قضايا
غالب المسعودي: اقتصاديات الإذلال وسيكولوجية الاستبداد
تفكيك العقد الاجتماعي المشوه وسردية "نحن أو الفوضى"
مقدمة: هندسة الخوف والعبودية
في قلب البنية السياسية للدول المستبدة وتحديدا تلك المصنفة كدول فاشلة أو التي تتأرجح على حافة الانهيار تكمن سردية مركزية تحكم العلاقة بين الحاكم والمحكوم. هذه السردية لا تستمد مشروعيتها من الدستور، ولا من الإنجاز الاقتصادي، ولا حتى من الكاريزما التقليدية للزعيم، بل ترتكز على معادلة صفرية وحشية: "الذل والاستعباد مقابل وهم الأمن والأمان".
هذه المعادلة، التي يطرحها هذا التقرير للنقاش، ليست تكتيكاً سياسياً عابراً، بل هي "تقنية حكم" راسخة، تعيد تشكيل الوعي الجمعي، وتشوّه البنية الاقتصادية، وتستدعي موروثات ثقافية ونفسية عميقة لضمان ديمومتها. إن السؤال المركزي الذي يوجه هذا البحث هو: هل نحن أمام تجلٍ متطرف لنظام رأسمالي عالمي يعيد إنتاج نفسه في الأطراف عبر ما يمكن تسميته بـ "الرأسمالية الاستبدادية"، أم أننا بصدد ظاهرة بنيوية ونفسية مرتبطة بـ "شرط ما بعد الاستعمار" وسيكولوجية الشعوب المقهورة؟
للإجابة، يستدعي التقرير أدوات التحليل الفلسفي (من هوبز إلى أرندت)، والاقتصادي السياسي (من سمير أمين إلى عجم أوجلو)، وعلم الاجتماع السياسي والنفسي (من فانون وميمي إلى شرابي وغليون).
أولاً: "الأمن" كسلعة للابتزاز.. تحوّل المفهوم
في الفلسفة السياسية الكلاسيكية، يُنظر إلى الأمن باعتباره الغاية الأولى للعقد الاجتماعي. أسس الفيلسوف توماس هوبز في كتابه المرجعي "الوحش" (أو التنين) لشرعية الدولة بناءً على قدرتها على إنهاء حالة "حرب الكل ضد الكل".
ومع ذلك، فإن ما تقدمه الأنظمة الديكتاتورية يختلف جذرياً عن الأمن الهوبزي. فبدلاً من أن تكون الدولة هي "الحارس" الذي يمنع العنف، تصبح هي "المحتكر للعنف" الذي تهدد به المجتمع. الأمن هنا ليس حقاً عاماً، بل "منحة" مشروطة بالخضوع التام. وكما يشير المفكر برهان غليون في تحليله للدولة الأمنية العربية، فإن هذه الأنظمة أدخلت المجتمعات في حالة من "الموت السريري"، حيث تتم مقايضة الحقوق السياسية والمدنية ليس بأمن حقيقي، بل بـ "وهم الأمن". هذا الوهم يعني غياب الحرب الأهلية الشاملة مؤقتاً، لكن مع استمرار العنف البنيوي المتمثل في الفقر، والاعتقال، والإذلال اليومي. إنها معادلة تضع المواطن أمام خيارين: إما "الاستقرار في القبور" (السجون والمنافي) أو "الفوضى المتوحشة" التي يتم التلويح بها كفزاعة دائمة.
ثانياً: جدلية "الذل" والعبودية الطوعية
لماذا تقبل الشعوب بهذه المعادلة؟ هل هو القهر المادي فقط؟ هنا نستحضر أطروحة إتيان دو لا بويسي حول "العبودية الطوعية"، حيث يجادل بأن الطغاة لا يملكون قوة ذاتية لقهر الملايين، بل يستمدون قوتهم من قبول الشعوب لخدمتهم؛ إذ يقول: "إنه لا يملك عينين إلا عيونكم، ولا يملك يدين إلا أيديكم".
في الأنظمة الفاشلة، يتحول "الذل" من حالة طارئة إلى "مؤسسة"، ومن شعور بالألم إلى "استراتيجية بقاء". يصبح الذل جزءاً من نسيج الحياة اليومية: في طوابير الخبز، والحواجز الأمنية، والدوائر الحكومية. هذا "الإذلال الممنهج" ليس عبثياً، بل هو أداة لكسر "العمود الفقري الأخلاقي" للفرد، ودفعه للتركيز فقط على "النجاة البيولوجية" بدلاً من "العيش الكريم" وفق توصيف حنة أرندت.
ثالثاً: المقاربة الفلسفية.. تفكيك بنية الرعب
لفهم عمق المعادلة، يجب الغوص في الأسس الفلسفية التي تبرر الاستعباد بدعوى الأمن:
العقد الاجتماعي المغدور (هوبز ولوك): تستعير الأنظمة المستبدة لغة هوبز لتبرير بطشها، مدعية أن الطبيعة البشرية شريرة وأن "السيف" هو الضامن الوحيد للنظام. لكن جون لوك ينقض هذه المعادلة، مؤكداً أن الأمن بلا حرية وتملك هو "سجن"، وأن الحكومة التي تنتهك هذه الحقوق تفقد مبرر وجودها. في دولنا، نجد تبنياً انتقائياً ومشوهًا لهذه النظريات.
حنة أرندت وإلغاء الإنسانية: ترى أرندت أن الخطر في الأنظمة الشمولية ليس فقط قمع الحرية، بل في "تدمير العفوية" وإلغاء التفرد الإنساني. تقدم الدعاية الشمولية الأمن كبديل مغرٍ للجماهير المعزولة، قائلة: "تنازلوا عن تفكيركم وتحملوا المسؤولية، ونحن نضمن لكم مكاناً في حركة التاريخ". يعمل الذل هنا كأداة عزل؛ إذ ينكفئ الفرد على ذاته خجلاً من عجزه، مما يمنع تشكل أي فعل سياسي تشاركي.
أفيشاي مارغليت والمجتمع اللائق: في كتابه "المجتمع اللائق"، يطرح مارغليت معياراً جوهرياً: المجتمع اللائق هو الذي لا تهين مؤسساته الناس. في الديكتاتوريات، الإذلال هو "بنية مؤسسية" مصممة لإشعار المواطن بالعجز وأنه مجرد "موضوع" للسلطة، وكتلة بيولوجية تُدار بالحد الأدنى دون اعتراف بحقوقها.
رابعاً: الاقتصاد السياسي للقمع.. من "النيوليبرالية" إلى رأسمالية المحاسيب
تشير الأدبيات الحديثة إلى صعود نموذج "الرأسمالية الاستبدادية". في العالم العربي ودول الجنوب، لم يؤدِ الانفتاح الاقتصادي إلى الديمقراطية، بل أعاد تشكيل الاستبداد:
الانفتاح كأداة قمع: تزامنت سياسات السوق المنفلتة مع "تغول أمني". انسحبت الدولة من خدمات الرعاية الصحة والتعليم، مما كسر العقد الاجتماعي الرعوي، وعوضت فقدان الشرعية بـ "فائض القوة" الأمنية.
رأسمالية المحاسيب: البنية الاقتصادية ليست تنافسية، بل شبكة مصالح زبائنية بين النخبة الحاكمة ورجال الأعمال المقربين. وظيفة الأمن هنا حماية الاحتكارات ومنع المنافسة التي قد تهدد تدفق الريع.
الدولة الريعية وفخ "اللا تمثيل": في الدول المعتمدة على النفط أو المساعدات الخارجية، تستغني الدولة عن ضرائب المواطنين، وبالتالي عن تمثيلهم سياسياً. وحين يتراجع الريع، يتحول شراء الولاء بالمال إلى فرض الصمت بالخوف.
خامساً: المركز والأطراف.. جذور التبعية
من منظور الماركسية الجديدة، يرى الاقتصادي سمير أمين أن هذه الأنظمة نتاج "رأسمالية طرفية". هذه الدول ممنوعة بنيوياً من التطور المستقل، حيث تلعب النخب الحاكمة دور "الوسيط التابع" (بدلاً من مصطلح الكومبرادور) الذي يسهل نهب الموارد لصالح الشركات العالمية مقابل حماية عروشه. "الذل" هنا ضرورة اقتصادية للحفاظ على أجور منخفضة. كما أن مشاريع التنمية غالباً ما تكون "وهمية" تخدم الاستهلاك النخبوي وتترك الأغلبية في حالة فقر يسهل معه ضبطهم أمنياً.
ويتفق ذلك مع طرح عجم أوجلو وروبنسون حول "المؤسسات الاستحواذية" التي تنتزع الثروة من الأغلبية، وتفضل "الركود مع الأمن" على "النمو مع الحرية" خشية أن يزعزع الابتكار توازنات القوة.
سادساً: سيكولوجية القهر.. من الاستعمار إلى الاستبداد الوطني
الذل ليس صفة أصيلة في الشعوب، بل "تشوه بنيوي" تاريخي
فرانتز فانون وتذويب الدونية: الاستعمار لا يحتل الأرض فحسب، بل يستعمر العقل زارعاً شعوراً بالنقص. بعد الاستقلال، ورث الحاكم الوطني (الديكتاتور) "كرسي المستعمر"، ومارس نفس الدور الأبوي القمعي على شعب لم يتحرر نفسياً بعد.
ألبير ميمي واعتمادية الضحية: تنشأ علاقة اعتمادية تجعل المواطن يشعر بالعجز دون "الدولة/الأب" حتى لو كانت تذله. يصبح الذل مرادفاً للواقعية، ومحاولة التغيير ضرباً من الجنون.
استمرارية الدولة الكولونيالية: لم تنشأ الدولة العربية الحديثة كعقد اجتماعي، بل كجهاز سيطرة ورثته الأنظمة الوطنية وقامت بـ "تبيئته" دون تفكيك وظيفته القمعية.
سابعاً: الثقافة كأداة هيمنة.. "الأبوية المستحدثة"
لا يمكن إغفال دور الثقافة كأداة يتم التلاعب بها:
الأبوية المستحدثة (هشام شرابي): لم تحقق مجتمعاتنا الحداثة، بل أنتجت مسخاً يجمع قشرة الحداثة (تكنولوجيا) وجوهراً تقليدياً (عشائرياً). الحاكم هنا هو "أب" العائلة، ونقده "عقوق"، مما يضفي شرعية دينية وثقافية على الذل.
الهيمنة الثقافية: يتم استخدام التعليم والإعلام لترسيخ فكرة أن الوضع القائم هو القدر المحتوم، وتصوير الحرية كـ "مؤامرة".
توظيف الانقسامات: يتم التلاعب بالطائفية والقبلية لإخافة المكونات الاجتماعية من بعضها، ليلجأ الجميع للاحتماء بعباءة المستبد.
ثامناً: الخاتمة والمسار المستقبلي
يخلص التقرير إلى أن معادلة "الذل مقابل وهم الأمن" بنية مركبة تتضافر فيها عوامل الاقتصاد السياسي، والتاريخ الاستعماري، والثقافة الأبوية. اقتصادياً، هي رأسمالية استحواذية؛ وتاريخياً، هي استمرار للدولة ما بعد الاستعمارية؛ وثقافياً، هي نظام أبوي يُشرعن الطاعة.
إلا أن هذه المعادلة محكوم عليها بالفشل الحتمي. فـ "اقتصاديات القمع" تستنزف الموارد (الإنفاق العسكري الهائل على حساب التعليم والصحة)، و"سياسات الإذلال" تخلق مخزوناً هائلاً من الغضب. لقد أثبتت الكوارث والأزمات (كزلزال 2023) أن هذا الأمن هش وأن الدولة "نمر من ورق". المخرج الوحيد يكمن في استبدال هذه المعادلة بـ "عقد اجتماعي جديد" يقوم على الكرامة كقيمة تأسيسية، حيث الأمن نتاج للعدالة وليس نقيضاً لها.
***
غالب المسعودي
.............................
المراجع المقترحة
أمين، سمير. (1974). التطور اللامتكافئ: دراسة في تشكيلات الرأسمالية المحيطية. بيروت: دار الطليعة
أوجلو، دارون، وروبنسون، جيمس. (2012). لماذا تفشل الأمم: أصول السلطة والازدهار والفقر. ترجمة مروان سعد الدين
أرندت، حنة. (1951). أسس التوتاليتارية. (يُشار هنا إلى تحليلاتها حول الشمولية والعزلة)
بشارة، عزمي. (2012). في الثورة والقابلية للثورة. بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات
شرابي، هشام. (1988). البنية البطركية: بحث في المجتمع العربي المعاصر. بيروت: دار الطليعة
غليون، برهان. (1991). نقد السياسة: الدولة والدين. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر
فانون، فرانتز. (1961). معذبو الأرض. بيروت: دار الفارابي
مارغليت، أفيشاي. (1996). المجتمع اللائق. (ترجمة ومناقشة للمفهوم في السياق السياسي)
ميمي، ألبير. (1957). صورة المستعمر والمستعمر
هوبز، توماس. (1651). الليفياثان: الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة
لا بويسي، إتيان دو. (1576). مقالة في العبودية المختارة






