قضايا
مصطفى غلمان: النسق الذي ينتج ذواته.. عنف رمزي بلا مركز
خلال متابعتي للقاء الفكري الذي احتضنته مؤخرا المكتبة الجامعية الرقمية التابعة لـجامعة القاضي عياض، والذي استضاف المفكر والأكاديمي المغربي عبد الله ساعف لمقاربة تحولات الحقل السياسي المغربي، بدا واضحا أن ما يُطرح لا يمكن الاكتفاء بتلقيه في مستوى العرض، بل يفرض نفسه كموضوع للتفكير النقدي. ذلك أن هذا الحقل، بما يحمله من توترات وتحولات، لا يُختزل في توصيف سطحي، بل يستدعي مساءلة عميقة لشروط إمكانه، وحدود اشتغاله، ومآلاته الممكنة.
ومن هذا المنطلق، يبدو ضروريا تسجيل جملة من الملاحظات التي لا تنطلق من موقع الرفض أو التسليم، بل من أفق فلسفي يسائل ما يُقال بقدر ما يكشف ما يُسكت عنه، ويعيد تفكيك البداهات التي تُقدَّم باعتبارها حقائق مكتملة، في حين أنها تظل مفتوحة على احتمالات متعددة من التأويل والنقد.
في قلب المحاضرة، سعى عبد الله ساعف إلى تفكيك مفارقة تبدو، في ظاهرها، دقيقة التحليل، لكنها في عمقها لا تفلت من إعادة إنتاج نفس الإطار التأويلي الذي تدّعي مساءلته.
كيف يمكن للتغيير أن يتحول إلى مجرد آلية لإعادة إنتاج الثبات؟
هذا السؤال، يظل حبيس أفق وصفي يلامس الظاهرة دون أن ينفذ إلى بنيتها الجذرية، إذ يفترض ضمنيًا أن هناك تغييرًا فعليًا يُعاد توجيهه، بينما قد يكون الأجدر أن نتساءل: هل نحن أمام تغيير أصلًا، أم مجرد إعادة تمثيل رمزي للحركة داخل بنية ساكنة؟
إن القول بأن “الجنوب الكبير” لم يكن خارج التحول، بل أعاد إنتاج بنياته عبر استثمار الحداثة من داخل القوى التقليدية، لا يعدو أن يكون إعادة صياغة لأطروحة كلاسيكية حول “تكيّف التقليد”، دون مساءلة حقيقية لما يسميه ميشيل فوكو بـ“ميكروفيزياء السلطة”، حيث لا تكون السلطة شيئًا يُعاد توزيعه بين الصلب واللين، بل شبكة كثيفة من العلاقات التي تُنتج الذوات نفسها. فالمشكلة ليست في أن الحداثة استُخدمت من داخل التقليد، بل في أن هذا التقابل ذاته (حداثة/تقليد) قد فقد صلاحيته التحليلية، لأنه يخفي أكثر مما يكشف.
أما استبدال مفهوم “الانتقال الديمقراطي” بـ“الانتقال السياسي”، بدعوى تفادي الحمولة المعيارية، فيكشف بدوره عن نوع من الحذر المنهجي الذي ينتهي إلى تفريغ المفهوم من قوته النقدية. فكما يذهب يورغن هابرماس، لا يمكن للفعل السياسي أن يتحرر من أفقه المعياري دون أن يفقد معناه التداولي.
إن التخلي عن “الديمقراطي” لصالح “السياسي” لا يحرر التحليل، بل يجعله منزلقًا نحو توصيف محايد ظاهريًا، لكنه متواطئ ضمنيًا مع القائم، لأنه يعجز عن تسميته بما هو عليه.
وإذا انتقلنا إلى المحاور الخمسة التي انتظمت ضمنها المحاضرة، فإنها، رغم تماسكها الظاهري، تعيد إنتاج منطق خطي يُوهم بالفهم الشامل. ففكرة “إعادة إنتاج النسق منذ السبعينيات” تغفل ما يشير إليه بيير بورديو من أن الاستمرارية ليست مجرد تكرار، بل هي نتاج “عنف رمزي” يُعيد تشكيل الفاعلين أنفسهم بحيث يصبحون شركاء في إعادة إنتاج ما يهيمن عليهم. وهنا، لا يعود السؤال عن لماذا يستمر النسق، بل كيف يُنتج ذواتًا لا ترى خارج شروطه.
أما الحديث عن الديناميات الاجتماعية (البطالة، التحولات الديمغرافية، الأسرة النووية) بوصفها مفاتيح تفسيرية، فيبقى اختزالياً، لأنه يعامل هذه الظواهر كمعطيات خارجية، في حين أنها، كما يؤكد أنتوني غيدنز، جزء من “بنية التشكّل” حيث يتداخل الفعل والبنية في علاقة جدلية، لا يمكن فيها فصل الاجتماعي عن السياسي.
وفي ما يتعلق بمركزية الدولة وتحولها من “سلطة صلبة” إلى “سلطة لينة”، فإن هذا الطرح يظل سجين ثنائية مضللة. فالسلطة، وفق تصور جيل دولوز، لم تعد تُمارس عبر الصلابة أو الليونة، بل عبر “مجتمعات التحكم” حيث يصبح الضبط أكثر سيولة، لكنه أيضًا أكثر تغلغلاً. وبالتالي، فإن الحديث عن الحكامة والتفاوض كبدائل للهيمنة يغفل أن هذه الآليات نفسها قد تكون أشكالًا أكثر تعقيدًا لإعادة إنتاجها.
أما بخصوص “الدولة التدبيرية” وتراجع الإيديولوجيا لصالح التقنية، فإن استدعاء يورغن هابرماس هنا يبدو انتقائيًا، لأن أطروحته لم تكن احتفاءً بالتقننة، بل نقدًا لـ“استعمار العالم المعيش” من طرف العقل الأداتي. وبالتالي، فإن ما يُقدَّم كتحول نحو النجاعة قد يكون، في العمق، تفريغًا للسياسي من معناه الصراعي، وتحويله إلى مجرد إدارة للضرورات.
كما أن الحديث عن انتقال من نخب حزبية إلى نخب رقمية وشبكية، ومن وساطة مؤسساتية إلى احتجاج مباشر، لا ينبغي أن يُفهم كتحول تحرري، بل ربما كأحد تجليات ما يسميه زيغمونت باومان بـ“الحداثة السائلة”، حيث تتفكك الأطر دون أن تُستبدل بأخرى قادرة على الفعل المنظم، مما يترك الفاعلين في حالة سيولة دائمة تُضعف قدرتهم على التأثير.
في المحصلة، تبدو المحاضرة، رغم عمقها الظاهري، وكأنها تدور داخل نفس المدار الذي تحاول نقده، فهي تُفكك دون أن تُزعزع، وتصف دون أن تُؤسس لقطيعة إبستمولوجية حقيقية. إنها تعيد إنتاج المفارقة ذاتها التي تعلنها، تحديث بلا تحرر، وتغيير بلا تحول. وهو ما يجعل الحقل السياسي المغربي لا يبدو معلقًا بين الممكن والمستحيل فحسب، بل أسيرًا لخطابٍ يصف أزمته أكثر مما يملك الجرأة على تسميتها أو تجاوزها.
***
د. مصطفى غلمان







