قضايا

علاء جواد كاظم: الدوبامين والصيام الرقمي

كم مرة نتفقد هواتفنا في اليوم دون سبب واضح؟ ربما عشرات المرات، واحيانا لمجرد استلام رسالة نصية او ظهور اشعار. وهذه العادة اصبحت جزءا من حياتنا اليومية ليست مجرد سلوك عابر، بل ترتبط بالية بيولوجية عميقة في الدماغ تعرف باسم "الدوبامين". فالدوبامين مادة كيميائية يفرزها الدماغ، ويلعب دورا مهما في التوقع والتعلم ونظام المكافأة وتحفيز الشعور بالمتعة. وأن هذه المادة الكيميائية كناقل عصبي ليست هرمون سعادة فقط، بل هي هرمون السعي والتوقع الذي يدفع الفرد للبحث عن المكافأة. فعندما تتوقع اشعار او رسالة او خبر عاجل يرتفع هرمون الدوبامين، وهو ما يفسر استخدامنا المتكرر لهواتفنا. لهذا اصبحت الهواتف الذكية جزءا ضروريا في حياتنا اليومية، والى درجة أن اغلبنا لا يستطيع ترك هاتفه حتى لساعة واحدة.

أن عصر الهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي كالفيسبوك والانستغرام وتيك توك، لم تعد التحدي الاكبر في الحصول على المعلومات، بل كيفية ضبطها والتحكم بها. لان كل اشعار منها هو محفز كيميائي صغير داخل الدماغ. وهذا المحفز هو "ابرة الدوبامين" والتي صممت الهواتف الذكية بطريقة تحافظ على الادمان عليها، على حد قول انا ليمبكي استاذة الطب النفسي بجامعة ستاندفورد الامريكية. والتدفق المستمر لهذا الناقل العصبي ومع تكرار استخدام تطبيقات الهاتف يقلل استجابة الدماغ لفرز الدوبامين، مما يؤدي الى الممل والاكتئاب والأرق.

ولم يعد استخدام الهواتف الذكية مجرد عادة عفوية، بل اصبح جزءا مما يطلق عليه بمفهوم "اقتصاد الانتباه". كما اشار اليه عالم الاقتصاد هربرت سايمون والحائز على "جائزة نوبل" أن "وفرة المعلومات تخلق فقرا في الانتباه" وقد تحول مفهومه الى واقع نعيشه. ففي اقتصاد الانتباه الرقمي لا تتنافس الشركات على بيع منتجاتها الرقمية (التطبيقات) بقدر ما تتنافس على جذب انتباه الاشخاص لاطول فترة ممكنة. فكل دقيقة يقضيها المستخدم امام شاشات الهواتف تعني اعلانات اكثر ومعلومات اكثر وارباحا اكثر. ولهذا صممت مواقع التواصل الاجتماعي والتنبيهات والرسائل والاشعارات بطريقة تجعل الهاتف يعود ليطالب بانتباهنا بتكرار. فكل رسالة نصية او اشعار جديد يعمل كمحفز صغير لهرمون الدوبامين في الدماغ، يقودنا لفتح الهاتف بشكل متكرر حتى دون ان نشعر بذلك احيانا.  

وامام هذا السيل المستمر من المحفزات الرقمية، بدأ علماء النفس يبحثون عن وسائل تساعد الشخص على اعادة السيطرة على انتباهه. وصيام الدوبامين هو طريقة مستوحاة من العلاج السلوكي المعرفي، تهدف الى تقليل التفاعل اللاارادي مع المحفزات المفرطة من استخدام مواقع التواصل الاجتماعي والاشعارات المتكررة والالعاب الالكترونية السريعة. وهذه الطريقة لا تعني بالضرورة تقليل تحفيز هرمون الدوبامين، بل تقليل الانشطة السلوكية غير الضرورية التي تؤدي الى افرازه بكثرة نتيجة الاستخدام المفرط للهواتف الذكية. وتؤدي هذه الفكرة الى اعطاء فرصة للدماغ لاعادة التوازن، من خلال الامتناع المؤقت عن هذه السلوكيات المحفزة له، ما يساعد على تقليل سلوكيات الادمان الرقمي وضبط السيطرة على هذه التصرفات.

وحسب قول كامرون سيباه، استاذ الطب النفسي السريري في جامعة كاليفورنيا، أن مفهوم "صيام الدوبامين" طريقة لا تقتصر على تقليل التفاعل مع الاجهزة الرقمية، بل تسعى لتدريب العقل على الاستمتاع بالانشطة والفعاليات الطبيعية والبسيطة كالقراءة، والتامل، والرياضة. لان السماح لانفسنا بأن نشعر بالوحدة لفترات قصيرة يمكن ان تساعدنا على اعادة ضبط الدماغ، مما يسهم في القدرة على التركيز ويقوى السيطرة على الرغبات، ويوفر شعور اكبر بالاستقرار النفسي.

والصيام الرقمي هو الامتناع المنظم والمؤقت عن استخدام تطبيقات الاجهزة الذكية لغرض اعادة ضبط الانتباه ونظام التحفيز. والهدف منه ليس رفض استخدام التكنولوجيا الرقمية، بل اعادة ضبط السيطرة عليها. ونتيجة لذلك يقل معدل افراز الدوبامين، ويعيد الدماغ حساسيته الطبيعية، وتصبح المتعة البسيطة ذات قيمة. ويترتيب عن هذا الامتناع المتكرر لساعات وايام هدوء نفسي، وانخفاض التوتر، وتحسين التركيز، وقدرة افضل على القراءة العميقة لغرض اعادة ضبط نظام المكافأة.

واذا كان علم النفس المعاصر يتحدث عن صيام الدوبامين كوسيلة لاستعادة ضبط الدماغ. فنجد في الثقافة الروحية للاسلام ومنذ مئات السنين وسائل لضبط الرغبات وتنظيم السلوك. وأن صيام رمضان هو احد ادوات تعزيز افراز الدوبامين بشكل متوازن، مما ينعكس بصورة ايجابية على الصحة النفسية والجسدية. فالامتناع عن الطعام والشراب يقلل من التحفيز السريع لهذا الهرمون، الامر الذي يعطي الدماغ فرصة لاعادة التوازن وكسر الروتين اليومي لبعض العادات مثل الافراط في تناول الشراب والطعام. وايضا نرى العبادات والاعمال الروحية لها دور مهم في تنشيط المكافاة في الدماغ، مما يعزز الشعور بالسكينة والاطمئنان.

وفي الختام، الصيام الرقمي ليس مجرد ممارسة عادة تقنية، بل هو سؤال فلسفي: هل نملك انتباهنا، ام يدار انتباهنا من الخارج؟  وعندما نمتنع رقميا، نحن لا نبتعد عن الهاتف فقط، بل نقترب من افكارنا وصمتنا ووعينا الداخلي. الدوبامين ليس عدوا للبشر ولا التكنولوجيا شرا على الانسانية، لكن عندما تصبح المحفزات اسرع من قدرتنا على الاستيعاب. حينها نحتاج الى وقفة جادة لنحاول استعادة وعينا بعمق لا لنهرب من عالمنا الرقمي. 

 ***  

علاء جواد كاظم

في المثقف اليوم