة رقمية تشجّع على التمركز حول الذات. كل واحد محاط بصورته وبآرائه وبتفاعلات تؤكد ما يعتقده، فلا يعود مضطراً لعبور المسافة التي تفصل بينه وبين المختلف. وبدون هذه المسافة لا يوجد حوار بل تكرار.

تُفاقم الثقافة السياسية المعاصرة هذا الوضع حين تحوّل كل نقاش إلى ساحة استقطاب. فبدل أن تكون السياسة مجالاً لتدبير الاختلاف، صارت مجالاً لتضخيمه. كما لاحظ كلود لوفور، الديمقراطية تقوم على فراغ في مركز السلطة، أي على غياب حقيقة نهائية تُفرض على الجميع، لكن هذا الفراغ صار اليوم يُملأ بهويات صلبة تدّعي امتلاك الحقيقة، فتغلق أفق النقاش باسم اليقين. وهكذا يتحوّل العقل العمومي من فضاء مفتوح إلى ميدان مغلق تُرسم فيه الحدود بين «نحن» و«هم».

تلعب العاطفة دوراً مركزياً في توجيه الخطاب. ليس لأن العاطفة نقيض العقل، بل لأنها صارت بديلاً عنه. تُستثمر المخاوف والإهانات ومشاعر الظلم لتعبئة الجماعات، فتغدو الحجج زوائد غير ضرورية. وقد أدرك سبينوزا منذ قرون أن الإنسان يُقاد بعواطفه أكثر مما يُقاد بعقله، لكن مشروع التنوير كان محاولة لبناء مؤسسات تخفف من هذا القيد. اليوم تُهدم هذه المؤسسات الرمزية، وتُترك العواطف لتدير الفضاء العمومي مباشرة بلا وساطة.

تظهر هنا مفارقة عميقة: كلما تضاعفت وسائل التعبير، تقلّصت إمكانات الفهم. ليس لأن الناس صاروا أقل ذكاءً، بل لأن شروط الانتباه والتفكير المشترك تدهورت. وكما كتبت حنة أرندت، التفكير يحتاج إلى عزلة مؤقتة وإلى توقف عن الضجيج، لكن ثقافة الاتصال الدائم لا تتيح هذه العزلة. نحن نتكلم باستمرار، لكننا نفكّر أقل، ومن لا يفكّر لا يمكنه أن يحاور.

ومع تراجع التفكير، يتراجع أيضاً الإحساس بالزمن. الحوار يفترض صبراً وتراكم حجج، وإمكانية للعودة والتصحيح. لكن الزمن الرقمي زمن لحظي، يقيس القيمة بالسرعة لا بالعمق. في هذا الزمن، يبدو من يتأنّى ضعيفاً ومن يتردد مهزوماً. حيث هنا تُكافأ القطيعة لا المراجعة، وتُستبدل الاستدلالات الطويلة بعبارات حاسمة قصيرة، وتُغلق النقاش بدل أن تفتحه.

إن استحالة الحوار اليوم ليست إذن فشلاً أخلاقياً فردياً بقدر ما هي أزمة بنيوية في نمط إنتاج المعنى. فالعقل العمومي لا يعيش في الفراغ، بل داخل منظومات تعليمية إعلامية وتقنية. حين تُربّى الأجيال على الامتحان لا على السؤال، وعلى الرأي لا على الحجة، فإنها تدخل الفضاء العمومي وهي تفتقر إلى أدوات الحوار. وكما قال سقراط، الحياة التي لا تُفحص لا تستحق أن تُعاش، لكن ثقافة اليوم تدرّب الناس على الاستهلاك لا على الفحص.

ولا يمكن استعادة إمكان الحوار دون استعادة قيمة التفلسف بالمعنى الواسع، أي بوصفه ممارسة للشك المنهجي، وللسؤال الذي لا يطمئن إلى أول جواب. التفلسف ليس ترفاً أكاديمياً، بل شرطاً لوجود عقل عمومي حي. حين يسأل المواطن لا كخبير بل كذات راغبة في الفهم، يُعاد فتح أفق التداول. لكن هذا يتطلب شجاعة الاعتراف بالجهل، وهي فضيلة نادرة في زمن تُكافأ فيه اليقينيات الجاهزة.

ثمّة بعد آخر لا يقل أهمية وهو البعد السردي. فالمجتمعات لا تتحاور فقط عبر الحجج، بل عبر القصص التي ترويها عن نفسها. حين تتفكك هذه السرديات المشتركة، يصير كل فرد حاملاً لرواية لا يجد من يشاركها. وكما أشار بول ريكور، الهوية السردية هي ما يجعل الذوات قادرة على أن ترى نفسها في حكاية أوسع. بدون هذه الحكاية، يتحول النقاش إلى تنازع بين ذاكرات متنافرة.

إن أزمة العقل العمومي هي في العمق أزمة معنى. ما الذي يعني أن نعيش معاً؟ ما الذي يجعلنا شركاء في عالم واحد؟ هذه الأسئلة لا تُطرح اليوم، لأن الضجيج يغطي عليها. لكن بدونها لا يمكن لأي حوار أن يتأسس. الحوار ليس تبادلاً للمعلومات، بل محاولة لبناء عالم مشترك بالكلمات. وحين تفقد الكلمات قدرتها على البناء، يتحول العالم إلى شظايا.

ومع ذلك، لا ينبغي السقوط في نوستالجيا مثالية عن زمن كان فيه الحوار نقياً. لم يكن كذلك أبداً. الصراع جزء من السياسة، واللغة كانت دائماً ساحة قوة. الجديد اليوم هو أن هذا الصراع فقد وسائطه العقلانية. لم نعد نختلف داخل أطر مشتركة بل خارجها. وهذا ما يجعل كل خلاف يبدو وجودياً.

استعادة إمكان الحوار تقتضي إعادة بناء هذه الأطر، لا فرض توافقات مصطنعة. تقتضي تعليم الحجاج، وإحياء الفضاءات التي تسمح بالكلام الطويل وبالخطأ وبالتراجع. تقتضي أيضاً مقاومة منطق الخوارزمية الذي يحوّل كل شيء إلى محتوى، وكل رأي إلى سلعة. فكما قال أدورنو، حين تُستعمر الثقافة بمنطق السوق، يفقد العقل قدرته على السلب، أي على قول «لا» لما هو قائم.

إن العقل العمومي ليس كياناً مجرداً بل ممارسة يومية. هو يتكوّن حين يختار الناس أن يصغوا بدل أن يصرخوا، أن يسألوا بدل أن يتهموا، أن يفكروا بدل أن يكرروا. قد يبدو هذا مثالياً، لكنه في الحقيقة واقعي أكثر من وهم التواصل الذي نعيشه. فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من الأصوات، بل إلى مزيد من المعنى.

إن استحالة الحوار ليست قدراً بل نتيجة. نتيجة تاريخ طويل من تآكل المؤسسات الرمزية ومن تسليع اللغة ومن تحويل السياسة إلى هوية، ومن اختزال الذات في صورتها. إدراك هذا المسار هو الخطوة الأولى نحو قطعه. فكما كان يقول فالتر بنيامين، كل وثيقة حضارة هي في الوقت نفسه وثيقة بربرية، وكذلك كل أزمة تحمل في طياتها إمكان تجاوزها.

هذا التأمل ليست دعوة إلى توافق ساذج، بل إلى شجاعة الاختلاف العقلاني. أن نختلف لا بوصفنا أعداء، بل بوصفنا شركاء في عالم لم يُحسم بعد. أن نستعيد الثقة في اللغة بوصفها بيت الوجود كما قال هايدغر، لا بوصفها سلاحاً. أن نعيد للعقل العمومي معناه بوصفه أفقاً مفتوحاً للتبرير، لا ساحة مغلقة للتعبئة. عندها فقط يمكن أن يعود الحوار ممكناً لا لأنه سهل، بل لأنه ضروري.

***

د. حمزة مولخنيف

في المثقف اليوم