عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

عبد السلام فاروق: نصف قرن عشوائي.. تأملات في انهيار المنظومة القيمية

حين ننظر إلى مجتمعاتنا العربية اليوم، نقف حائرين أمام سؤال مؤرق كيف تحولنا من مجتمع كان يعرف قيمه وثوابته إلى هذا الفضاء اللأخلاقي المشوه؟ كيف تمت هذه الرحلة الطويلة من اليقين إلى الشك، ومن الثبات إلى الانهيار، ومن الوضوح إلى العتمة؟

إنها رحلة نصف قرن، ليست طويلة بما يكفي لتغيير طبائع البشر، ولكنها طويلة بما يكفي لتدمير منظومة قيمية كانت عصية على الاختراق. خمسون عاماً من العشوائية المقنعة، من التفكك البطيء، من الموت التدريجي للضمير الجمعي.

كانت السبعينيات من القرن الماضي نقطة تحول حقيقية في تاريخنا المعاصر. كانت لحظة انفجار أخلاقي صامت. بدأت الأمور تتفكك بهدوء، كخيوط نسيج يتآكل خيطاً خيطاً، دون أن ننتبه إلى أن الصورة الكاملة تتشوه أمام أعيننا.

في تلك الفترة، اختلت موازين كنا نظنها راسخة كالجبال. تزعزعت ثوابت اعتقدنا أنها محفورة في صخر التاريخ. المجتمع الذي كان يحتكم إلى منظومة قيمية واضحة المعالم، يفرز من خلالها الصواب من الخطأ، ويميز المقبول من المرفوض، بدأ يفقد بوصلته الأخلاقية. تلك البوصلة التي كانت تشكل حصونه الدفاعية الأولى ضد التفلت والانحلال.

العقل المريض

كالعادة، ظهرت بوادر الاختلال أولاً في السياسة. فالسياسة -كما نعرف - هي العقل المدبر للجسد الاجتماعي. أي خلل يصيب هذا العقل لا بد أن ينعكس على كل عضو من أعضاء الجسد. والواقع أن العقل السياسي العربي أصيب بمرض عضال منذ تلك الحقبة. تحولت السياسة من أداة لتحقيق الصالح العام إلى وسيلة صراع شرسة على النفوذ والمكانة. صارت المفاهيم الكبرى مثل الوطنية والعدالة الاجتماعية والحرية مجرد شعارات ترفع في الخطب الرنانة، وتدفن في الممارسات اليومية. تآكلت الجسور التي كانت تربط الحاكم بالمحكوم، والدولة بالمواطن. صار كل طرف ينظر إلى الآخر بشك وريبة، وبدأت الثقة تتبخر كالندى تحت شمس الظهيرة.

لقد حولتنا السياسة إلى قطع شطرنج تتحرك على رقعة لا نرى أبعادها الحقيقية. صنعنا لأنفسنا أوهاماً كبيرة، أوهاماً بالديمقراطية التي لم نذق طعمها، وأوهاماً بالتنمية التي مرت علينا كالسحاب، وأوهاماً بالعدالة التي ظلت حبيسة الأدراج.

حصن ينهار

لم يكن التعليم بمنأى عن هذا الزلزال القيمي. المدرسة التي كانت حصناً منيعاً للقيم، ومعقلاً للعلم النزيه، تحولت إلى سوق للصفقات. النجاح صار سلعة تشترى، والشهادة أصبحت ورقة تتداول، والمعرفة تحولت إلى متاع يباع ويشترى. لقد فقد التعليم براءته. تلك البراءة التي تجعل من العلم غاية في حد ذاته، لا وسيلة لتحقيق مكاسب مادية. بدأنا نرى جيلاً يحمل شهادات عليا بدون معرفة حقيقية، يملك وثائق تثبت تخرجه من أفضل الجامعات ولكن بدون مهارات تمكنه من الإضافة والإبداع.

الطالب الذي كان يبحث عن المعرفة أصبح يبحث عن الدرجات. الأستاذ الذي كان قدوة ومنارة تحول إلى مجرد موظف يؤدي واجباً روتينياً. المناهج التي كانت تشعل شرارة الفضول أصبحت تخمد أي روح نقدية. تحول التعليم إلى آلة لتخريج حفظة لا مفكرين، ومقلدين لا مبدعين.

الإعلام مرآة مشوهة

وجاء الإعلام ليكمل الصورة المشوهة. تحول من مرآة تعكس واقع المجتمع إلى أداة لتشويه الواقع وتبسيطه وتسليعه. الخبر صار سلعة، والحقيقة مزاداً يعلو فيه أعلى مزايد، والرأي العام أصبح هدفاً يمكن التلاعب به واستغلاله بسهولة. فقد الإعلام مصداقيته تدريجياً. أصبحت الكلمة لا تقدر بقيمتها الحقيقية ولا بصدقها، وإنما بما تحققه من انتشار ومشاهدات وإثارة للجدل. صار الجمهور يتلقى صورة مشوهة عن نفسه، صورة لا تعبر عن حقيقته ولا تحترم عقله.

الإعلام العربي اليوم يعاني من انفصام حاد، فهو من جهة يقدم خطاباً أخلاقياً مثالياً، ومن جهة أخرى يمارس أساليب التحريض والتضليل. ينادي بالحرية وهو يكبت الأصوات، ويدعو للوحدة وهو يزرع الخلافات، ويثير القضايا المصيرية وهو غارق في التفاهات.

الرغبتان المتوحشتان

في خضم هذه الفوضى القيمية، سيطرت رغبتان أصبحتا المحرك الأساسي للسلوك الفردي والجماعي: الرغبة في المال والثراء، والرغبة في المكانة والوجاهة والنفوذ. صار تحقيق هاتين الرغبتين هو الهدف الأسمى، بغض النظر عن الوسائل، وبمعزل عن الجدارة والاستحقاق والمشروعية. لقد بات النجاح المادي معيار وحيد للقيمة. أصبح الغني - بغض النظر عن مصدر ثروته وأيًا كانت طريقة تكوينها - هو النموذج الذي يحتذى ويقلد. انهار مبدأ أن الغنى ليس بكثرة العرض ولكن غنى النفس، واستبدل بمبدأ الغني هو من يملك أكثر. في هذا المناخ، لم يكن مستغرباً أن يصبح التحايل والالتفاف والمرور من الثغرات هو أقصر الطرق لبلوغ الأهداف. تحولت المهارات الحقيقية إلى سلع مهجورة لا قيمة لها في السوق الاجتماعية، وحلت محلها مهارات جديدة: مهارة الغش، وفن التزوير، وبراعة انتهاك المعايير والأخلاق دون أن تكتشف. صارت القوانين واللوائح مجرد عوائق شكلية يمكن تجاوزها لمن يملك المال أو النفوذ أو الذكاء الماكر. أصبح القانون سلاحاً للأقوياء ضد الضعفاء، وللأغنياء ضد الفقراء، وللمتسلطين ضد المحرومين.

الصمت الأكبر

الأمر الأكثر إيلاماً في هذه القصة ليس فقط سقوط القيم، لكن الصمت على هذا السقوط. صمت مرعب أصاب المجتمع بأسره. كان هناك صمت الخائفين الذين ارتعدت قلوبهم من بطش السلطة أو من الإقصاء الاجتماعي. وكان هناك توافق من المستفيدين الذين وجدوا في الفوضى الأخلاقية فرصة لتعزيز مكاسبهم. وكان هناك تواطؤ من المشاركين في الجريمة الذين صاروا جزءاً من النظام الفاسد.

الجميع رأى، والجميع علم، ولكن قلة فقط تجرأت على الكلام. تحول الفساد من فعل استثنائي يشمئز منه الضمير إلى ظاهرة طبيعية مقبولة، ومن انحراف عن القاعدة إلى قاعدة جديدة تحكم العلاقات الاجتماعية بأسرها.

في مجتمع كهذا، صار الملتزم بقيمه الأصيلة شاذاً وغريباً. صار الصادق في حيرة، والنزيه في عزلة، والمبدع في سجن. انقلبت المفاهيم، فصارت الفضيلة رذيلة، والرذيلة فضيلة. تحول الصمت عن الفساد إلى واجب، والكلام عنه إلى جريمة.

المجتمع الذي صنعناه

نصف قرن على هذا الحال أنتج مجتمعاً جديداً تماماً، مختلفاً جذرياً عن المجتمع الذي كنا نعرفه. مجتمع نحن من صنعناه بأيدينا، باختياراتنا الصغيرة والكبيرة، بصمتنا وتواطؤنا، بمشاركتنا الفاعلة أو بسكوتنا المتواطئ.

إنه مجتمع نحن من ننكره الآن، ونشيح بوجوهنا عنه وكأننا لم نكن شركاء في صناعته. مجتمع نحن من نتنصل من مسئوليته، ونرمي باللائمة على الآخرين على النظام، على الظروف، على المؤامرات الخارجية، على أي شيء إلا أنفسنا. هذا المجتمع الجديد يعاني من أزمات متراكمة؛ أزمة ثقة في كل شيء وفي الجميع، أزمة هوية لم نعد نعرف من نحن وإلى أين نتجه، أزمة قيم لم يعد لدينا ما نؤمن به سوى المال والمظهر، أزمة أمل جعلت اليأس ينسل إلى قلوب شبابنا قبل شيوخنا.

مهمة إعادة البناء

اليوم، ونحن نقف على أنقاض منظومتنا القيمية، نجد أنفسنا أمام مهمة تاريخية عظيمة: مراجعة شاملة لكل شيء. القيم تحتاج إلى إعادة نظر، والمهن تحتاج إلى تصحيح مسار، المرافق والمؤسسات تحتاج إلى إصلاح جذري، والبناء الاجتماعي بأسره في حاجة إلى إعادة هيكلة من القاعدة إلى القمة. ولكن هذه المراجعة يجب أن تكون مسئولة، صادقة، أمينة. يجب أن تبدأ بأنفسنا أولاً، بأن ننظر في المرآة دون خوف أو مواربة. لا يمكن إصلاح مجتمع وأعضاؤه مصابون بالإنكار والهروب من المسئولية. إن إعادة بناء المنظومة القيمية ليست مهمة مستحيلة، كما قد يظن البعض. ولكنها تحتاج إلى شجاعة نادرة. شجاعة الاعتراف بالأخطاء، وشجاعة تحمل المسئولية، وشجاعة البدء من نقطة الصفر. نحن بحاجة إلى تعليم جديد يقدس العلم ويحترم العقل ويشعل روح النقد والإبداع. نحن بحاجة إلى إعلام يبحث عن الحقيقة ويحترم عقل الجمهور ويخدم المصلحة العامة. نحن بحاجة إلى سياسة تخدم الشعب لا تستهلكه، وإلى اقتصاد ينتج الثروة لا ينهبها، وإلى عدالة تحمي الضعيف قبل القوي.

الجيل الجديد: الأمل الوحيد؟

ربما يكون الأمل الوحيد في الجيل الجديد، الجيل الذي لم يشهد "الزمن الجميل" الأسطوري ولكنه يدفع ثمن خرابه اليوم. جيل يبحث عن معنى في عالم فقد معناه، ويبحث عن قيم في مجتمع تآكلت قيمه وتفسخت أخلاقه.

هذا الجيل الذي يرفض أن يكون نسخة مكررة منا، ويسعى لبناء عالمه الخاص بقيمه الخاصة ورؤيته الخاصة، ربما يكون حقاً هو المنقذ الذي ننتظره. إنه يمتلك من الأدوات ما لم نمتلكه نحن: وعياً أكبر، واتصالاً أوسع بالعالم، وإحباطاً من الواقع يدفعه للتغيير لا للاستسلام. ولكن علينا نحن أيضاً أن نمنحه الفرصة، أن نفتح له الطريق، أن نزيل عن كاهله إرث نصف قرن من العشوائية الأخلاقية. لا يمكن أن نطلب منه أن يبني على أنقاض قيمنا دون أن نعطيه أدوات البناء، أو أن ننتظر منه الخلاص ونحن مازلنا متمسكين بأساليبنا الفاسدة وعقلياتنا المتخلفة.

 البداية من هنا

لقد صنعنا هذا الواقع بأيدينا، وعلينا أن نصلحه بأيدينا أيضاً. ليس هناك من ينقذنا إلا نحن، وليس هناك وقت نضيعه في الانتظار أو التمني. البناء يبدأ بحجر واحد، والإصلاح يبدأ بقرار واحد، والتغيير يبدأ بإنسان واحد.

فلنكن نحن هذا الإنسان. ولتكن هذه اللحظة هي البداية. قبل أن يمر نصف قرن آخر، ونقف حائرين مرة أخرى، نبحث عن من يلومه على خراب جديد، ونحن نعلم في أعماقنا أن المسئولية تبدأ منا وتنتهي إلينا. إن استعادة القيم ليست حلماً رومانسياً، إنما ضرورة وجودية. بدون قيم، نفقد بوصلتنا. بدون أخلاق، نصبح مجرد كائنات تتصارع على البقاء والثراء. بدون ضمير جمعي، نصبح جزراً منعزلة في بحر من الفوضى. لقد آن الأوان لنقول كفى للصمت، كفى للتواطؤ، كفى للتنصل من المسئولية. آن الأوان لنبدأ رحلة العودة إلى أنفسنا، إلى قيمنا، إلى إنسانيتنا التي كدنا ننساها.

نصف قرن عشوائي كاف لتدمير أي مجتمع. ولكن التاريخ يعلمنا أن الأمم لا تموت إلا حين تستسلم لموتها. ونحن لم نستسلم بعد. ولن نستسلم.

***

د. عبد السلام فاروق